اخبار قطر
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ١٥ كانون الثاني ٢٠٢٦
سلمى حداد - الخليج أونلاين
- تصعيد أمريكي غير مسبوق ضد إيران يرفع علاوة المخاطر الجيوسياسية ويضع مضيق هرمز في قلب قلق أسواق النفط.
- تحذيرات خليجية مباشرة لواشنطن من أن أي حرب قد تمتد إلى منشآت الطاقة وتزعزع استقرار الاقتصاد العالمي.
- خبراء يحذرون من أن ارتفاع النفط سيطلق سلسلة صدمات تشمل التضخم، وتشديد السياسات النقدية، وتباطؤ النمو عالمياً.
تتجه أنظار أسواق الطاقة والمال العالمية نحو الشرق الأوسط مع تصاعد التهديدات الأمريكية ضد إيران، وسط احتجاجات غير مسبوقة تشهدها مدنها، ومخاوف متنامية من أن يؤدي أي تصعيد عسكري إلى هزّ استقرار الاقتصاد العالمي.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الثلاثاء 13 يناير الجاري، إن واشنطن تدرس 'خيارات قوية للغاية' في التعامل مع إيران، في إشارة واضحة إلى أن العمل العسكري بات ضمن السيناريوهات المطروحة.
وأعلن ترامب في اليوم ذاته، إلغاء جميع قنوات الاتصال مع المسؤولين الإيرانيين، ودعا الأمريكيين وحلفاء الولايات المتحدة إلى مغادرة إيران.
وحسب محللين تحدثوا إلى وكالة 'رويترز'، فإن هذه التصريحات أسهمت في رفع علاوة المخاطر الجيوسياسية في الأسواق الآجلة للنفط، حتى مع بقاء الأسعار الفورية مدعومة بوفرة المعروض العالمي.
وذكر تقرير لوكالة 'بلومبيرغ' الأمريكية، في 14 يناير الجاري، أن متداولي النفط كثفوا مراقبتهم للتطورات السياسية والأمنية في إيران، في ظل مخاوف من أن تؤدي الاحتجاجات الشعبية أو أي عمل عسكري خارجي إلى تعطّل إنتاج النفط الإيراني، أو إلى لجوء حكومة طهران إلى خطوات تصعيدية تشمل تقييد المرور في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لشحن الطاقة في العالم.
ويأتي هذا القلق في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية حالة هشاشة، مع استمرار الضغوط التضخمية، وارتفاع تكاليف الاقتراض، وحساسية الاقتصادات الكبرى تجاه أي صدمة جديدة في أسعار الطاقة.
تحذيرات خليجية
وفي مقابل التصعيد الأمريكي، برزت تحركات خليجية لاحتواء المخاطر، فحسب تقرير لصحيفة 'وول ستريت جورنال'، نشر في 13 يناير الجاري، فإن السعودية وقطر وسلطنة عُمان وجّهت رسائل مباشرة إلى الإدارة الأمريكية تحذّر فيها من الإقدام على أي عمل عسكري ضد إيران، لما قد يترتب عليه من تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة وأسواق الطاقة العالمية.
وذكرت الصحيفة أن مسؤولين خليجيين نقلوا قلقهم من أن أي مواجهة عسكرية قد لا تبقى محصورة بين واشنطن وطهران، بل قد تمتد لتشمل منشآت نفطية وممرات شحن حيوية في الخليج، ما يضع اقتصادات المنطقة أمام مخاطر مباشرة.
كما أفادت أن مسؤولين سعوديين أبلغوا واشنطن بأن المملكة لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي كمنصة لأي هجوم على إيران.
ولعل النفط هو الحلقة الأضعف في ظل موجة الصراع الحالي، فحسب تحليل لوكالة 'بلومبيرغ' نُشر في 14 يناير الجاري، فإن أي تهديد جدي لحركة الشحن عبر مضيق هرمز جراء الحرب قد يؤدي إلى قفزات حادة في أسعار النفط، حتى وإن لم تُغلق الممرات فعلياً، نظراً للتأثير النفسي الكبير على الأسواق وشركات التأمين والنقل البحري.
ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فإنه يمر عبر مضيق هرمز نحو 16.5 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يعادل قرابة ربع النفط المنقول بحراً في العالم، بما في ذلك صادرات رئيسية من السعودية والعراق والإمارات وقطر.
ورغم امتلاك السعودية والإمارات خطوط أنابيب بديلة تتيح تجاوزاً جزئياً لمضيق هرمز، فإن هذه البدائل لا تكفي لتعويض إغلاق شامل أو طويل الأمد، خصوصاً فيما يتعلق بالغاز الطبيعي المسال الذي تعتمد فيه قطر بشكل شبه كامل على المرور البحري.
ما وزن إيران بسوق النفط؟
تشير بيانات منظمة 'أوبك' لشهر ديسمبر الماضي، إلى أن إيران تنتج نحو 3.3 ملايين برميل من النفط يومياً، ما يمثل قرابة 3% من الإمدادات العالمية.
غير أن تأثير إيران في السوق لا ينبع من حجم إنتاجها فحسب، بل من موقعها الجغرافي وقدرتها المحتملة على التأثير في حركة الشحن.
وتعتمد إيران حالياً بشكل شبه كامل على الصين، التي تستحوذ على نحو 90% من صادراتها النفطية، والتي تُباع بخصومات كبيرة عبر شبكات غير رسمية وناقلات قديمة فيما يُعرف بـ'أسطول الظل'، وفق تقرير لشبكة 'سي إن بي سي' الأمريكية.
وتظهر أحدث بيانات شركة 'كلبر' لتحليل الشحن إلى أن شحنات النفط الإيراني إلى الصين بلغت، في أواخر ديسمبر الماضي، أعلى مستوى لها في نحو عامين ونصف، ما يزيد من حساسية السوق لأي اضطراب مفاجئ.
التداعيات العالمية
وحسب تعليق للأسواق صادر عن صندوق النقد الدولي، في 13 يناير الجاري، فإن أي ارتفاع حاد في أسعار الطاقة قد يعيد إشعال موجة تضخمية عالمية، ويقوّض الجهود التي تبذلها البنوك المركزية الكبرى لكبح الأسعار دون دفع الاقتصادات نحو الركود.
وأضاف الصندوق أن الاقتصادات المستوردة للطاقة في آسيا وأوروبا ستكون الأكثر تضرراً، في وقت تواجه فيه الصين تباطؤاً اقتصادياً، وتكافح فيه الدول الأوروبية آثار ارتفاع تكاليف الطاقة منذ الحرب في أوكرانيا.
وإعلان واشنطن فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 25% على الدول التي 'تتعامل تجارياً' مع إيران يضيف طبقة إضافية من المخاطر، إذ قد يدفع شركات ودولاً إلى إعادة توجيه تجارتها، أو تقليص التعامل مع طهران، ما يشدد الإمدادات النفطية العالمية.
ورغم تصاعد التهديدات، أظهرت بيانات 'بلومبيرغ' لأسواق الطاقة بتاريخ 14 يناير الجاري، أن خام برنت ظل يتداول دون مستوى 65 دولاراً للبرميل، مدعوماً بوفرة المعروض العالمي، في حين سجلت العقود الآجلة ارتفاعاً طفيفاً مع اتجاه المستثمرين إلى التحوط ضد المخاطر الجيوسياسية.
أين يكمن الخطر؟
بهذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي منير سيف الدين أن السيناريو الأكثر خطورة في أي مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران لا يكمن فقط في ارتفاع أسعار النفط، بل في تغيّر هيكلي مؤقت في سلوك الأسواق العالمية، قد يعيد الاقتصاد الدولي إلى نمط إدارة الأزمات بدل النمو.
ويشير سيف الدين إلى أن التجارب السابقة تظهر أن كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر برميل النفط يؤدي إلى زيادة تتراوح بين 0.3 و0.5 نقطة مئوية في معدلات التضخم العالمية خلال فترة تتراوح بين 6 و12 شهراً، وفق تقديرات بنوك استثمار دولية.
وفي حال قفزت الأسعار إلى نطاق 90–100 دولار للبرميل، فإن ذلك سيقوض مسار خفض التضخم الذي بدأت ملامحه بالظهور في الاقتصادات المتقدمة.
من زاوية خليجية، يوضح سيف الدين أن المكاسب المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط ستكون محدودة زمنياً، إذ قد تشهد الدول المصدّرة زيادة فورية في الإيرادات الحكومية، لكن هذه الزيادة ستقابلها تكاليف أعلى في مجالات الشحن، والتأمين، وسلاسل الإمداد، إضافة إلى تراجع محتمل في الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تعد عنصراً أساسياً في خطط التنويع الاقتصادي في السعودية والإمارات وقطر.
ويضيف أن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس أيضاً على تكلفة تنفيذ المشاريع الكبرى، خصوصاً في قطاعات البنية التحتية والإنشاءات والصناعة، حيث ترتفع أسعار المواد الخام والنقل، ما قد يؤدي إلى تأجيل بعض المشاريع أو إعادة تسعيرها، وهو ما يقلّص الأثر الإيجابي المتوقع من الإيرادات النفطية المرتفعة.
وعلى مستوى التجارة العالمية، يحذر سيف الدين من أن أي تعطل في مضيق هرمز، حتى وإن كان جزئياً أو مؤقتاً، سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أجور الشحن البحري وأقساط التأمين، ما ينعكس فوراً على أسعار السلع الأساسية، بدءاً من الطاقة وصولاً إلى الغذاء والسلع المصنعة.
ويشير إلى أن ارتفاع أجور نقل ناقلة نفط عملاقة قد يصل إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف في فترات التوتر الحاد، كما حدث في أزمات سابقة شهدتها المنطقة.
أما بالنسبة للاقتصاد العالمي، فيؤكد سيف الدين لـ'الخليج أونلاين' أن الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما في آسيا وأوروبا، ستكون الأكثر تضرراً، إذ ستواجه ضغوطاً مزدوجة من ارتفاع أسعار الطاقة وتراجع القدرة الشرائية، ما قد يؤدي إلى تباطؤ النمو أو حتى ركود اقتصادي في بعض الاقتصادات.
ويرى أن الصين، التي تستورد الجزء الأكبر من النفط الإيراني، قد تضطر إلى البحث عن بدائل أعلى كلفة، ما يزيد الضغط على قطاعها الصناعي في وقت تعاني فيه من تباطؤ اقتصادي ملحوظ.
ويوضح أن فرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية إضافية على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران سيزيد من تشظي النظام التجاري العالمي، ويدفع بعض الدول والشركات إلى استخدام قنوات غير رسمية أو إعادة هيكلة سلاسل التوريد، وهو ما يرفع كلفة التجارة العالمية ويزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق.
وفي هذا الشأن، قالت الإمارات إن فرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية بنسبة 25% على الدول التي تتعامل تجارياً مع إيران من شأنه التأثير بالتأكيد على إمدادات السلع إلى الدولة، ومن بينها المواد الغذائية.
وصرح وزير التجارة الخارجية ثاني الزيودي أن الإمارات هي ثاني أكبر شريك تجاري لإيران، مشيراً إلى أن السلطات لا تزال تقيّم التداعيات المحتملة لمثل هذا القرار في حال تطبيقه.
ويخلص سيف الدين إلى أن أخطر ما في سيناريو الحرب ليس الصدمة الأولى، بل تراكم الصدمات؛ إذ قد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى تضخم، يليه تشديد نقدي، ثم تباطؤ اقتصادي، ما يخلق حلقة سلبية يصعب كسرها بسرعة.























