اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٤ حزيران ٢٠٢٦
يرى مراقبون أن الأرقام الرسمية التي تفيد بتراجع الجريمة العنيفة والسرقات الخطرة تتعارض مع شعور المغاربة بتفاقم الجريمة في الشوارع
لا يكاد يمر يوم في المغرب من دون تسجيل جرائم اعتداء أو سرقة بالعنف وتحت التهديد بالسلاح الأبيض في الشارع العام بمختلف مدن البلاد، وهو ما توثقه مقاطع فيديو متداولة أسهمت في تفاقم 'الإحساس بالجريمة' لدى المواطنين، على رغم الأرقام الرسمية التي تفيد بتراجع مؤشرات الجريمة العنيفة.
وفي وقت يطالب فيه بعضهم بتشديد العقوبات على مرتكبي جرائم الشارع، يرى مراقبون أن الأمر لا يقتصر على تعزيز المراقبة الأمنية في الفضاءات العمومية، بل يستوجب أيضاً إغناء المعرفة العلمية لعناصر الأمن في مجال علم الإجرام، و'علم إجرام الشارع' على وجه الخصوص.
في مدينة الدروة، قبل أيام قليلة، هاجم شخص سيدة كانت برفقة طفلتها من دون سابق إنذار، وأحكم قبضته عليها بعنف، قبل أن يتدخل بعض المارة ويتمكنوا بصعوبة من تخليصها من قبضة المهاجم الذي كان ينوي سرقتها والاعتداء عليها.
وفي واقعة أخرى حديثة، أوقفت الأجهزة الأمنية شاباً في العشرينيات من عمره بعد توثيق عملية سرقة هاتف باستعمال العنف في الشارع العام، كما تفاعلت الشرطة مع شريط فيديو يوثق عملية خطف هاتف محمول من داخل سيارة، وتمكنت من تحديد هوية المشتبه فيه وتوقيفه في وقت وجيز.
وتعرضت وكالة لتحويل الأموال بمدينة الجديدة لعملية سطو عنيفة في أحد الشوارع الرئيسة، إذ تعرضت موظفة للاعتداء وسرقت مبالغ مالية على يد شخصين ملثمين، كما سجلت حالات سرقة بالعنف في مدن مثل مكناس والدار البيضاء، فضلاً عن عمليات اعتراض سبيل وثقتها مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي مراكش، طاردت عناصر الأمن شخصاً استولى على سيارة تابعة للشرطة، وقادها بطريقة متهورة وخطرة في شوارع المدينة، قبل أن يتمكن الأمنيون من محاصرته وتوقيفه وإنهاء مغامرته المثيرة.
ويرى مصدر أمني مسؤول أن تواتر هذه الجرائم في الشارع العام، كما توثقها مقاطع الفيديو وتؤكده البلاغات الأمنية، لا يعني بالضرورة ارتفاع معدلات الجريمة في المدن المغربية، لا بل تشير المعطيات الرسمية إلى العكس.
واستند المصدر ذاته إلى أرقام المديرية العامة للأمن الوطني لعام 2025، التي تفيد بتراجع مؤشرات الجريمة العنيفة بنسبة 10 في المئة، وانخفاض السرقات المشددة بنسبة 24 في المئة، فيما تراجعت السرقات بالعنف بنسبة ستة في المئة.
في هذا الصدد، قال الباحث في علم الجريمة والعدالة الجنائية عز الدين دهاز إن 'الأرقام الرسمية التي تفيد بتراجع الجريمة العنيفة والسرقات الخطرة تتعارض مع شعور المواطنين بتفاقم الجريمة في الشوارع، بسبب ما يشاهدونه يومياً من وقائع موثقة بالكاميرات، تنشرها مواقع التواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية'.
وأوضح الباحث أن 'ظاهرة الجريمة في الشارع العام كانت ولا تزال وستظل قائمة ما دامت الأسباب الاجتماعية والاقتصادية المولدة للانحرافات السلوكية موجودة، غير أن ما جعلها أكثر حضوراً في الوعي الجماعي هو توثيقها بالصوت والصورة، سواء عبر هواتف المواطنين أم كاميرات المراقبة المثبتة في المحال والشوارع'.
وقد جهزت السلطات المغربية شوارع العاصمة الرباط ضمن مشروع 'الأمن الذكي'، من خلال نشر 4 آلاف كاميرا عالية الدقة مرتبطة بمركز للقيادة والمراقبة، بهدف تعزيز السلامة العامة ودعم الإحساس بالأمن. كما تتوفر مدينة الدار البيضاء على مئات الكاميرات، التي ترصد حركة المارة والسيارات في الشوارع والمحاور الطرقية الرئيسة.
وعزا الباحث تفشي جرائم الشارع إلى عوامل اجتماعية واقتصادية، خصوصاً في الأحياء الهامشية وضواحي المدن الكبرى، إذ تدفع الهشاشة بعض الشباب إلى ارتكاب الجرائم بحثاً عن المال، فضلاً عن انتشار المخدرات والمؤثرات العقلية، وأضاف أن من بين الأسباب المهمة أيضاً غياب احتواء هؤلاء الشباب داخل مراكز رياضية وثقافية قادرة على تأطيرهم وتقليص احتمالات انحرافهم.
كما سجل المتحدث نفسه أن العقوبات السجنية القصيرة في بعض قضايا السرقة، لا تحقق دائماً الهدف المرجو من السجن، المتمثل في إعادة التأهيل والإدماج، إذ قد يخرج بعض الجانحين أكثر ميلاً إلى العنف والإجرام، ودعا في المقابل إلى تشديد العقوبات على مرتكبي جرائم الشارع من أجل تعزيز الشعور بالأمن والطمأنينة لدى المواطنين.
من جانبه قال أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بجامعة القنيطرة فوزي بوخريص إن 'تفاقم جرائم الشارع يمثل تهديداً للنظام والأمن العامين، ويستهدف السلامة الجسدية للمواطنين وممتلكاتهم، كما يشكل خطراً على عناصر السلطة العمومية المكلفة بتطبيق القانون'. وأضاف أن 'هذه الجرائم تسيء إلى صورة البلاد وتؤثر في مصالحها الاقتصادية، خصوصاً عندما يكون ضحاياها من السياح أو الأجانب المقيمين بالمغرب، لكون صدى هذه الوقائع يتردد في وسائل الإعلام الدولية ومواقع التواصل الاجتماعي، وقد يتم تضخيمه أحياناً'.
وأوضح الباحث أن 'الحديث عن جرائم الشارع لا يقتصر على دراسة الأشخاص الذين يرتكبونها، بل يشمل أيضاً دراسة الأمكنة التي تقع فيها، لأن خصائص المكان تؤثر بصورة مباشرة في احتمالات وقوع الجريمة وتحول بعض المواقع إلى بؤر ساخنة للإجرام'.
وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن 'عدداً من الدراسات العلمية أثبتت وجود تركز كبير للجريمة في أماكن معينة، وكشفت عن وجود ارتباط قوي بين الجرائم وخصائص الفضاءات التي تُرتكب فيها'.
وشدد بوخريص على أن 'الحد من انتشار جرائم الشارع في المغرب يقتضي التفكير في حلول تتجاوز مجرد تعزيز المراقبة الأمنية أو تشديد العقوبات، بل تشمل أيضاً برامج الوقاية وإعادة التأهيل وإعادة الدمج'.
وأكد أنه 'من الضروري إغناء التكوين العلمي لعناصر الأمن في مجال علم الإجرام'، والانفتاح على تخصصات مثل 'علم إجرام المكان' و'علم إجرام الشارع'، من خلال دراسة 'جغرافية الجريمة داخل المدن'، وتحليل خصائص الشوارع والأماكن التي تعرف تركزاً مرتفعاً للجرائم.
كما أوضح أن التجارب الدولية أثبتت أن التحقيقات الميدانية المكثفة والمباشرة في مسرح الجريمة تعد من أكثر الوسائل فعالية في الكشف عن مرتكبي الجرائم وتوقيفهم، وأضاف أن ضابط الدورية المتنقلة، باعتباره أول من يصل إلى مكان الجريمة، يؤدي دوراً محورياً في جمع المعطيات الأولية التي تشكل أساساً للتحقيقات اللاحقة، مما يجعل تدخله السريع عاملاً حاسماً في نجاح الأبحاث.
واستحضر بوخريص أهمية 'فرقة الصقور' التابعة للأمن الوطني، التي تعتمد على دراجات نارية قوية تمكن عناصرها من القيام بدوريات منتظمة والوصول إلى مختلف المناطق، بما فيها الأزقة والأماكن الخلفية القريبة من الشارع العام، وهو ما يساعد في تقليص زمن التدخل ومكافحة مختلف أنواع الجرائم.
وأوضح أن الزمن في علم الإجرام يعد 'أفضل صديق للمجرم'، فكلما طال الفاصل الزمني بين وقوع الجريمة وانطلاق التحقيق، ارتفعت فرص إفلات الجاني من العدالة. ومن هذا المنطلق، فإن عناصر 'فرقة الصقور' توجد في موقع مثالي لتطوير الخيوط التحقيقية التي قد تقود إلى حل جرائم الشارع وتوقيف مرتكبيها.
وأشار الباحث إلى أن 'رجال الشرطة لا ينبغي أن يكتفوا في تعاملهم مع جرائم الشارع، بالاستماع إلى الضحايا وإنجاز المحاضر والتقارير، أو حتى القيام بتحقيقات أولية سريعة، لأن التركيز المفرط على الجوانب الإجرائية قد يقلص فرص الوصول إلى الجناة'. وأضاف بوخريص أن 'المجرم الذي يظل طليقاً بسبب تحقيق ناقص أو غير معمق يواصل ارتكاب الجرائم ونشر الخوف في الشوارع والأحياء'، مبرزاً أهمية جعل تتبع الخيوط التحقيقية النشطة ممارسة يومية ومنهجية.
وختم بالتأكيد أن الحد من جرائم الشارع يقتضي تأهيل رجال الشرطة وتكوينهم تكويناً متخصصاً في تقنيات التحقيق الميداني وأساليب التعامل مع هذا النوع من الجرائم، بما يعزز فعالية التدخلات الأمنية ويرفع من نسب الكشف عن الجناة.



































