اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦
يرى مراقبون أنها خطوة تعكس تحولاً أعمق في التخطيط العسكري ينتقل من الاستجابة للتهديدات إلى الاستعداد السابق
شهدت الموازنة المخصصة للإنفاق الدفاعي لعام 2027، وتحديداً اقتناء وإصلاح المعدات العسكرية ودعم الصناعة الدفاعية في المغرب، زيادة لافتة، انتقلت من 157.17 مليار درهم (16 مليار دولار) للعام الحالي إلى 190.5 مليار درهم (19.4 مليار دولار)، أي بارتفاع 21.2 في المئة ضمن مشروع قانون المالية للعام المقبل.
ويرى مراقبون أن هذه الزيادة غير المسبوقة في الموازنة المخصصة للدفاع في المغرب تعكس تحولاً أعمق في التخطيط الدفاعي، يقوم على الانتقال من الاستجابة للتهديدات إلى الاستعداد السابق لتحولات البيئة الإستراتيجية، فضلاً عن إرساء إستراتيجية متكاملة بين التسلح المتقدم، وتوطين الصناعة، والردع الإقليمي.
في ارتفاع تاريخي لم يسبق له مثيل في تاريخ النفقات الدفاعية بالمغرب، بلغ سقف الالتزامات السابقة المأذون بها لاقتناء وإصلاح المعدات العسكرية ودعم الصناعة الدفاعية لعام 2027 زيادة 33.33 مليار درهم (3.39 مليار دولار). ويكشف مشروع قانون المالية، كما عرضه وزير الاقتصاد والمالية فوزي لقجع أمام مجلس النواب، ارتفاعاً في كتلة الأجور، إذ ينتقل بند نفقات الموظفين من نحو 47 مليار درهم للعام الحالي (4.79 مليار دولار) إلى 5.02 مليار دولار للعام المقبل، بزيادة تقارب 238.3 مليون دولار، أي نحو خمسة في المئة.
ويظهر مشروع قانون المالية الجديد استقرار الاعتمادات المخصصة للمعدات والصناعة الدفاعية، إذ يبلغ رصيد الحساب الخصوصي للخزينة المعني باقتناء وإصلاح معدات القوات المسلحة الملكية ودعم تطوير الصناعة الدفاعية 11.49 مليار درهم (1.17 مليار دولار)، مقابل 11.5 مليار درهم (1.17 مليار دولار) للعام الحالي.
وفي تفاصيل أخرى، وفق المصدر ذاته، تبلغ مساهمة القوات المسلحة الملكية في عمليات حفظ السلام والعمل الإنساني والتعاون الدولي 200 مليون درهم (20.37 مليون دولار)، فيما تبلغ اعتمادات مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة التابعة للدفاع، ومنها المستشفيات العسكرية، 533.5 مليون درهم (54.33 مليون دولار).
يقرأ الباحث المتخصص في الشأن الإستراتيجي، هشام معتضد، هذه الزيادة اللافتة في سقف الالتزامات المالية المخصصة لتجهيز القوات المسلحة الملكية وتطوير الصناعة الدفاعية على أنها 'تحول أعمق في التخطيط الدفاعي المغربي، يقوم على الانتقال من منطق الاستجابة للتهديدات إلى منطق الاستعداد السابق لتحولات البيئة الإستراتيجية'.
ولفت معتضد إلى أن هذه الأرقام والمبالغ المالية لا تمثل إنفاقاً عسكرياً فعلياً خلال عام واحد وإنما سقفاً للالتزامات المستقبلية، بما يتيح برمجة المشاريع الدفاعية الكبرى على مدى زمني أطول.
وتكمن الدلالة الإستراتيجية لهذا التوجه، وفق المحلل، في أن المغرب بات مطالباً بالتعامل مع بيئة أمنية لا تقاس أخطارها بالتهديدات التقليدية فقط، وإنما أيضاً بتزايد عدم الاستقرار في منطقة الساحل الأفريقي، وتطور أنظمة القتال، واتساع دور الطائرات غير المأهولة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.
وفي مثل هذه البيئة المحتدمة والمتغيرة دوماً، يتابع المتحدث نفسه، لا تتحقق فاعلية الردع العسكري بحجم الترسانة وحده، بل بقدرة الدولة على المحافظة على تفوقها النوعي وجاهزيتها العملياتية واستمرارية منظوماتها الدفاعية.
يسترسل معتضد قائلاً إن هناك عاملاً آخر يتعلق بالتحولات التي شهدتها الأسواق الدولية للتسلح، إذ أصبحت كلفة التكنولوجيا العسكرية مرتبطة بمنظومة متكاملة تشمل الاقتناء والصيانة والتحديث والتكوين والدعم اللوجيستي، ولذلك، فإن رفع القدرة على الالتزام المالي يمنح المغرب هامشاً أوسع للتخطيط التعاقدي، وتوزيع الكلفة عبر الزمن، وتقليص أخطار التعثر في برامج التحديث، باعتبار أن الاستقلالية الإستراتيجية لا تعني امتلاك المعدات فقط، وإنما ضمان القدرة على تشغيلها وصيانتها وتطويرها عندما تقتضي الضرورة ذلك.
وتابع المتحدث بأن البعد الأكثر أهمية يتمثل في إدراج تطوير الصناعة الدفاعية ضمن هذه الهندسة المالية، فالمغرب يتجه نحو بناء قدرات إنتاجية وتكنولوجية محلية تسمح بتحويل جزء من الإنفاق الدفاعي إلى استثمار في المعرفة الصناعية والكفاءات الوطنية.
وزاد الباحث نفسه بالقول إن 'هذا التوجه للقوات المسلحة المغربية يحمل دلالة سيادية واقتصادية، لأنه يربط تحديث القوات المسلحة بتقليص التبعية الخارجية وتعزيز القدرة الوطنية على الاستدامة التقنية'.
وتابع، 'الرسالة الإستراتيجية الأساسية لهذه الزيادة هي أن المغرب لا ينظر إلى الدفاع باعتباره كلفة تفرضها التوترات الإقليمية وحسب، بل باعتباره قدرة وطنية ينبغي بناؤها قبل ظهور الحاجة الملحة إليها'، موضحاً أن 'الردع الفعال يقوم على الاستعداد والاستمرارية والصدقية، وليس على انتظار الأزمات للتحرك'.
ومن هذا المنظور، وفق معتضد، تعكس هذه البرمجة المالية سعياً إلى تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن الوطني، والتحولات التكنولوجية، والاستقلالية الصناعية، بما يعزز قدرة المملكة على حماية مصالحها الإستراتيجية في بيئة دولية متزايدة التعقيد.
من جهته، أفاد محمد عصام لعروسي، المحلل في الشأن العسكري والجيوسياسي، بأن قرار رفع موازنة الإنفاق العسكري للقوات المسلحة الملكية المغربية لا يفتقر إلى المبررات الموضوعية، بل يندرج ضمن رؤية إستراتيجية واضحة ومقدرة بصورة معقولة.
وأوضح لعروسي، مدير مركز منظورات للدراسات الجيوسياسية والإستراتيجية، أن هذه الخطوة تأتي في ظل سباق التسلح الإقليمي، مشيراً إلى أن الزيادة الكبيرة التي تشهدها موازنة الدفاع المغربية تظل متناسبة مقارنة بالجهود العسكرية الكبيرة التي تبذلها الدولة الجارة الجزائر.
وأكد المتحدث أن الدوافع الأساسية وراء هذا التوجه ترتبط ارتباطاً وثيقاً بما يُعرف بـ'الرفع من سقف الجاهزية الشاملة' للجيش المغربي، مشيراً إلى أن 'مواجهة حروب الجيل الرابع تفرض على الرباط اقتناء أسلحة نوعية ومتقدمة للغاية'. ولفت الانتباه إلى الدور المحوري الذي تؤديه المسيرات (الدرونز) وأنظمة الصواريخ الحديثة التي تتمتع بمناعة ضد التشويش الإلكتروني.
ورأى لعروسي أن إستراتيجية المغرب لا تقتصر على عمليات اقتناء الأسلحة الجاهزة وحسب، بل تمتد لتشمل دعم وتوطين الصناعات العسكرية المحلية، خصوصاً أن المملكة نجحت في إبرام اتفاقات شراكة إستراتيجية كبرى مع عمالقة الصناعة الدفاعية العالمية، مثل شركات 'لوكهيد مارتن'، و'بوينغ'، و'سافران'، و'إيرباص'.
ورأى المحلل عينه أن هذه الشراكات العسكرية أسفرت عن مشاريع واعدة لتطوير الطيران، مثل طائرات الأباتشي، وتصنيع أجزاء حساسة محلياً، مما يبرر الارتفاع المتصاعد في حجم الاستثمار العسكري بالمغرب.
وذهب لعروسي إلى القول إن مسار التحديث لا ينفصل عن برامج التأهيل والتدريب المستمر للعنصر البشري، مشدداً على أن الغاية الأساسية تظل بناء منظومة دفاعية قادرة على مواجهة أي استفزازات تمس بالوحدة الترابية للبلاد.
وأشار إلى لجوء المؤسسة العسكرية إلى اقتناء معدات باهظة الثمن وعالية التطور، مثل راجمات الصواريخ أميركية الصنع (هيمارس)، التي تتميز بمدى يتجاوز 300 كيلومتر وقدرة فائقة على الاختراق والمداهمة.
واختتم المتحدث بالتأكيد على أن هذه الصفقات والقدرات النوعية، على رغم ما قد تثيره من مخاوف لدى بعض الأطراف الإقليمية كإسبانيا، فإنها تدخل في صميم عقيدة الردع وسرعة الاستجابة، وتترجم الحاجة الملحة إلى تحديث القوات المسلحة الملكية بما يتماشى مع متطلبات الأمن القومي المغربي.



































