اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١ أيار ٢٠٢٦
الأحزاب تكثف البحث عن مرشحين يتمتعون بنفوذ مالي أو شبكة علاقات اجتماعية واسعة قبل 4 أشهر من اختيار برلمان جديد
أضفى اقتراب موعد تنظيم الانتخابات التشريعية في المغرب حركية لافتة على المشهد السياسي من خلال محاولات أحزاب استقطاب شخصيات بعينها، تملك القدرة على حشد الأصوات الانتخابية لصالحها، إما بفضل مكانتها المالية أو شبكة علاقاتها الاجتماعية.
ويحظى هؤلاء 'الأعيان' بمكانة بارزة في نسيج الانتخابات بالمغرب، غير أنهم يتلقون انتقادات كثيرة بسبب ارتباطهم بشبكات 'الزبونية' وتبادل المنافع، وتحويل العملية الانتخابية إلى علاقات ولاء شخصية، بينما يراهم آخرون شخصيات انتخابية 'لا بد منها' بفضل معرفتهم الدقيقة بالبنيات المحلية وحاجات الساكنة الملحة.
على بعد نحو أربعة أشهر من تنظيم الانتخابات البرلمانية في المغرب، أطلقت أحزاب سياسية مجسات الاستشعار لرصد واستقطاب مرشحين بصفات محددة، أبرزها أن يكون لديهم نفوذ إما بالمال أو بالسلطة أو بشبكة العلاقات الاجتماعية والقرب من الساكنة المحلية.
وتبحث أحزاب سياسية عن استجلاب سير ذاتية لشخصيات قوية، عبارة عن 'أعيان' معروفين في دوائرهم الانتخابية في المدن والقرى أيضاً، باعتبارهم مفاتيح لا غنى عنها لحسم الفوز بمقاعد في البرلمان المقبل.
وأفلحت أحزاب في هذا الصدد في استقطاب 'أعيان' يحظون بقواعد شعبية محترمة، كما لديها شبكات اجتماعية ومهنية واسعة، في عدد من البوادي والمناطق الحضرية، وهم نواب برلمانيون حاليون وآخرون سبق لهم التمثيل النيابي، ومنتخبون كبار في المناطق الانتخابية ذات الوزن الثقيل.
وترى تحليلات سياسية وتقارير مراكز بحثية عديدة أن الأعيان ليسوا ظاهرة سياسية طارئة، بل هم بنية أساسية صلبة متجذرة في النظام السياسي بصورة عامة، وفي المنظومة الانتخابية بصورة خاصة بالمملكة.
وتعتمد الأحزاب السياسية على 'الأعيان' لحسم عديد من المقاعد البرلمانية، خصوصاً في البوادي وضواحي المدن أيضاً، بالنظر إلى تأثيرهم القوي في داخل هذا النوع من الشبكات الاجتماعية المحلية، إضافة إلى أن الأحزاب تلجأ إلى 'خدمات الأعيان' لتغطية ضعفها التأطيري، ولضمان أسهل للفوز بمقاعد في البرلمان.
وأفضت ظاهرة اتكال عديد من الأحزاب السياسية على الأعيان لتحقيق أكبر عدد من المقاعد في الخريطة الانتخابية إلى تحول هؤلاء 'المرشحين الكبار' إلى كنز انتخابي جاهز من دون أن يتوفروا بالضرورة على كفاءات سياسية أو سمعة انتخابية جيدة، الشيء الذي يفاقم ضعف القواعد الحزبية.
من جهته أفاد الحبيب استاتي زين الدين، المتخصص في مجال القانون الدستوري والعلوم السياسية في جامعة القاضي عياض بمراكش، أن ظاهرة 'الأعيان' في الانتخابات المغربية تطرح باعتبارها إحدى السمات البنيوية للحياة السياسية، إذ تشير في أدبيات علم السياسة إلى فاعلين محليين يجمعون بين موارد متعددة، اقتصادية واجتماعية ورمزية، تمكنهم من احتلال موقع وساطة داخل الحقل السياسي، خارج المسارات الحزبية الكلاسيكية أو على هامشها.
ويقارب مفهوم 'الأعيان' في هذا الإطار بوصفه امتداداً لما تسميه الأدبيات المقارنة بـ'النخب المحلية' أو 'الوسطاء التقليديين'، الذين راكموا عبر الزمن شبكات نفوذ قائمة على المكانة الاجتماعية، والقدرة على التعبئة، والارتباط المباشر بالناخبين، وقد تبلور حضورهم في سياقات تاريخية سابقة، لكنه استمر وتكيف مع التحولات المؤسساتية، مما جعله عنصراً ثابتاً نسبياً في بنية التنافس الانتخابي.
واستطرد زين الدين بأن الأعيان اضطلعوا بوظائف وسيطة مهمة، بخاصة في المجالات التي عانت ضعف التأطير الحزبي، حيث أسهموا في تعبئة الناخبين وربط الصلة بين المواطنين والإدارة، إضافة إلى أن معرفتهم الدقيقة بالبنيات المحلية وحاجات الساكنة منحتهم قدرة على تمثيل مطالب فئات ظلت أحياناً خارج دوائر الفعل السياسي المنظم.
ورصد المحلل خاصية إيجابية أخرى هي ما توفر لدى هؤلاء الأعيان من موارد مالية وتنظيمية ساعدت على استمرارية العمل الانتخابي، فضلاً عن تراكم خبرة تدبيرية لدى بعضهم، وهو ما انعكس في حالات معينة على مستوى النجاعة في تدبير الشأن المحلي عندما اقترن بالكفاءة والمسؤولية.
في المقابل، أفرز حضور الأعيان في الانتخابات إشكالات وظيفية وبنيوية مست بجودة التمثيل الديمقراطي، إذ ارتبط نفوذ الأعيان في كثير من الحالات بشبكات الزبونية وتبادل المنافع، وهو ما أدى إلى تحويل العملية الانتخابية من تنافس برامجي إلى علاقات ولاء شخصية'، وفق استاتي.
ولفت المتحدث عينه إلى ما يمكن تسميته 'هيمنة الرساميل غير السياسية' داخل الحقل السياسي، بعدما أضحت القدرة المالية والاجتماعية محدداً أساساً للنجاح الانتخابي.
ووفق الأستاذ الجامعي، لم يقتصر الاعتماد المتزايد على الأعيان داخل الأحزاب على ترجيح منطق الحشد الانتخابي، بل أسهم أيضاً في تراجع مكانة المناضلين داخل التنظيمات الحزبية، إذ وجد كثير منهم أنفسهم مهمشين أمام صعود مرشحين يملكون النفوذ والموارد أكثر من امتلاكهم لمسار نضالي أو التزام حزبي.
والنتائج السلبية لهذه الظاهرة يوجزها زين الدين في 'إضعاف الثقة في قيمة الانتماء الحزبي، وفتور الحماس التنظيمي، وأحياناً انسحاب تدريجي لبعض الكفاءات الحزبية'، متسائلاً 'كيف يمكن لحزب يسعى إلى تقوية حضوره الانتخابي عبر استقطاب الأعيان أن يحافظ في الوقت نفسه على تماسكه الداخلي وقدرته على إنتاج نخب مناضلة من داخله؟ وهنا يخلص إلى أن 'هذا الوضع حد من دينامية التجديد الحزبي وجعل البنية التنظيمية أقل صلابة على المدى المتوسط والبعيد'.
ولم يفت الباحث السياسي الإشارة إلى أن التحدي لا يتمثل في تحييد الأعيان بوصفهم فاعلين اجتماعيين، بل في إعادة تأطير حضورهم ضمن قواعد تنافس أكثر شفافية وعدالة، تضمن تكافؤ الفرص وتربط المسؤولية بالمحاسبة، مشدداً على أنه 'يمكن استيعاب حضور الأعيان داخل دينامية سياسية أكثر انفتاحاً وتعدداً، بدلاً من أن يظل مصدراً للتوتر داخل الحقل الحزبي والسياسي'.
في الوقت نفسه رأت الباحثة في علوم السياسة شريفة لموير أن انكباب الأحزاب السياسية على استقطاب الأعيان في كل محطة انتخابية أضحى منطقاً أساساً يؤطر سلوكها، بالنظر إلى أن هدفها الأول يظل حصد أكبر عدد من الأصوات، بما يتيح لها الظفر بمقاعد برلمانية تمكنها من احتلال مراتب متقدمة والمشاركة في الغالبية الحكومية.
وأوردت لموير في هذا السياق أن هذا التوجه يدفع الأحزاب إلى التغاضي عن جملة من الاعتبارات، من بينها استجلاب أعيان من أحزاب أخرى، أو منح التزكيات لأعيان سبق أن توبعوا في قضايا مختلفة، موضحة أن إغراق المشهد السياسي بالأعيان يفقده جوهره القائم على تمثيل المواطنين، إذ تحل لغة المصالح محل الكفاءة، ويجري تهميش مرشحين نزهاء إلى جانب الشباب والنساء.
ومضت لموير قائلة إن ما يعزز هذا الوضع هو ما يحظى به الأعيان من نفوذ اجتماعي واقتصادي، مما يجعل استمالة أصوات الناخبين، في كثير من الأحيان، مرتبطة باستعمال المال، وهو واقع قائم على رغم الإجراءات التي تتخذها وزارة الداخلية لضمان نزاهة العملية الانتخابية.
وتابعت الباحثة أن الحضور المتزايد للأعيان في الانتخابات، مع توالي المحطات، بات يشكل وضعاً مقلقاً يستدعي المعالجة، بخاصة أن وصولهم إلى قبة البرلمان لا ينعكس بالضرورة في تمثيل فعلي لقضايا المواطنين، بقدر ما يسجل حرصهم على حماية مصالحهم الاقتصادية.
وخلصت شريفة لموير إلى أن 'التهافت الحزبي على المقاعد البرلمانية جعل من هذه الظاهرة نهجاً منهجياً، مما يفرض اليوم تبني مقاربة حازمة للحد من هيمنة الأعيان داخل المؤسسة التشريعية'.



































