اخبار قطر
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ١٥ أذار ٢٠٢٦
عبدالله جابر - الخليج أونلاين
تجازف إيران باستمرار العدوان على دول الخليج، نظراً لما تمثله من أهمية حيوية كبرى للاقتصاد الإيراني.
في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يطرح مراقبون سؤالاً بالغ الأهمية: لماذا تخاطر إيران باستهداف دول الخليج رغم ما تمثله من شريان اقتصادي رئيسي لها؟
فرغم العقوبات الدولية المشددة، لم تنقطع العلاقات الاقتصادية بين طهران ودول الخليج، حتى باتت تمثل أحد أبرز منافذ الاقتصاد الإيراني إلى العالم، سواء عبر التجارة المباشرة أو إعادة التصدير، إضافة إلى وجود جاليات إيرانية كبيرة واستثمارات متبادلة في قطاعات عدة.
لكن العدوان الإيراني على دول مجلس التعاون قد يدفعها إلى إعادة النظر في علاقاتها الاقتصادية مع طهران، بما يشمل فرض قيود تجارية أو استثمارية.
وفي ظل الحرب الدائرة حالياً، تعود مسألة الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الطرفين إلى الواجهة، حيث تتقاطع المصالح التجارية والمالية مع اعتبارات الأمن والسياسة في معادلة إقليمية معقدة.
تجارة حيوية
تُعد الإمارات العربية المتحدة الشريك الاقتصادي الأكبر لإيران في الخليج، بل وأحد أهم شركائها التجاريين على مستوى العالم، حيث تشير بيانات مصلحة الجمارك الإيرانية 'IRICA' إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 29.1 مليار دولار في 2025، ما يمثل نحو 23% من إجمالي تجارة إيران الخارجية.
وتكشف الأرقام أن الصادرات الإيرانية إلى الإمارات بلغت نحو 7.2 مليارات دولار، بينما تجاوزت الواردات الإيرانية من الإمارات 21.9 مليار دولار، ما يجعل الإمارات المصدر الأول للواردات غير النفطية إلى إيران.
كما لعبت موانئ دبي، وخاصة ميناء جبل علي، دوراً محورياً في إعادة تصدير السلع إلى السوق الإيرانية خلال سنوات العقوبات.
وإلى جانب الإمارات، تمتلك إيران علاقات اقتصادية متنامية مع عدد من دول الخليج الأخرى، ففي سلطنة عُمان بلغ حجم التبادل التجاري نحو 2.4 مليار دولار، مع نمو ملحوظ في السنوات الأخيرة.
وتشير بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في عُمان إلى أن الصادرات الإيرانية إلى السلطنة بلغت نحو 500 مليون دولار خلال عشرة أشهر فقط من عام 2025.
أما مع قطر، فتشير التقديرات إلى أن قيمة التبادل التجاري بلغ في الأشهر التسعة الأولى من العام 2024، قرابة 265 مليون دولار، مع زيادة ملحوظة في الصادرات الإيرانية إلى السوق القطرية، خصوصاً في المنتجات الغذائية ومواد البناء.
وفي الكويت، سجّل التبادل التجاري نحو 285 مليون دولار، خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام 2025، بزيادة بلغت 4.7%، عن الفترة نفسها من العام 2024، بحسب بيانات الإدارة العامة للإحصاء الكويتية.
كما شهدت العلاقات التجارية بين إيران والسعودية مؤشرات انتعاش بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إذ بلغت قيمة التبادل التجاري نحو 25 مليون دولار مع تسجيل نسبة نمو كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة، وهي في طريقها للزيادة بفضل الاتفاقيات والتقارب الأخير.
مصالح متشابكة
ولا تقتصر أهمية الخليج بالنسبة لإيران على التبادل التجاري، بل تشمل أيضاً الاستثمارات والتحويلات المالية والبنية اللوجستية، فالموانئ الخليجية، خصوصاً في الإمارات وعُمان، تمثل منفذاً رئيسياً للسلع الإيرانية إلى الأسواق العالمية.
كما تستضيف دول الخليج عدداً كبيراً من رجال الأعمال الإيرانيين، الذين يديرون شبكات تجارية واسعة تمتد بين طهران والأسواق الآسيوية والأوروبية، وتُقدَّر الاستثمارات الإيرانية في الإمارات وحدها بمليارات الدولارات، تشمل قطاعات العقارات والتجارة والخدمات.
وتشير التقارير إلى أن قرابة 500 ألف إيراني يعملون في دول مجلس التعاون الخليجي، غالبيتهم في دولة الإمارات العربية المتحدة.
كما تستفيد إيران من اتفاقيات ومذكرات تفاهم اقتصادية مع بعض دول الخليج، خاصة عُمان وقطر، في مجالات النقل البحري والتجارة والاستثمار والطاقة، وتُعد هذه الاتفاقيات جزءاً من استراتيجية إيرانية أوسع لتخفيف آثار العقوبات الغربية عبر تعزيز التعاون مع الجوار الإقليمي.
كما أن حركة الملاحة والتجارة في الخليج العربي تمثل ركيزة حيوية للاقتصاد الإيراني، حيث تعتمد طهران على هذه الممرات لنقل جزء كبير من تجارتها الخارجية.
تداعيات العدوان
يحمل استمرار العدوان الإيراني على دول الخليج مخاطر اقتصادية على طهران نفسها، إذ قد يدفع هذه الدول إلى فرض قيود تجارية وتقليص التعاون الاقتصادي، ما يضيق أحد أهم منافذ الاقتصاد الإيراني إلى العالم.
كما أن أي توتر طويل الأمد في الخليج قد يعرقل حركة التجارة البحرية ويؤثر في صادرات وواردات إيران، إضافة إلى احتمال تقييد نشاط رجال الأعمال الإيرانيين وتراجع الاستثمارات، وهو ما قد يضغط على اقتصادها في ظل تداعيات الحرب والعقوبات الدولية.
وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي نمر أبو كف إن 'استهداف إيران لدول الخليج يمثل مجازفة اقتصادية كبيرة لها، بالنظر إلى حجم المصالح الاقتصادية والتجارية العميقة التي تربطها بهذه الدول، والتي شكلت على مدى سنوات طويلة أحد أهم منافذها الاقتصادية في ظل العقوبات الدولية'.
وأضاف لـ'الخليج أونلاين':
- العلاقات الاقتصادية بين إيران ودول الخليج ليست طارئة، بل تشكلت عبر عقود طويلة من جراء التداخل الجغرافي والديمغرافي والتجاري.
- وجود جاليات إيرانية كبيرة في بعض دول الخليج، إضافة إلى استثمارات وتجارات متبادلة، لعبت دوراً مهماً في دعم الاقتصاد الإيراني، خصوصاً خلال فترة العقوبات.
- الإمارات تحديداً مثلت، لسنوات، شرياناً اقتصادياً حيوياً لإيران، حيث وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين في بعض السنوات إلى مستويات قياسية.
- هذا الأمر جعل دول الخليج بمنزلة 'الرئة الاقتصادية' التي تتنفس منها طهران، في أوقات الضغوط الاقتصادية الدولية.
- الحرب الحالية تمثل نقطة تحول في طبيعة العلاقات الخليجية الإيرانية، إذ إن عدوان إيران عليها أثار غضباً واسعاً، رغم أن دول مجلس التعاون لم تنخرط في الحرب.
- إيران قد تلجأ إلى استهداف دول الخليج باعتبارها مراكز حيوية للطاقة العالمية، ومواقع استراتيجية للمصالح الأمريكية.
- أكثر من 20% من إمدادات الطاقة العالمية تمر عبر منطقة الخليج، ما يجعل أي اضطراب فيها مؤثراً مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط.
- استمرار التصعيد العسكري قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية واسعة في المنطقة، ومن ضمن ذلك اضطراب سلاسل الإمداد وإغلاق الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، وهو ما قد ينعكس سلباً على الصادرات النفطية وحركة التجارة الدولية.
- الحرب قد تدفع المنطقة نحو ما يشبه 'اقتصاد الحرب'، حيث ستضطر الدول إلى توجيه جزء أكبر من مواردها للتعامل مع التداعيات الأمنية والاقتصادية، ما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وزيادة تكاليف التأمين والنقل وهروب بعض الاستثمارات.
- استمرار التصعيد سيؤدي إلى خسائر متبادلة بين إيران ودول الخليج، والمجازفة الإيرانية باستهدافها قد تعيد رسم معادلات العلاقات الاقتصادية في المنطقة خلال المرحلة المقبلة.























