اخبار ليبيا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٤ حزيران ٢٠٢٦
لوحظ توجه الأطراف الدولية لا سيما الولايات المتحدة إلى التركيز على إنهاء الانقسام مقابل تراجع حديثها عن الانتخابات
قرر رؤساء المجالس الثلاثة (مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي) الاتفاق على وثيقة 'مبادئ خريطة طريق لإنهاء المرحلة التمهيدية'، التي تتضمن تفاهمات عدة تتمحور حول استكمال الإطار الدستوري والقانوني لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بصورة متزامنة في فبراير (شباط) عام 2027، وفق ما جاء في بيان للمكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي، وأكد البيان أيضاً أن الانتخابات ستجرى بموجب القوانين الانتخابية المنبثقة عن لجنة '6+6' المشكلة بموجب التعديل الدستوري الـ13، وأشار إلى أنه تم الاتفاق أيضاً على تشكيل لجنة عليا للإشراف على مسار الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة.
وشدد البيان على رفض فكّ التجميد عن الأموال والأصول المجمدة إلى حين انتخاب رئيس من الشعب، إضافة إلى التأكيد على حصرية المؤسسة الوطنية للنفط في تسويق النفط وتحصيل العوائد وفق الآليات القانونية المعتمدة وغيرها من النقاط.
ولوحظ توجه الأطراف الدولية المتداخلة في الملف الليبي، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، إلى التركيز بصفة أولوية على إنهاء الانقسام مقابل تراجع حديثها عن الانتخابات إلى مرحلة موالية.
في السياق، أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس ضرورة تقاسم السلطة التنفيذية بين الشرق والغرب الليبي، وقال إنه 'يعمل على توحيد مؤسسات الدولة، تحت سلطة واحدة، مع تشجيع شركات النفط الأميركية على الاستثمار في البلاد' وفق ما نقلت صحيفة 'فايننشال تايمز'، وأوضح بولس أن التوجه الأميركي سيكون 'مكملاً لجهود الأمم المتحدة لإجراء الانتخابات'.
والسؤال هل انتقلت ليبيا من أولوية الانتخابات إلى مرحلة التسويات بين مراكز النفوذ القائمة؟
في هذا الوقت قال مدير 'مؤسسة ابدأ للدراسات' عبدالله الغرياني إن دفع الولايات المتحدة نحو تسوية بين نائب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن صدام حفتر، ورئيس الحكومة الوطنية عبدالحميد الدبيبة يبقي العملية الانتخابية قائمة، ورأى الغرياني أن تسبيق الولايات المتحدة تقاسم السلطة التنفيذية بين الفرقاء على الانتخابات 'يندرج ضمن إطار التوطئة للعملية الانتخابية التي تتطلب تفاهماً بين أطراف الصراع'.
أضاف أن كلاً من رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، ونائب القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية الفريق أول ركن صدام حفتر، أصبحا جزءاً من العملية الإقليمية، 'إذ يعوّل بصورة مباشرة على صدام في تأمين شرق وجنوب ليبيا، والأمر جلي من خلال تركيز رموز السلطة في كل من فرنسا وروسيا والولايات المتحدة وتركيا على التواصل معه، والدبيبة لا يزال لديه حتى اليوم غطاء دولي في إطار ما يعرف بالشرعية الدولية التي انبثقت عن اتفاق جنيف'.
ونوّه مدير 'مؤسسة ابدأ للدراسات' إلى أن الأسباب كثيرة لاختيار بولس أولوية تقاسم النفوذ بين القوى الفاعلة في ليبيا قبل التوجه نحو انتخابات وطنية، 'أهمها أن توحيد السلطة التنفيذية وتشاركها بين هذه الأطراف سيقلص من انتشار السلاح، ويدفع نحو تأمين الحدود المشتركة مع بقية الدول، وسيحول دون انقسام السلطة القضائية التي تعد العمود الفقري للعملية الانتخابية التي تتداخل فيها أطراف الصراع، فالدبيبة له جناح تشريعي متمثل في المجلس الأعلى للدولة، يقابله في الشرق مجلس النواب كذراع تشريعي للقيادة العامة، مما يتطلب توطئة تتمثل في إنهاء الانقسامات السياسية والأمنية والاقتصادية والتشريعية لتمهيد الساحة الليبية نحو إجراء عملية انتخابية سبق وتأكد أن الانشقاقات بين الشرق والغرب هي سبب رئيس في إجهاضها'.
عميد كلية العلوم السياسية بجامعة 'نالوت' والمتخصص في العلاقات الدولية إلياس الباروني وصف، من ناحيته، تطورات الملف الليبي باللافتة قائلاً إن 'هناك تحولاً تدرجياً في المقاربة الدولية من التركيز على الانتخابات باعتبارها مدخلاً لإنهاء الأزمة، إلى البحث عن صيغ توافقية وترتيبات لتقاسم النفوذ بين القوى الفاعلة على الأرض'، وتابع أن هذا التحول لا يعكس فقط تعثراً في المسار الانتخابي، 'بل يعبّر عن إعادة تقييم دولي لطبيعة الأزمة الليبية وحدود الأدوات التي يمكن من خلالها إدارتها'.
وربط الباروني تراجع الحديث عن الانتخابات مقابل التوجه إلى تسويات بين القوى الموجودة على الأرض باعتبارات سياسية واستراتيجية عدة، من بينها فشل المقاربة الانتخابية عام 2021. ورأى أن القوى الدولية أدركت أن الانتخابات التي كانت تُطرح كحل سحري للأزمة الليبية 'لم تعد تمثل نقطة توافق بين الأطراف المحلية، بل تحولت إلى مصدر إضافي للصراع'، ولفت إلى أن تجربة انتخابات ديسمبر (كانون الأول) عام 2021 بينت أن غياب قاعدة دستورية متفق عليها، واستمرار الانقسام العسكري والمؤسساتي، 'يجعل من الذهاب إلى الانتخابات مغامرة قد تفضي إلى صدام جديد بدلاً من إنتاج سلطة موحدة، ومن ثم انتقل التفكير الدولي من كيفية إجراء الانتخابات إلى منع انهيار التوازنات القائمة'.
وواصل الباروني أن تسبيق التسوية السياسية على الانتخابات يؤكد اعتراف المجتمع الدولي بحقيقة موازين القوى والنفوذ على الأرض، إذ 'أصبح التوجه إلى التعامل مع موازين القوى الفعلية بدلاً من الرهانات النظرية، فالسلطة الحقيقية في ليبيا لا تحتكرها المؤسسات الرسمية وحدها، وإنما تتوزع بين قوى سياسية وعسكرية واقتصادية وأمنية في الشرق والغرب، لذا، فإن أي عملية سياسية تتجاهل هذه المراكز الفاعلة ستواجه المصير نفسه الذي واجهته المبادرات السابقة، لذلك ظهر اتجاه يقوم على استيعاب القوى الموجودة داخل ترتيبات جديدة بدلاً من محاولة تجاوزها أو إقصائها'.
وقال أيضاً، في الأعوام الأخيرة، 'لم تعد ليبيا تمثل أولوية قصوى بالنسبة إلى القوى الكبرى كما كانت الحال بين عامي 2011 و2020، فالحرب الأوكرانية، والتوترات في الشرق الأوسط، والمنافسة الأميركية - الصينية، كلها ملفات دفعت ليبيا إلى مرتبة أقل في سلّم الاهتمامات الدولية. لذلك، أصبح الهدف الأساس للقوى الدولية إدارة الأزمة ومنع انفجارها، وليس بالضرورة حلها بصورة جذرية'، وأوضح أن القوى الدولية أدركت أن المطلوب اليوم ليس بناء ديمقراطية مكتملة، وإنما الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار ومنع العودة إلى الحرب'، مشيراً إلى أن صعود مفهوم 'الاستقرار قبل الديمقراطية' أسهم أيضاً في تراجع الحديث عن الانتخابات 'باعتبار أن هناك قناعة متزايدة لدى بعض العواصم المؤثرة بأن الانتخابات في الدول المنقسمة لا تنتج بالضرورة الاستقرار، بل قد تؤدي إلى تجدد الصراع، ومن ثم، أصبح الاتجاه السائد يقوم على بناء تفاهمات بين مراكز النفوذ القائمة، وتأجيل الاستحقاق الانتخابي إلى مرحلة لاحقة، بعد ضمان وجود حد أدنى من التوافق بين الأطراف الرئيسة'.
وأكد الباروني أن الخطة الأميركية لتقاسم السلطة التنفيذية بين الشرق والغرب تعكس فلسفة جديدة تكشف عن انتقال واشنطن من مقاربة تغيير الواقع إلى مقاربة إدارة الواقع، 'بمعنى أن الولايات المتحدة لم تعد تراهن على إنتاج نخبة جديدة عبر الانتخابات، وإنما على دمج القوى الموجودة حالياً داخل صيغة لتقاسم السلطة بين الشرق والغرب، مما يشبه إلى حد ما، نماذج التسويات التي شهدتها بعض الدول الخارجة من النزاعات، إذ يتم الاعتراف بموازين القوى القائمة وإعادة تنظيمها داخل إطار سياسي جديد'.
واستدرك المتخصص بالعلاقات الدولية أن هذه المقاربة، على رغم واقعيتها، 'تحمل خطراً يتمثل في تكريس الانقسام وإضفاء الشرعية على الأمر الواقع بدلاً من تجاوزه، لأن إمكانية تنفيذ الخطة الأميركية لدمج سلطات الشرق والغرب على أرض الواقع تظل قائمة نظرياً، لكنها تواجه تحديات كبيرة، من أبرزها غياب الثقة المتبادلة بين الشرق والغرب اللذين يعيشان حالاً من الشك المتبادل، فهناك إرث طويل من الصراعات السياسية والعسكرية يجعل من الصعب بناء شراكة مستقرة'، وأوضح أن الخلافات لا تتعلق فقط بالمناصب، 'بل تشمل توزيع الثروة، والسيطرة على المؤسسات السيادية، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، ومستقبل الأجهزة الأمنية'، منوهاً إلى أن 'تضارب المصالح الإقليمية والدولية يجعل من الأزمة الليبية أزمة ليست داخلية فقط، بل ساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية، ومن ثم فإن نجاح أي خطة أميركية يتطلب توافقاً بين الفاعلين الخارجيين المؤثرين، وهو أمر ليس مضموناً، لأن لكل دولة حساباتها ومصالحها الخاصة'، وتابع أن 'معضلة تقاسم السلطة أثبتت أنها غالباً ما تتحول إلى تقاسم للمناصب والغنائم من دون معالجة جذور الأزمة، لذا فإن أي صيغة جديدة قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الطبقة السياسية الحالية نفسها، مع توسيع قاعدة المستفيدين من الوضع القائم'، ولفت إلى أن غياب الشرعية الشعبية والتفاهمات بين النخب قد توفر هدنة سياسية، لكنها لا تعوض غياب الشرعية الشعبية، 'فإذا لم تُستكمل هذه الترتيبات بعملية سياسية شاملة وانتخابات عامة، فإنها ستظل عرضة للاهتزاز والانهيار عند أول أزمة'.
ولفت إلى أنه 'إذا كان بولس يقصد دمج المؤسسات الاقتصادية والرقابية والعسكرية تدرجاً، فإن فرص نجاح الخطة ستكون أكبر، أما إذا كان يستهدف فرض سلطة موحدة بصورة سريعة، فإن نجاحها سيكون محدوداً لأن الأزمة الليبية أكثر تعقيداً من أن تُحل بترتيبات فوقية أو بتوافقات بين عدد محدود من الأطراف'، وقال أيضاً 'تسبيق الولايات المتحدة لتقاسم النفوذ على الانتخابات ليس تخلياً كاملاً عن الانتخابات، بل هو تأجيل لها لمصلحة مقاربة جديدة تقوم على الاستقرار التوافقي أو تقاسم النفوذ المنظم، فالمجتمع الدولي يبدو وكأنه انتقل من مشروع بناء الشرعية عبر صناديق الاقتراع إلى مشروع إدارة التوازنات بين القوى الموجودة على الأرض'، واستدرك الباروني أن هذا التحول يطرح إشكالية جوهرية مفادها أن التسويات بين مراكز النفوذ قد تنجح في منع الحرب، 'لكنها لا تكفي لبناء الدولة، فالدول لا تشاد على أساس المحاصصة الدائمة، وإنما وفق مؤسسات شرعية وقواعد دستورية واضحة'، وأشار إلى أن الخطر يكمن في أن تتحول ليبيا من مرحلة 'الانتقال نحو الدولة' إلى مرحلة 'إدارة الانقسام'، بحيث تصبح التسويات غاية في حد ذاتها، وتتحول الانتخابات من استحقاق مؤجل إلى هدف مؤجل إلى أجل غير معلوم، 'وفي هذه الحالة، لن تكون الأزمة الليبية في طريقها إلى الحل، بل إلى إعادة إنتاج نفسها في صورة مستقرة ولكن أيضاً أكثر تعقيداً'.



























