اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢ أب ٢٠٢٦
تجسد في تبادل الاتهامات وسعي كل حزب إلى احتكار الحصيلة الحكومية وتقديم نفسه باعتباره صاحب الإنجازات
في غمرة التنافس بين الأحزاب السياسية المغربية قبيل تنظيم الانتخابات التشريعية في 23 سبتمبر (أيلول) المقبل، باتت تتشكل ملامح تنازع ثنائي قوي بين حزبي 'الأحرار' و'الأصالة والمعاصرة'، وهما حزبان يشكلان، إلى جانب حزب 'الاستقلال'، الائتلاف الحكومي الثلاثي الحالي.
وتحولت 'سنوات العسل' بين الحزبين الرئيسين في الحكومة بالمغرب، والتي اتسمت بتبادل رسائل الود وعبارات الانسجام، في الأسابيع الأخيرة إلى ما يشبه 'طلاقاً بائناً' تجسد في تبادل الاتهامات وسعي كل حزب إلى احتكار الحصيلة الحكومية وتقديم نفسه باعتباره صاحب الإنجازات.
بعد تشكيل الحكومة الحالية، وطيلة السنوات الأولى منذ عام 2021، اتصفت العلاقة بين حزبي 'الأحرار' و'الأصالة والمعاصرة' بكثير من الانسجام والتناغم السياسي في ملفات اجتماعية واقتصادية وسياسية، وعاشا، بمعية حزب 'الاستقلال'، شهوراً مديدة في 'عسل الحكومة'.
وبعد التحالف الوثيق الظاهر بين حزبي 'الحمامة' (شعار حزب الأحرار) و'الجرار' (شعار حزب الأصالة والمعاصرة)، دخلت الهيئتان الحزبيتان، في الأسابيع القليلة الفائتة، حالات من 'الاشتباك السياسي'، وانتقل بذلك الشريكان في الغالبية إلى 'خصمين' قبيل الانتخابات المرتقبة.
وظهرت محاولة من حزب 'الأصالة والمعاصرة' لخلق نوع من 'المعارضة' لشريكه الرئيسي في الحكومة، أو في الأقل خلق التمايز و'أخذ مسافة سياسية' من حزب 'الأحرار' في بعض القضايا والملفات التي تحظى باهتمام الناخبين.
بالمقابل، يصر حزب 'الأحرار' على التمسك بتصدر المشهد الحزبي والسياسي بالبلاد، كما أنه يراهن بقوة على قيادة 'حكومة المونديال' التي ستنبثق من نتائج الانتخابات البرلمانية لشهر سبتمبر المقبل، رافضاً سياسة الاستقطابات التي قام بها 'الأصالة والمعاصرة' في الفترة الأخيرة.
وأجمعت قيادات حزب 'الأحرار'، الذي يقود الحكومة، على انتقاد انضمام شخصيات وازنة إلى 'الأصالة والمعاصرة'، لا سيما استقطاب وزير الميزانية ورئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم فوزي لقجع، والقيادي الصحراوي البارز في حزب الاستقلال ينجا الخطاط، وقبلهما برلمانيون ورؤساء بلديات ينتسبون إلى حزب 'الأحرار'.
وفي انتقادات واضحة لحزب 'الجرار'، انتقد أخنوش ما سماه الاستقطاب في آخر اللحظات قبل الانتخابات، بينما رفض محمد أوجار أن تتحول السياسة والانتخابات إلى 'ميركاتو'، وفق تعبيره. ومن جهته، هوَّن الطالبي العلمي من موجة الشخصيات التي غادرت حزبه، وقال إن 'الأهم هو التركيز على التنمية التي يترقبها المغاربة'.
ويبدو أن موجة المغادرين لسفينة 'حزب الحمامة' صوب 'الجرار' دفعت الحزب القائد لدفة الحكومة إلى توجيه انتقادات متوالية لشريكه في تدبير الشأن العام، خصوصاً لما يمثله هؤلاء المغادرون من وزن سياسي وانتخابي في مناطقهم الانتخابية.
وليست موجة الاستقطابات و'الميركاتو الانتخابي' وحدها التي أخرجت الاشتباكات بين 'الحمامة' و'الجرار'، على وجه الخصوص، من الكواليس السياسية إلى العلن عبر وسائل الإعلام والبلاغات الحزبية المتتالية، بل أسهمت في هذا 'الطلاق البائن' محطات خلاف عديدة.
أبرز هذه الاشتباكات بين حزبين كانا، إلى الأمس القريب، يعزفان على نغمة الانسجام بين مكونات الائتلاف الحكومي، هي رغبة كل طرف في إظهار أنه يقف وراء الإنجازات الحكومية المحققة، ونسب الحصيلة الحكومية إليه، من خلال تصريحات قيادات من الحزبين معاً.
ومن أهم محطات الخلاف الظاهرة بين 'الحمامة' و'الجرار' أيضاً انتقاد كل حزب لأداء القطاعات التي يشرف عليها وزراء الحزب الآخر، فقيادات 'الأحرار' اشتكت من أداء قطاعي التشغيل والتعمير، اللذين يشرف عليهما وزراء 'الجرار'.
في الجهة المقابلة، انتقد 'الجرار' أداء وزارات يقودها 'الأحرار' منذ سنوات عديدة، مثل قطاع الفلاحة، كما لم يفوت 'الجرار' الفرصة لتوجيه سهام النقد إلى ارتفاع الأسعار والغلاء الفاحش، محاولاً النأي بنفسه عن 'الأحرار' في هذا الملف الاجتماعي الساخن، على رغم وجوده في الحكومة.
ومقابل هذه الملفات التي تصادم فيها الحزبان الأغلبيان، ظلت ملفات بعينها محل اتفاق سياسي، وهي الملفات التي يصفها مراقبون بأنها ذات طابع 'سيادي'، والمتعلقة بالمشاريع والبرامج الملكية التي أعلن عنها العاهل المغربي، وعلى رأسها نظام الحماية الاجتماعية للمواطنين، وجلب الاستثمارات، والسياسة الخارجية، والأمن القومي، وقبلها جميعاً ملف الصحراء والحكم الذاتي.
وأمام هذه الاشتباكات السياسية بين حزبي 'الحمامة' و'الجرار'، تراقب أحزاب كبرى أخرى المشهد السياسي قبيل الانتخابات التشريعية، لكنها تحاول، في الوقت نفسه، مواجهة هذا الاستقطاب الثنائي الواضح الذي بدا بين الحزبين المذكورين، بالتموقع بهدوء في خريطة الانتخابات المرتقبة.
أما حزب الاستقلال، الحزب الثالث في الائتلاف الحكومي، فيتمسك بلحمة الائتلاف والانسجام الحكومي، غير أنه لجأ كثيراً في الآونة الأخيرة إلى 'سياسة البلاغات والتصريحات' في المهرجانات الحزبية لتوجيه 'ضربات قوية' إلى بقية مكونات الحكومة في ملفات مثل المضاربة في عيد الأضحى، وتآكل القدرة الشرائية بسبب موجة الغلاء، والتشغيل والبطالة.
وأما في صفوف المعارضة، فتراهن أحزاب مثل 'العدالة والتنمية' و'الحركة الشعبية' و'الاتحاد الاشتراكي' و'التقدم والاشتراكية' على كسب أصوات الناخبين الذين قد ينفرون من التنابزات الثنائية، وأحياناً الثلاثية، لمكونات الحكومة، لتكون فرصة سانحة لمنح أصواتهم لها واحتلال مراكز متقدمة في نتائج الاقتراع.
وعلى رغم هذا التنازع الحاد، أحياناً، بين حزبي 'الأحرار' و'الأصالة والمعاصرة' في الفترة الأخيرة، من دون احتساب مواقف الحزب الثالث 'الاستقلال'، فإنه لم يتسبب بعد في انفراط كامل لحبات السبحة الحكومية، في انتظار موعد انتخابات سبتمبر 2026.
ويرسم مراقبون سيناريوهات عديدة لمستقبل هذا التحالف الحكومي وأحزابه المشكلة له، على ضوء التطورات والمستجدات في المشهد الحزبي بالبلاد، لا سيما في خضم الاستقطابات القوية التي نجح فيها حزب 'الجرار'، وأثارت تذمر أحزاب سياسية أخرى لجأت بدورها إلى هذا السلوك في انتخابات سابقة، ولا تزال.
السيناريو الأول لنتائج هذه الانتخابات، التي من المؤكد ألا يفوز فيها أي حزب بغالبية كاسحة من الأصوات، بالنظر إلى اعتماد القاسم الانتخابي على أساس المسجلين في اللوائح الانتخابية، يتمثل في استمرار الأحزاب الثلاثة في الحكومة المقبلة، وإن كانت حظوظ هذا السيناريو ضعيفة، باعتبار أنه لا يمكن للتجربة الحكومية الاستمرار بالأحزاب نفسها في ظل كل الاشتباكات والاختلافات التي طفت على السطح قبيل الانتخابات.
السيناريو الثاني يتجسد في ضخ دماء جديدة من خلال بقاء حزب أو حزبين من الائتلاف الحكومي الحالي في الحكومة المرتقبة (حكومة المونديال)، ويضاف إليهما حزب ثالث أو رابع من أحزاب المعارضة الراهنة، لا سيما 'الحركة الشعبية' أو 'الاتحاد الاشتراكي'.
وضمن هذا السيناريو، يرجح مراقبون تصدر حزب 'الجرار' للانتخابات التشريعية، واختيار الوزير فوزي لقجع أميناً عاماً للحزب، ليتم تعيينه من الملك رئيساً للحكومة، أخذاً في الاعتبار إشرافه التقني على ملفات المشاريع التنموية، واطلاعه عن كثب على دواليب تنظيم كأس العالم لعام 2030 بالمغرب.
ويوجد سيناريو ثالث يتمثل في تقدم حزب العدالة والتنمية أو الاتحاد الاشتراكي أو الحركة الشعبية أو التقدم والاشتراكية، واحتلال مراكز متقدمة في نتائج الانتخابات المقبلة تتيح لها المشاركة في الحكومة، إذا ما قرر الناخبون 'التصويت العقابي' على الأحزاب التي أسهمت في تدبير الشأن العام خلال السنوات الخمس الأخيرة.



































