اخبار العراق
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٤ أب ٢٠٢٦
عمّان انتقلت من مرحلة الاحتواء واعتراض التهديدات في الجو إلى استراتيجية منع الاعتداء من نقطة المنشأ
أرست الحكومة الأردنية قاعدة جديدة في التعامل مع التهديدات العابرة للحدود، ورفعت سقف خطابها الدبلوماسي، حيث شهدت الساعات الماضية توجيه رسائل ردع عسكرية صارمة معتمدة على جاهزية استخباراتية رفيعة وشبكة تحالفات دولية متماسكة.
ونقلت مصادر رسمية أردنية تحذيراً شديد اللهجة للحكومة العراقية، تضمن معلومات استخباراتية دقيقة حول مخططات تفصيلية تنفذها ميليشيات موالية لإيران لشن هجمات تستهدف عمق الأراضي الأردنية انطلاقاً من العراق.
ولم تقتصر الرسالة الأردنية على التحذير الشفهي، بل تضمنت إنذاراً واضحاً مفاده أن أي اعتداء ينطلق من الأراضي العراقية سيُقابل بضربات عسكرية أردنية مباشرة تستهدف مقرات وتجمعات تلك الميليشيات داخل بلاد الرافدين.
من جهته، قال العاهل الأردني إن 'الأردن مستمر باتخاذ ما يلزم من إجراءات للحفاظ على أمنه وسيادته وسلامة مواطنيه.'
في حين أكدت مصادر أن الأردن الرسمي وضع الحكومة العراقية أمام مسؤولياتها لحصر السلاح بيد الدولة وكبح جماح الفصائل المسلحة، لتفادي انجرار المنطقة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
مما يعني أن عمّان انتقلت من مرحلة 'الاحتواء واعتراض التهديدات في الجو إلى استراتيجية منع الاعتداء من نقطة المنشأ، على رغم كونه من أكثر الدول إعطاءً للحلول الدبلوماسية قدرها'.
يقول عضو مجلس الأعيان والمدير السابق لجهاز الأمن العام الفريق الركن حسين الحواتمة أن كشف وتزويد الجانب العراقي بمعلومات استخباراتية استباقية يظهران الكفاءة العالية لأجهزة الاستخبارات والاستخبارات الأردنية وقدرتها الشديدة على اختراق غرف التخطيط المعادية، مستفيدة من الشراكات الدولية والتحالفات الأمنية الإقليمية.
وتأتي هذه التحركات وسط قناعة سياسية بأن طهران تحاول استخدام بعض الميليشيات المسلحة والمدمجة في بغداد كـ'أوراق ضغط' لرفع الكلفة السياسية والعسكرية عن محورها، وتشتيت انتباه المجتمع الدولي عبر اختراق أمن الدول المجاورة كالأردن والسعودية وسوريا.
بدوره، يقول المحلل السياسي ماهر أبو طير إن الجماعات العسكرية العراقية المحسوبة على إيران ترسل طائراتها المسيرة عبر الحدود الشرقية إلى الأردن، وفي حالات محدودة تسللت طائرات مسيرة أيضاً من الحدود الغربية للأردن محملة بالمخدرات، وهذا يعني أن كل حدود الأردن باتت مصدراً للطائرات المسيرة، وبالتأكيد قد نشهد يوماً بعد يوم تطوراً في نوعية المسيرات، وما قد تحمله من مخدرات أو متفجرات أو أسلحة عبر الحدود.
يضيف أبو طير أن حروب المسيرات أخطر الحروب، والأردن نفذ سابقاً عمليات عسكرية في جنوب سوريا، وفي السويداء، بسبب ضغط الحدود على الأردن، وقد أبرق أيضاً للعراقيين ملوحاً بعمليات عسكرية ضد جماعات عراقية محسوبة على إيران في شرق العراق، وبخاصة أن الجماعات العراقية على ما يبدو لن تسلم أسلحتها في سبتمبر (أيلول) كما هو مفترض للسلطات العراقية.
يكشف أبو طير أن اليمن أيضاً أرسل طائرات مسيرة إلى الأردن في تواقيت سابقة، وهذا يعني أن نشوء سوار من الطائرات المسيرة من جهات جغرافية عدة أمر وارد.
يظهر أبو طير القلق من أن بعض الطائرات المسيرة قادرة على حمل صواريخ، وأن بعضها يمكن تهريبها على شكل قطع وإعادة تركيبها في موقع آخر غير الموقع الأصلي.
ولا تُعد التهديدات الأخيرة الصادرة عن الفصائل العراقية الموالية لإيران معزولة عن سياق من الاستفزازات المتكررة، إذ يستذكر المتابعون للشأن الأمني كيف أقدمت هذه الميليشيات، قبل فترة ليست ببعيدة، على تنظيم حشود واعتصامات عند الحدود العراقية - الأردنية (منطقة طريبيل)، تحت شعارات رفعت عنوان 'التضامن مع غزة والدفاع عن فلسطين'.
تلك التحركات لم تكن، بحسب القراءة الأمنية الأردنية، مجرد تعبير عن تضامن شعبي، بل استخدمت كأداة ضغط واستعراض قوة لمحاولة إحراج الدولة الأردنية، واختبار مدى تماسك جبهتها الداخلية، ومحاولة إيجاد موطئ قدم أو منفذ نفوذ نحو الضفة الغربية عبر الأراضي الأردنية.
وفي هذا السياق، حذّر البرلماني السابق هايل ودعان الدعجة من لجوء طهران إلى توسيع دائرة التصعيد الإقليمي واستهداف الأردن بدعم من ميليشياتها المسلحة، رداً على الضغوط والضربات الأميركية المتزايدة.
وأوضح الدعجة أن خطورة المرحلة تكمن في محاولة إيران رفع كلفة المواجهة وتوريط المنطقة، مشيراً إلى أن عمّان تتعامل بأعلى درجات الجدية مع هذه السيناريوهات.
وأكد أن الرسائل الأردنية الحاسمة لبغداد بالتعامل العسكري المباشر مع أي اعتداء ينطلق من أراضيها، تعكس سياسة ردع واضحة، متكئة على جاهزية عسكرية وأمنية أثبتت كفاءتها سابقاً في ضرب أوكار التهريب والتسلل عبر الحدود.
وأضاف الدعجة أن مطالبة عمّان للحكومة العراقية بتحمل مسؤولياتها للسيطرة على هذه الفصائل تأتي بالتوازي مع جاهزية ميدانية أردنية للردع المباشر.
بداية عام 2024 شهدت تحولاً خطراً في أدبيات الفصائل العراقية، إذ أعلن المسؤول الأمني لـ'كتائب حزب الله في العراق' (أبو علي العسكري) استعداد الفصائل لتسليح من سماهم 'المقاومة الإسلامية في الأردن'.
وتضمن البيان تصريحاً علنياً بقطع الطريق البري والبدء بتجهيز 12 ألف مقاتل بأسلحة خفيفة ومتوسطة ومعدات ضد دروع وصواريخ، في محاولة صريحة لإنشاء ذراع أمنية مسلحة داخل الساحة الأردنية وزعزعة استقرار المملكة الداخلي.
وفي العام ذاته، تجسد التهديد الميداني المباشر عندما نفذت الفصائل العراقية هجوماً بطائرة مسيرة استهدف موقع 'البرج 22' التابع للتحالف الدولي على الحدود الأردنية - السورية قرب مخيم الركبان.
وعلى رغم أن الاستهداف كان موجهاً للقوات الأميركية فإن العملية شَكّلت اختراقاً خطراً وتعدياً مباشراً على أمن الحدود الأردنية والمجال الجوي للمملكة.
ولم تخلُ تصريحات قادة هذه الفصائل من ممارسة الضغط السياسي والنفسي، فقد أطلق قادة في 'حركة النجباء' و'كتائب سيد الشهداء' (مثل أبو آلاء الولائي) تصريحات هجومية متكررة اتهمت الأردن بـ'حماية حدود إسرائيل' ومحاصرة غزة، ملوحين بالتحرك الميداني وتجاوز المعابر الرسمية. وتزامن ذلك مع محاولات عدة لغلق معبر 'طريبيل' الحدودي بين البلدين، وتعطيل شاحنات النفط والتجارة المتجهة نحو الأردن لفرض حصار اقتصادي غير رسمي على المملكة.
لكن وزير الإعلام السابق سميح المعايطة يحذر من أن 'الجغرافيا العراقية بما عليها من فصائل مرتبطة بالحرس الثوري أصبحت الخطر الأقرب والتهديد الحقيقي للأردن وأمنه ودول خليجية، وبخاصة أن حكومة العراق عاجزة عن وقف عدوان الميليشيات'، متوقعاً أن تستمر خطورة هذه الفصائل حتى لو انتهت الأزمة الحالية.
يضيف المعايطة أن الأردن جاد جداً في الرد على الميليشيات الموالية لإيران في العراق لأن الأمر يتعلق بأمنه واستقراره، وأن هذه المجموعات تأتمر بأوامر 'الحرس الثوري'.
ووفق مراقبين، لا ينطلق التحذير الأردني الموجه للفصائل المسلحة في العراق من فراغ سياسي أو تهديد إعلامي مجرد، بل يتكئ على عقيدة أمنية أردنية أثبتت نجاعتها الميدانية خلال الأعوام الأخيرة في التعامل مع التهديدات العابرة للحدود.
فقد سبق للجيش وسلاح الجو الملكي أن رسّخا استراتيجية الردع الخاطف من خلال تنفيذ سلسلة من الضربات الجراحية النوعية في العمق السوري وتحديداً في مناطق الجنوب والسويداء، التي استهدفت أوكاراً ومصانع أسلحة ومخدرات، وغرف عمليات تديرها شبكات وفصائل محسوبة على طهران.






































