اخبار العراق
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٩ أيلول ٢٠٢٦
يواجه الإقليم مشكلات سياسية وإدارية وغياب التنسيق مع بغداد وجدل محتمل حول وضع قوات 'البيشمركة'
قرار الانسحاب الأميركي من العراق المقرر أن يبدأ تنفيذه في الـ30 من سبتمبر (أيلول) الجاري، بحسب ما هو معلن، يضع نهاية لفترة بدأت قبل أكثر من عقدين من الزمن، ويلقي بظلاله على حلفاء الولايات المتحدة في الداخل لا سيما إقليم كردستان في شمال العراق الذي تقطنه الغالبية الكردية، ومنشطر سياسياً بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة الرئيس مسعود بارزاني الذي يتولى إدارة الإقليم من أربيل، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني في السليمانية وتوابعها.
خبراء وبرلمانيون عراقيون التقتهم 'اندبندنت عربية' للوقوف على أبعاد قرار الانسحاب الأميركي الذي ظل طيلة العقدين الماضيين الضمانة لوجود نمط من الاستقرار السياسي للقيادات في كل من المركز في العاصمة بغداد وأربيل عاصمة الإقليم، على رغم آلاف الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيرات التي قصفت الإقليم، وضربت القواعد الأميركية فيه لا سيما قاعدة حرير، وأسقطت الصواريخ على محيط أكبر قنصلية لأميركا في أربيل التي تعد أكبر قنصلية أميركية في العالم.
يؤكد النائب السابق طالب خليل اليساري، وهو عميد سابق في الجيش العراقي، أن الولايات المتحدة وقفت مع كردستان ومع الدولة الاتحادية في ظروف صعبة وغير اعتيادية وساعدت البلد كثيراً من خلال التقنيات والخبراء، وأيضاً بالدعم المادي، فخلال الحرب مع 'داعش' عام 2014 لولا الدعم الأميركي والتكنولوجيا الأميركية لما تحقق النصر على الإرهاب الداعشي.
وأضاف اليساري أن السياسة الأميركية في المنطقة اختلفت حالياً، لأنها أخذت فرصة جيدة من الوقت، لكن لا يمكن لأميركا أن تبقى تقدم الدعم إلى ما لا نهاية، فنحن ندرك أن المبعوث الأميركي توم براك مرسل من قبل الرئيس دونالد ترمب 'لتقوية سلطة الحكومة الاتحادية، سواء الدولة الاتحادية في بغداد أو في أربيل، وعلى هذا الأساس، فهو يقوم بدعم الحكومة الاتحادية وتوحيد الصلاحيات، مع احتفاظ الجميع بصلاحيته حسب الدستور والقوانين النافذة'.
وأكد النائب السابق أن الدور الأميركي خلال الأعوام الماضية سهل العلاقة بين المركز والإقليم، ومن أهمها قانون النفط والغاز، والمادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، وموضوع 'السيكودا' وهو النظام الآلي لإدارة الإجراءات الجمركية وتخليص البضائع في المنافذ الحدودية، وكذلك حل أزمة المنافذ غير الرسمية، خاصة ونحن نواجه تحديات جسيمة تشكل ضغطاً على الدولة العراقية وقد تفرض علينا عقوبات إذا لم نتحكم بتلك الملفات كحكومة مركزية سيما الالتزام بموضوع العلاقة مع إيران.
وتابع المتحدث قائلاً 'لقد استوعبت أربيل الرسالة، وأرسلت الأخ هوشيار زيباري ليكون له مقر دائم في بغداد، وهو ملتزم بالعمل في العاصمة أسبوعياً، ويتواصل مع القادة السياسيين، لتأمين سرعة إرسال الرسائل وسرعة الاستجابة، وهو متفاعل حقيقة، الرجل أكد أنه يسعى مع حكومة الإقليم إلى حل المشكلات المعلقة، لا سيما دخول البضائع من أربيل إلى بغداد دون دفع مبالغ إضافية'.
الكاتب والباحث السياسي كفاح محمود له تفسير آخر لما أشيع عن الانسحاب الأميركي من كردستان وإيقاف الدعم لقوات حماية الإقليم 'البيشمركة'، إذ يؤكد أن كل المصادر القريبة من وزارة 'البيشمركة' في كردستان أو حتى من الجانب الأميركي تعتبر ليست رسمية بالصورة التي يمكن أن تكون قراراً رسمياً، وأن التواصل مستمر بين وزارة 'البيشمركة' والجهات الأميركية وخاصة مع وزارة الحرب الأميركية وهناك عشرات من الفنيين والخبراء الذين يقومون بتدريب القوات المسلحة العراقية ومن ضمنها قوات 'البيشمركة'.
وأضاف الباحث السياسي أن التنسيق ما بين وزارة 'البيشمركة' والولايات المتحدة مستمر، فعلى أرض الواقع ليس هناك شيء يدلل على الانسحاب فهي مجرد تصريحات صحافية لا يمكن الاعتماد عليها، ولم تبلغ وزارة الحرب أياً من الجهات الكردستانية قراراً بهذا المعنى، لكن من الوارد أن يتم تجديد الاتفاق بما يخدم تقوية قوات 'البيشمركة'، لأن أحد أهم أهداف الجانب الأميركي توحيد قوات 'البيشمركة' التي تعمل عليه منذ أعوام عدة بتعاون مع الحلفاء الآخرين الألمان والبريطانيين والفرنسيين، وقد قدمت هذه الإصلاحات إلى تشكيل كبير بحيث تم دمج قوات 70 و80 في وزارة 'البيشمركة'.
ويرى محمود أن قوات 'البيشمركة' كانت القوات الحديثة التي حمت القوات العراقية والقوات الأميركية من هيمنة الإرهاب الذي كان يسيطر على ما يقارب ثلث العراق، موضحاً أنه ربما تكون هناك تسريبات لبعض التصريحات لأعضاء في الكونغرس أو نواب أو أي جهة لا تمتلك تصريحاً رسمياً، لكنها تبقى مجرد توقعات غير مبنية على قرار رسمي أو توجه أو برنامج معين من قبل الإدارة الأميركية.
بدوره، أشار النائب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني هيثم المياحي إلى أن الحكومة الأميركية قدمت الدعم اللوجيستي والإسناد والتدريب لقوات عسكرية وأمنية في المركز ومحافظات جنوبية وغربية من العراق وإقليم كردستان، لكن هناك متغيرات تخلص الجانب الأميركي ودولاً أخرى في نهج التدريب والتوقيت والبقاء أو الخروج، فكل فقرة تعتمد على معاهدات عسكرية واتفاقات تبرم لمدد سنوية بعضها انتهى والبعض الآخر لا يزال مستمراً.
ونوه المياحي إلى أن تراجع خطورة 'داعش' وتهديدها للبلاد، واستقرار الأمن لهما دور في اتخاذ مثل هذه القرارات، وفي المقابل هناك تغيرات بالدعم المالي في بغداد ووزارة الدفاع وجهاز مكافحة الإرهاب خلال الفترات الماضية، لكن المستقبل يعتمد على القيادة العسكرية والرئيس الموجود في البيت الأبيض واحتمالية تجديد الدعم المالي والعسكري للقوات العراقية بما فيها 'البيشمركة' أو احتمال إيقافها.
ينوه النائب طالب خليل اليساري إلى قناعة حكومة المركز في بغداد بأنه لا مفاضلة أميركية في البقاء أو الانسحاب العسكري الشامل من العراق في موعده المقرر في الـ30 من سبتمبر الجاري، مؤكداً أن الانسحاب سيكون شاملاً من العراق كله، بما فيه الإقليم، لافتاً إلى أن عام 2025 شهد انسحاباً أميركياً من مواقعهم في قاعدة عين الأسد وغيرها، وسيشهد هذا العام الانسحاب النهائي، حسب الاتفاق مع 'البنتاغون' والحكومة العراقية بعد أكثر من جلسة واجتماع في بغداد وواشنطن، أفرزت جدولة المواعيد للانسحاب والالتزام بها من كلا الطرفين.
وشدد اليساري على تطبيق الانسحاب الشامل قائلاً 'لن يبقى طاقم مساعد سواء من الخبراء أو الدعم اللوجيستي أو غيرها، وستبقى العلاقة وفق اتفاق الإطار الاستراتيجي'، مضيفاً أن هناك توجهاً لإعداد اتفاقات أمنية مع دول التحالف الأخرى، وأيضاً حتى يمكن برمجتها بالصورة الأفضل من خلال اعتماد اتفاق الإطار الاستراتيجي الموقع بين البلدين عام 2008، مع إجراء تعديل بعض الفقرات التي تحتاج إلى تعديل.
ولفت المتحدث إلى أن قوات 'البيشمركة' باقية بموجب الدستور كحرس للإقليم، ومرتبطة بالقائد العام، لكن عملياً معروف أن قوات حرس الإقليم لديهم مشكلات بين السليمانية وأربيل، وهو ما يحتاج إلى تدخل الحكومة الاتحادية لترسيخ هذه العلاقة بصورتها الدستورية والقانونية.
ويذهب الباحث محمد علي الحكيم إلى أبعد من ذلك معللاً الدوافع المعلنة من الانسحاب إلى انحسار قدرة 'داعش' على إمكانية تحريك خلاياه النائمة لدور مقبل، ويرجح بأن واشنطن قد تكون بصدد إغلاق فصل عسكري في العراق، لكنها ليست بالضرورة بصدد إغلاق الملف العراقي نفسه، لكن الرسالة الأهم من هذه الخطوة أن مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي ستختبر قدرة العراق على إنتاج منظومة أمن وطنية متماسكة، بعيداً من الاعتماد الدائم على المظلة الأميركية.
ويؤكد الحكيم أن 'ربط الخطوة الأميركية بمسار إعادة تعريف الوجود العسكري الأميركي في العراق، ليس بالضرورة باعتبارها دليلاً منفرداً على انسحاب شامل ووشيك، والأدق سياسياً هو النظر إليها كجزء من انتقال واشنطن من الدعم الأمني المباشر إلى تقليص الالتزامات، مع الإبقاء على أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني، وتشير التطورات الحديثة إلى أن واشنطن تستخدم أدوات مالية وأمنية للضغط على بغداد في شأن النفوذ الإيراني'.
ويرى الحكيم أن الانسحاب حتمي ومرهون بموقف أميركي ذاتي نحو تقليص الالتزامات الأمنية المباشرة في العراق وإعادة ترتيب أولويات الانتشار والنفوذ، خصوصاً في ظل تصاعد المواجهة مع إيران، وقد تنتقل واشنطن بالقرار من الشراكة العسكرية المباشرة إلى أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي والاستخباري، مع تقليل الدعم للقوات المحلية.
ويضيف الباحث أن السيناريو الأخطر هو أن يتزامن الانسحاب الأميركي مع ضعف التنسيق بين بغداد وأربيل، لأن أي خلاف أمني أو سياسي بين الطرفين قد يتحول إلى نقطة ضعف تستفيد منها القوى الإقليمية، أما السيناريو الأكثر واقعية، فهو أن نشهد انسحاباً عسكرياً أميركياً تدرجياً، يقابله استمرار التعاون الأمني والاستخباري والسياسي بصيغة جديدة، أي إن الوجود الأميركي تتغير صورته أكثر مما ينتهي تأثيره.






































