اخبار المغرب
موقع كل يوم -الأيام ٢٤
نشر بتاريخ: ٢٨ حزيران ٢٠٢٦
قبل أشهر قليلة فقط، أثار ارتفاع أسعار الدجاج غضب المستهلكين، قبل أن ينقلب المشهد تماما، إذ انهارت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبح آلاف المربين يبيعون إنتاجهم بخسارة، في وقت يواجه فيه عدد متزايد منهم شبح الإفلاس. وبين وفرة في الإنتاج وتراجع في الأسعار، تطرح أسئلة كثيرة حول الأسباب الحقيقية لهذه الأزمة. فهل يتعلق الأمر بأزمة ظرفية ناجمة عن اختلال التوازن بين العرض والطلب، أم أن الانهيار الحالي يكشف عن اختلالات أعمق داخل واحد من أهم القطاعات المرتبطة بالأمن الغذائي بالمغرب؟ وهل ساهمت التحولات التي تعرفها العادات الغذائية للمغاربة، ومن بينها انتشار 'نظام الطيبات'، الذي روج له الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي، في التأثير على الطلب؟.
وفي التفاصيل، نجد أنه في ظل الارتفاع غير المسبوق في أسعار اللحوم الحمراء خلال السنوات الأخيرة، تزايد إقبال المغاربة على استهلاك لحوم الدواجن. فقد ارتفع متوسط استهلاك الفرد من لحوم الدواجن من 20,9 كيلوغراما سنة 2024 إلى 23,6 كيلوغراما سنة 2025، ما يعادل 55 في المائة من إجمالي اللحوم المستهلكة بالمملكة. كما ارتفع متوسط استهلاك الفرد من البيض من 171 إلى 191 بيضة سنويا خلال الفترة نفسها.
يستند هذا الاستهلاك المتزايد إلى إنتاج وطني يغطي كامل احتياجات السوق المحلية، حيث ينتج المغرب سنويا نحو 654 ألف طن من دجاج اللحم و174 ألف طن من الديك الرومي، إلى جانب حوالي 5,5 مليارات بيضة. وبفضل هذا الإنتاج، حققت المملكة اكتفاء ذاتيا كاملا في مجال الدواجن، ما جعل القطاع يتحول من نشاط فلاحي تقليدي إلى ركيزة أساسية من ركائز الأمن الغذائي الوطني. غير أن هذه الصورة الإيجابية تخفي وراءها واقعا أكثر تعقيدا، إذ يعيش القطاع اليوم واحدة من أصعب الأزمات في تاريخه.
بين العرض والطلب
إلى حدود الأيام العشرة الأولى من شهر أبريل الماضي، كانت أسعار الكيلوغرام الواحد من الدجاج الحي بأسواق الجملة تتراوح بين 16,50 و17 درهما. لكن بعد شهرين فقط، وبالتزامن مع فترة ما بعد عيد الأضحى، سجلت الأسعار تراجعا حادا لتستقر ما بين 9 و9,50 دراهم للكيلوغرام، فيما هبطت في بعض الأسواق إلى حوالي 7 دراهم فقط.
الفيدرالية البيمهنية لقطاع الدواجن، وهي الهيئة التي تمثل مختلف حلقات سلسلة الإنتاج، اعتبرت في بلاغ لها، أن الوضع الحالي 'ظرفي ومؤقت' ويتسم بوجود عرض يفوق مستوى الطلب، ما أدى إلى تراجع أسعار البيع.
وأرجعت الفيدرالية ذلك إلى تزامن عدة عوامل، من بينها انخفاض الطلب بعد عيد الأضحى، واستمرار الإنتاج بمستويات مرتفعة، وضعف القدرة الشرائية للأسر.
لكن على العكس من ذلك تماما هذه المرة، ترى الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم، التي تمثل أساسا المربين الصغار والمتوسطين، أن الأمر لا يتعلق بمجرد اختلال ظرفي بين العرض والطلب، ولكن بأزمة غير مسبوقة تهدد بإفلاس أعداد متزايدة من المنتجين. لذلك طالبت بفتح تحقيق شامل في اختلالات القطاع، خصوصا ما يتعلق بأسعار الكتاكيت والأعلاف، وتفعيل آليات المراقبة لمواجهة ما تعتبره ممارسات احتكارية ومضاربات غير مشروعة.
في المقابل تنفي الفيدرالية البيهمنية وجود أي احتكار، مستدلة بوجود 50 مصنعا للأعلاف، و50 مفقسا، وحوالي 10 آلاف ضيعة مرخصة. لكن، هل يتعلق الأمر بالفعل بأزمة ظرفية مرتبطة بتراجع الطلب بعد عيد الأضحى، أم أن الانهيار الحالي يكشف عن اختلالات أعمق في طريقة تنظيم قطاع يوفر أكثر من نصف اللحوم المستهلكة بالمغرب؟
فوضى السوق
في تفسيرها لأسباب الأزمة، تعزو الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم الوضع الحالي إلى الاختلال الحاصل بين العرض والطلب. فبحسب الجمعية، لا تتجاوز حاجيات السوق الوطنية في الظروف العادية 9 ملايين كتكوت أسبوعيا، في حين تم خلال الأشهر الأخيرة إنتاج وضخ نحو 16 مليون كتكوت أسبوعيا، وهو ما أدى، وفق تقديرها، إلى إغراق السوق وانهيار الأسعار إلى مستويات تقل عن تكلفة الإنتاج.
وترى الجمعية أن هذه المعطيات تفرض طرح تساؤلات حول أسباب عدم تدخل الجهات الوصية، رغم وجود مؤشرات كانت، بحسبها، تنذر بوقوع الأزمة منذ أشهر.
كما انتقدت الجمعية ما وصفته بالخطاب المتكرر حول متانة القطاع وقدرته على الصمود، معتبرة أن الواقع الميداني يكشف إغلاق عدد من الضيعات، وتراكم الديون على المربين، وفقدان آلاف الأسر لمصدر عيشها الوحيد.
غير أن اختزال ما يحدث في فائض الإنتاج أو في التراجع الموسمي للطلب لا يكفي لفهم الأزمة. فالوضع الحالي يكشف أيضا عن اختلالات أعمق ترتبط بطريقة تنظيم القطاع وآليات اشتغاله.
ويوضح مصدر مسؤول، أن قطاع الدواجن يشتغل، على عكس عدد من القطاعات الفلاحية الأخرى، وفق منطق السوق الحرة، حيث يتخذ كل مربي قراراته الإنتاجية بشكل شبه مستقل. لذلك عندما ترتفع الأسعار، يسارع عدد كبير من المربين إلى توسيع الإنتاج أملا في تحقيق أرباح إضافية، لكن قصر دورة تربية الدجاج (6 أسابيع)، يؤدي في كثير من الأحيان إلى تدفق كميات كبيرة نحو السوق في التوقيت نفسه، مما يؤدي إلى تراجع الأسعار.
إلا أن المربين لا يواجهون تقلبات السوق بالشروط نفسها، إذ يوجد تفاوت كبير بين الفاعلين، سواء من حيث الإمكانيات المالية أو القدرة على تحمل فترات الخسارة. فالشركات الكبرى، التي تجمع بين إنتاج الكتاكيت والأعلاف والتربية والذبح والتسويق، تمتلك هامشا أكبر لمواجهة تقلبات السوق، على عكس آلاف المربين الصغار والمتوسطين، الذين يشكلون العمود الفقري للقطاع، الذين يعتمدون على شراء الكتاكيت والأعلاف والأدوية من السوق، دون أن يتوفروا في الغالب على إمكانيات التخزين أو التبريد أو شبكات التسويق الخاصة بهم. وفي ظل هذا الوضع، يصبح هؤلاء الحلقة الأكثر هشاشة داخل سلسلة الإنتاج. فعندما تنخفض الأسعار إلى ما دون تكلفة الإنتاج، كما هو الحال حاليا، يضطر صغار المنتجين إلى البيع بخسارة أو تحمل تكاليف إضافية، مما يهدد بخروجهم من السوق، وتركيز الإنتاج في يد عدد محدود من الفاعلين الكبار. إلا أن فائض الإنتاج لا يفسر وحده ما يحدث داخل قطاع الدواجن. فبالنسبة إلى عدد من المهنيين، لا يمكن فهم الأزمة الحالية دون التوقف عند بنية تكاليف الإنتاج، وعلى رأسها الأعلاف، التي تمثل العبء الأكبر بالنسبة للمربين.
تكشف الأزمة الحالية إذن أن تحقيق الاكتفاء الذاتي لا يكفي وحده لضمان الأمن الغذائي. فبين مربي يبيع بخسارة ومستهلك لا يستفيد دائما من انخفاض الأسعار، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في نموذج تدبير قطاع يوفر أكثر من نصف اللحوم المستهلكة بالمغرب، من خلال تحسين التخطيط للإنتاج، وتطوير قدرات التخزين والتثمين، وتعزيز شفافية مسالك التسويق بما يضمن استقرار الأسعار واستدامة الإنتاج.



































