اخبار المغرب
موقع كل يوم -الأيام ٢٤
نشر بتاريخ: ٢١ أيار ٢٠٢٦
في زمن تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتشتد فيه الأسئلة حول حصيلة ما بعد دستور 2011، يطل الخبير الاقتصادي المغربي نوفل الناصري بكتاب جديد يحمل عنوان: “تدبير السياسات العمومية بالمغرب ما بعد دستور 2011”، مقدما قراءة تحليلية لمسار الدولة المغربية خلال واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخها المعاصر.
في هذا الحوار، يتحدث الناصري عن الخلفيات التي دفعته لاختيار لحظة دستور 2011 منطلقا لتحليل السياسات العمومية، ويشرح الأطروحات المركزية التي يقوم عليها كتابه، من الدستور باعتباره “منظومة تشغيل للمؤسسات”، إلى إعادة هندسة الدولة الاجتماعية، وصولا إلى الدبلوماسية الاقتصادية باعتبارها امتدادا للسيادة الوطنية.
كما يناقش الحوار اختلالات النموذج التنموي المغربي، من بطالة وفوارق مجالية وضعف الإنتاجية، مقابل ما يعتبره “نجاحا في الحفاظ على الاستقرار وتدبير الأزمات دون السقوط في وصفات التقويم الهيكلي التقليدية”، قبل أن ينتهي إلى سؤال المستقبل: هل تكفي مكتسبات العقد الماضي لضمان إقلاع تنموي جديد، أم أن المغرب مطالب بجيل ثانٍ من الإصلاحات أكثر عمقاً وجرأة؟
في ما يلي نص الحوار كاملا:
1. لماذا اخترت لحظة دستور 2011 بالذات نقطة انطلاق لتحليل السياسات العمومية المغربية، وما الذي يجعل هذه المرحلة محورية ومفصلية في تاريخ الدولة المغربية الحديثة؟
يشرفني أن أضع بين يدي القارئ خلاصة تأمل ممتد لسنوات، استقيتها من الممارسة داخل مفاصل الدولة، ومن مقاربة تحليلية اقتصادية ومالية للواقع الوطني، ومن غوصٍ متواصل في النصوص والأرقام والوثائق.
ولما أمعنتُ النظر في مسوّغات هذا العمل، وجدتني أعود بلحظة فاصلة في تاريخنا المعاصر: ربيع عام 2011. ذلك الوقت الذي وقف فيه المغرب على مفترق طرق تاريخي، لم يكن الخيار فيه بين 'إصلاح أو لا إصلاح'، بل بين 'إصلاح يُدبَّر حكما' و'إصلاح يُفرَض قسراً'. فاختار المغرب أن يبادر، وكان ثمن وثمار هذه الاستباقية:
دستور يُنجز في برق زمني، انتخابات في مناخ متأجج، حكومة تُكلف بالتدبير في لحظة كانت فيها الخزانة العامة تكاد تلفظ أنفاسها.
تلك اللحظة ليست مجرد بداية تعاقبية للكتاب، بل هي بوصلته النظرية وروحه المنهجية. فمَن يرث عجزا في الميزانية يناهز 7.2% من الناتج الداخلي الخام، وعجزا جارياً يصل إلى 9.2%، واحتياطيا من العملة الصعبة لا يكاد يغطي أربعة أشهر ونصفاً من الواردات — كل ذلك في ظل أوضاع اجتماعية تتصاعد بفعل ما أُطلق عليه حينها 'الربيع العربي' — مَن يرث هذا الجبل من الالتزامات، في مواجهة خزينة شبه خاوية، يدرك حتما أن ما أُنجز بعد ذلك تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس لم يكن مجرد سياسات عمومية عابرة، بل كان عملية إنقاذ للدولة ذاتها من خطر الاختناق المالي والاجتماعي.
ولئن كان هذا الكتاب يُلح على أسئلة متعددة، فإنه السؤال الجوهري الذي يتفرع عنه كل شيء: 'كيف استطاعت الدولة، في ظل سياق عالمي تغلب عليه أمواج اللايقين، ووسط احتدام داخلي مركب، أن تدير سياساتها العمومية بدرجة معقولة من الفعالية والنجاعة؟'
2. ما هي الأطروحات المركزية التي يقوم عليها البنيان النظري والمنهجي للكتاب، وكيف تتكامل هذه الأطروحات لتقديم إطار تحليلي متكامل لفهم تدبير الدولة المغربية لمرحلة ما بعد الربيع العربي؟
ارتكز التحليل في هذا الكتاب على أربع أطروحات مركزية تشكل معاً الإطار المرجعي الذي ينتظم عنده السرد ويتفرع عنه الاستنتاج:
الأطروحة الأولى: الدستور كمنظومة تشغيل، لا كنص تأسيسي
إن الافتراض النظري الذي ينبني عليه هذا العمل يبدو بسيطاً في صياغته لكنه واسع في آثاره: دستور 2011 ليس عقداً اجتماعياً جامداً يُتلى، بل هو نظام تشغيل للمؤسسات، يُحدد بدقة توزيع الصلاحيات وآليات التفاعل بين مراكز القرار.
فالمادة 49 ترسم اختصاصات المجلس الوزاري بوصفه القمة الهرمية للقرار (من التوجهات الاستراتيجية إلى قوانين الإطار إلى قانون المالية). فيما تحدد المادة 92 نطاق تدخل المجلس الحكومي. بين هذين القطبين تُصنع السياسات العمومية، وتُحال إلى البرلمان. لكن الممارسة كشفت فجوة نظرية، بين ما يُقرر استراتيجياً وما يصل إلى أرض الواقع، مما جعل النص الدستوري هيكلاً يحتاج إلى هندسة تفعيلية.
هذا الجهد التفعيلي يتجسد رقماً في أكثر من 400 مشروع قانون أُحيل إلى البرلمان بين 2012 و2016، و940 نصا قانونيا وتنظيميا صادق عليها مجلس الحكومة بين 2017 و2021. هذه ليست حواشي إحصائية، بل مادة خام تدل على تحويل الدستور من وعد مكتوب إلى سلوك يومي للمؤسسات.
الأطروحة الثانية: إعادة هندسة الدولة الاجتماعية، من الإنفاق العشوائي إلى الاستهداف المنهجي
إذا كان السؤال الشائع هو 'كم ننفق؟'، فإن السؤال الأكثر دلالة في هذا الكتاب هو 'بأي معايير ننفق؟'. فالحماية الاجتماعية كانت قبل 2011 موزعة على أكثر من عشرة برامج متوازية، يتداخل بعضها، يتعارض بعضها، وتُحدث هدراً مزدوجاً: مالي بالازدواجية، وأخلاقي بالحرمان.
لذلك فإن قانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، الذي صادق عليه البرلمان بإجماع غير مسبوق في مارس 2021، يمثل لحظة تحول مؤسسي. ليس لأنه يصوّت لأفعال، بل لأنه يعيد تعريف علاقة الدولة بالمواطن كموقع مركزي للسياسة العمومية.
والدليل على الجدية ليس في الخطاب، بل في الأرقام: ارتفاع نسبة التغطية الصحية من 35% (2012) إلى 69% (2019)، مع استهداف 88% بحلول 2025. واعتماد ميزانية تراكمية تصل إلى 51 مليار درهم، إلى جانب إنشاء لجنة وزارية ولجنة تقنية ووكالتين وطنيتين: أي تحويل فكرة 'الحماية الاجتماعية' من شعار إلى منظومة حكامة صلبة ومستدامة.
الأطروحة الثالثة: الأزمة كشرط للتنمية، نموذج مغربي-مغربي إصلاحي خارج صندوق التقويم الهيكلي
طورت حكومات ما بعد 2011 مقاربة أصفها بـ 'الإصلاح المتوازن دون الإملاءات التقويمية التقليدية'. وبعيدا عن قسوة النماذج الكلاسيكية فلم تُفرغ الصناديق الاجتماعية، بل أعادت هيكلتها. لم تلغي الدعم العيني، بل أعادت توجيهه. وهذا يتجلى في ثلاث طبقات متداخلة:
-الطبقة الهيكلية الصلبة: إصلاح منظومة العدالة، إصلاح نظام التقاعد، محاولة إعادة هيكلة المقاصة والضريبة في اتجاه عدالة أفقية ورأسية.
-الطبقة الاجتماعية الناعمة: برامج استباقية لمواجهة البطالة والفوارق المجالية، تعززت عند جائحة كوفيد-19، حيث استطاعت الدولة تعويض فقدان الشغل ودعم المقاولات دون انهيار مالي.
-الطبقة المالية التقنية: القانون التنظيمي للمالية لتحسين شفافية الإنفاق، تحرير سعر الصرف التدريجي، وتحديث نظام بنك المغرب وتحسين مناخ الاعمال والإطار القانوني للاستثمار.
ما يهمني ليس تفاصيل كل أداة، بل النموذج الإصلاح الكلي المغربي-مغربي: إدارة ضغوط متعددة (ميزانية، ترابية، اجتماعية، جائحة) دون المرور ببرنامج قروض صندوق النقد التقليدي وتوطيد المكتسبات التي حققتها المملكة. وأعتقد أن هذا، في حد ذاته، يشكل حالة يمكن دراستها في الأدبيات المقارنة للاقتصاد السياسي للإصلاح.
الأطروحة الرابعة: الدبلوماسية الاقتصادية امتداد للسيادة، الداخل كامتداد للخارج والعكس
ربما كان أكثر ما أثار دهشة المراقبين هو تحول الدبلوماسية المغربية إلى أداة تنموية داخلية. تلك المقاربة التي أرسى دعائمها جلالة الملك محمد السادس تجعل من الدبلوماسية الاقتصادية امتداداً حتميا للسياسة العمومية، وليس بروتوكولا يلمع فقط صورة المغرب.
فأكثر من ألف اتفاقية مع دول إفريقيا جنوب الصحراء، ومبادرة الأطلسي، ومشروع أنبوب الغاز الاستراتيجي الرابط مع نيجيريا، وانضمام محتمل إلى مجموعة 'سيدياو'، هذه ليست مناورات جيوسياسية فقط. بل هي تأمين لأسواق التصدير، وتنويع للشركاء، ودعم لفرص الشغل في الداخل، وتعزيز لموقف تفاوضي في قضية السيادة الوطنية.
أعتقد أن ما يبدو الان كسياسة خارجية متقدمة، هو في جوهره سياسة داخلية بآليات خارجية. وهذا هو جوهر الأطروحة: مغرب اليوم لم يعد يفصل بين ملفاته الداخلية وتحدياته الخارجية، بل يديرها في حيز واحداً هو 'أمنه القومي الموسع' اقتصاديا، اجتماعيا، وديبلوماسيا.
3. يبدو الكتاب من العنوان أنه قراءة إيجابية للتطورات، فكيف تردّ على من يتهمك بـ'التحيز' أو 'النظر إلى نصف الكأس الممتلئ فقط'، خصوصاً في ظل استمرار اختلالات بنيوية كالبطالة والتفاوتات المجالية؟
لا، لم أكتفِ بالإنجاز ولم أغرق في التفاؤل ولم أقل أن ما أنجز هو نهاية الطريق، وما جاء في الكتاب ليس مدحا ولا قدحا، بل هو تمرين في الصدق المؤسسي: صحيح أن النموذج التنموي المغربي حقق استقراراً اقتصادياً كلياً أشادت به المؤسسات الدولية. وصحيح أن التحول الصناعي صار ملموسا في المصانع والمناطق الحرة.
وصحيح أن الانفتاح على إفريقيا تحول من شعار إلى شبكة اتفاقيات وبنية تحتية. كل هذا صحيح، وأنا من عايش تفاصيله وصنع جزءا من قراراته.
لكن الحقيقة، بكل تجرد، تقول أيضا:
-إن بطالة هيكلية لا تزال تعض في خاصرة الاقتصاد، تتجاوز 13%، وتقفز بين شبابنا إلى أكثر من 37%، وهذا ليس رقما، بل قنبلة موقوتة.
-إن التفاوتات المجالية صارخة إلى درجة أن ثلاث جهات فقط تستأثر بأكثر من 60% من ثروة البلاد، وكأن العدالة الترابية ليست في أولوياتنا.-والأكثر إيلاماً على المستوى التحليلي: إنتاجيتنا الكلية لا تزال تعيش في عصر مضى. فما بين 70% و80% من نمونا ليس نتاج كفاءة أو ابتكار، بل نتاج مجرد ضخ المزيد من العمل والمزيد من رأس المال. وهذا، في لغة الاقتصاد، يعني أننا نركض أسرع دون أن نتقدم حقيقة.
هذه ليست وقائع للتشهير، ولا أرقاما للطعن في الخلف. بل هي قراءة موضوعية ترى النصف الممتلئ والنصف الفارغ بعين واحدة. إنها تشخيص وضرورة منهجية قبل أن تكون موقفا سياسيا. لأن من يُغلق عينيه عن المرض، يرضى به، ومن يرضى به يكرس داء العطب، ومن يكرس داء العطب، يفقد قدرته على التجاوز. ومن يفقد القدرة على التجاوز، يهوي في فخ إعادة إنتاج الأزمة ذاتها إن لم اقل شيئا أكبر من هذا.
5. ما صلة الكتاب بالنقاشات الراهنة من قبيل الدولة الاجتماعية والنموذج التنموي وكيف يتفاعل معها؟
بالفعل الكتاب بحكم تطرقه للسياسات العمومية المغربية يتداخل ويتفاعل مع أشرت إليه، فبالنسبة لنقاش النموذج التنموي الجديد: في نظري، الكتاب يُوفِّر مرجعا تقييميا ضروريا لمسار تنزيل النموذج التنموي الجديد. أما نقاش الدولة الاجتماعية، فالكتاب يساهم النقاش المتصاعد حول مدى قدرة منظومة الحماية الاجتماعية المُعممة على الإفلات من مثالب سوء الاستهداف وضعف التمويل. وأضيف نقاش الموقع الإفريقي للمغرب، ففي سياق المساعي المتجددة للانضمام إلى مجموعة سيدياو والنقاشات الجيوسياسية الإقليمية، يُقدِّم الكتاب تحليلا مختلف لمنطق الدبلوماسية الاقتصادية المغربية وأهدافها.
وأعتقد أن هذه النقاشات الثلاثة ليست منفصلة، بل متداخلة فيما بينها. فالنموذج التنموي الجديد لا يُنجز دون دولة اجتماعية قوية، والدولة الاجتماعية لا تستقيم دون امتداد إقليمي يؤمن أسواقها ومواردها.
6. بعد كل هذه الرحلة التحليلية، ما هي الخلاصة الأساسية التي يخرج بها القارئ من كتابك، وكيف تصف 'المفارقة المركزية' التي يجسدها المشهد المغربي اليوم بين مكتسبات العقد الماضي ومخاطر المستقبل؟
لم أكتب هذا الكتاب لأن ما جرى في هذا البلد، خلال العقد المضطرب الذي أتى بعد دستور 2011، يستحق أن يُروى بعين الموضوعية الفكرية لا بعين الاختلاف السياسي. لأن الإنجازات، مهما كانت كبيرة، لا تعفينا من قول الحقيقة. والاختلالات، مهما كانت عميقة، لا تسلبنا حقنا في الاعتراف بما تحقق.
لقد استطاع المغرب، عبر مسار التنزيل الدستوري وتتابع الإصلاحات، أن يعالج جزءا كبيرا من اختلالاته البنيوية، مؤسسا بذلك لاستقرار اجتماعي وسياسي ملموس، في انتظار جيل جديد من الإصلاحات، قادر على تحويل التوازنات التي تحققت إلى إقلاع تنموي حقيقي.
وهنا تكمن المفارقة المركزية، التي يظل الكتاب أسيرها:
نحن اليوم، بفضل ما أُنجز، نملك هامش أمان لم نكن نملكه قبل عقد. ولكن هذا الهامش نفسه قد يصبح فخا إذا اقتنعنا بأننا وصلنا. فالتوازنات ليست غاية، بل هي نقطة انطلاق. والاستقرار ليس نهاية الطريق، بل هو أرضية صلبة لانطلاق جديد.
وأختم بالقول بأن الدولة التي تستريح لإنجازاتها، تبدأ في التآكل. والدولة التي لا تواجه اختلالاتها، تبدأ في الانزلاق. والدولة التي تظن أن الوقت يعمل لصالحها لمجرد أنها نجت من عاصفة، قد تفاجأ بأن العاصفة التالية أقوى.



































