اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
رصدت فعاليات اجتماعية وحقوقية غياب شروط الصحة والسلامة وقساوة ظروف الشغل ومواجهة الحوادث المهنية والأمراض الخطرة
قدم مقتل ثلاثة عمال أخيراً بانفجار لغم داخل أحد مناجم جبل عوام في ضواحي مدينة مريرت بالمغرب، صورة عن قرب للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والنفسية لشريحة من العمال الذين تحدق بهم الأخطار كل يوم في عمق الأرض.
ورصدت فعاليات اجتماعية وحقوقية غياب شروط الصحة والسلامة وقساوة ظروف الشغل، ومواجهة أخطار الموت والحوادث المهنية والأمراض الخطرة، علاوة على الأجور الزهيدة لعمال المناجم الذين يستخرجون في مقابل ذلك ثروات معدنية 'لا تسمنهم ولا تغنيهم من جوع'.
وبخصوص حادثة مقتل ثلاثة عمال في منجم 'إغرم أوسار'، التي وقعت داخل نفق بعمق 600 متر، نتيجة احتكاك آلة الحفر بلغم قديم غير متفجر متروك من دون مسح أمني، انتقدت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان غياب المراقبة داخل المنجم، موردة أن 'الحادثة ليست الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة ما لم تضمن شروط السلامة'.
أوضاع عمال المناجم بالمغرب تطرقت إليها من عدد من التقارير الرسمية والجمعوية المدنية أيضاً، بعضها وثقت ظروف العمل والسلامة، وبعضها حذرت من الأمراض المهنية والتعويضات، وأخرى واكبت الاحتجاجات وحقوق العمال.
وتناول تقرير سابق للمجلس الوطني لحقوق الإنسان (مؤسسة رسمية) وضعية العمال السابقين لمناجم الفحم بمدينة جرادة، والأمراض المهنية والتعويضات ومعاشات العمال والاحتجاجات التي تفجرت بعد إغلاق المناجم، علاوة على قضية استغلال المناجم غير القانونية أو ما يعرف محلياً بـ'الساندريات'.
بدورها، تناولت تقارير منظمة العمل الدولية مواضيع السلامة والصحة في مناجم المغرب، بالنظر إلى أن الرباط صادقت على اتفاق منظمة العمل الدولية رقم 176 في شأن السلامة والصحة بالمناجم عام 2013، إذ تقارن بين المعايير الدولية للسلامة في المناجم وبين ما يحدث فعلياً في مواقع التعدين المغربية.
بالمقابل، أوردت تقارير سابقة لشركة مناجم، وهي أكبر المجموعات التعدينية في المغرب، معطيات حول الصحة والسلامة، مبرزة أن معدل تواتر حوادث الشغل انخفض عام 2024 بـ10 في المئة مقارنة مع عام 2023.
لا تبدأ الحكاية بالنسبة إلى عامل المنجم حين ينزل إلى باطن الأرض، ولا تنتهي حين يصعد من أحشائها، فالحياة في المناجم تمتد خارج الأنفاق إلى البيت والحي والأسرة، وتترك أثرها في جسد العامل كما تترك ندوباً وآثاراً في تفاصيل حياته اليومية.
في عمق الأرض، إذ يشتغل العامل المنجمي، يصبح الخطر جزءاً لا يتجزأ من هذه المهنة الشاقة، ذلك أن الصخور والغبار والآلات والحرارة، وضيق بعض المسالك، واحتمال وقوع حادثة مفاجئة، كلها عناصر تحضر في يوم العامل، حتى عندما لا تقع كارثة مثل التي حصلت في منجم 'إغرم أوسار'.
يقول عامل منجم سابق، إنه طوال 15 عاماً التي قضاها في أحد المناجم شرق البلاد، لم يحصد سوى الأعطاب الجسدية والصحية، بسبب تعرضه اليومي للغبار تحت الأرض، والمواد الكيماوية المنبعثة من المعادن الخام، فضلاً عن ضوضاء الآلات التي تتسبب في ضعف السمع مع مرور الوقت.
واستطرد العامل ذاته بأنه أصيب جراء عمله في المنجم بمرض الانسداد الرئوي المزمن، يتجلى في السعال الحاد والعسر في التنفس، نتيجة استنشاقه كميات هائلة من 'غبار السيليكا' والمواد المرتبطة بالمعادن، وهو ما أدى إلى تردي صحته، فقرر المغادرة نهائياً.
وأكمل العامل بأنه 'لا يزال إلى حدود اليوم يتجرع الآثار الصحية للعمل طويل المدى في المنجم وفي باطن الأرض'، مردفاً بأن 'الأجر لا يوازي تماماً الأخطار التي يتعرض لها، إذ لا يكفي الراتب في تغطية تكاليف الاستشفاء والعلاجات'.
وتبرز الأخطار المحدقة بعمال المناجم أكثر في حالات 'المناجم العشوائية'، عندما يضطر العامل إلى الاشتغال في القطاع غير المنظم بالقوانين، فيقبل بالعمل في ظروف أكثر خطورة، ومن دون وسائل حمائية، وفي ظل غياب شروط السلامة المهنية المعمول بها.
وتتجاوز أوضاع عمال المناجم في المغرب مجرد الأخطار المهنية إلى ملف اجتماعي وإنساني متشابك الخطوط، يتراوح بين الحماية الاجتماعية والعيش الكريم، إذ يصبح السؤال، ماذا يحصل للعامل الذي يستخرج الثروة حين يدفع جسده أو صحته ثمناً لذلك؟
تجيب الباحثة في علم الاجتماع ابتسام العوفير بالقول إن عامل المنجم الذي يعيش ساعات وأياماً وشهوراً تحت الأرض، يتحول إلى ركام متراكم من المشكلات الاجتماعية والتعقيدات النفسية والتحديات الإنسانية فوق الأرض.
وأردفت العوفير بأن أصعب شعور عند العامل المنجمي هو أنه عندما يخرج من بيته صباحاً لا يعرف تماماً أنه سيعود سالماً له ولأبنائه وزوجته في المساء، لأنه معرض لجميع أنواع الأخطار التي تؤثر سلباً اجتماعياً ونفسياً فيه وفي محيطه الأسري بصورة يومية.
وأوردت الباحثة بأن عامل المنجم في المغرب يواجه إشكالية العدالة الاجتماعية متمثلة في الحق في العلاج عند المرض، والتعويض المادي المجزي والمنصف في حالات الإصابات والتوقف عن العمل، ثم أيضاً المعاشات في حالات التقاعد، لضمان حياة كريمة لهذه الفئة من العمال.
وشددت المتحدثة نفسها على أن عامل المنجم ليس مجرد عامل يلقي بنفسه في بواطن الأرض لاستخراج الثروات النفيسة من زنك ونحاس وفحم وفضة، أو رقماً عابراً في قوائم الحوادث، بل هو رجل يجر خلفه شبكة من الروابط الاجتماعية التي تتأثر بما يجري له من أخطار وأمراض وعاهات وضبابية في المستقبل.
من جهته، قال عبدالإله الخضري، مدير المركز المغربي لحقوق الإنسان، إن فاجعة منجم 'إغرم أوسار' في جبل عوام تمثل استمراراً للانتهاك الصارخ للحق الأسمى في الحياة والسلامة البدنية، إذ تختزل معايير العمل اللائق أمام هاجس تعظيم الأرباح وخفض تكاليف الإنتاج.
وأبرز الخضري أنه في هذا السياق الإنساني والاجتماعي تتلخص أكثر الحقوق المهضومة لعمال المناجم في المغرب في الحق في الصحة والسلامة المهنية وبيئة عمل آمنة، إذ يظل هذا الحق منعدماً أو معطلاً بفعل غياب التجهيزات الوقائية، وضعف شبكات التهوية والإغاثة الاستعجالية، والعشوائية في التعامل مع المتفجرات ومخلفاتها، مع التعطيل الممنهج لـ'لجان السلامة وحفظ الصحة' المنصوص عليها قانوناً ودولياً.
وثاني الحقوق المهضومة، وفق الخضري، الحق في الحماية القانونية وجبر الضرر الكامل، لأن قصر التعاطي مع هذه الفواجع كـ'حوادث شغل' تعويضية محضة، والإفلات من المتابعة الجنائية بتهم الإهمال والقتل الخطأ، مما يسقط حق العمال وذويهم في المساءلة القضائية والعدالة الناجزة.
وثالث الحقوق، وفق الناشط عينه، الحق في شروط عمل عادلة ومحاربة الهشاشة التشغيلية، إذ إن هناك تنامياً للعمل عبر المناولة والوساطة، وتدنياً في الأجور مقارنة بالأخطار المهنية المهددة للحياة، وغياباً للرعاية الصحية المتخصصة داخل المنشآت، مثل الطبيب القار والمصحات الميدانية المؤهلة للتعامل مع أمراض الرئة والإصابات الحرجة.
أما رابع الحقوق المهضومة، فهو الحق في التمثيل النقابي الفعال والحوار الاجتماعي، والتنصل من دفاتر التحملات ومحاضر الاتفاقات، ومواجهة الاحتجاجات المشروعة والاعتصامات الباطنية بسياسة الآذان الصماء بدل التفاوض المسؤول.
وختم الخضري قائمة الحقوق المهضومة لعمال المناجم بالحق في الحماية الرقابية للدولة، شارحاً ذلك بقصور آليات الرقابة الدورية وضعف جهاز تفتيش الشغل ومصالح المعادن في مراقبة آبار الاستغلال وتطبيق مقتضيات مدونة الشغل والنظام الأساسي لعمال المناجم بصرامة.
والخلاصة أن قضية عمال المناجم في المغرب لا تختزل في عدد الحوادث والوفيات المسجلة كل سنة، وإنما تمتد إلى حياة كاملة تبدأ من ظروف العمل، وتمر عبر الصحة والإصابة والدخل والحماية الاجتماعية، وتنتهي بما يتركه المنجم في جسد العامل وأسرته حتى بعد أن يخلع خوذته ويغادره نهائياً.



































