اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٨ حزيران ٢٠٢٦
مظاهر محدودة مثل السب والشتم بين مناصري المرشحين قد تصل إلى الضرب والجرح وتخريب ممتلكات إضافة إلى العنف ضد النساء المرشحات
صنف تقرير 'الهشاشة الانتخابية 2026/2027' الصادر عن مؤسسة 'كوفي عنان' المغرب ضمن لائحة الدول ذات نسبة متوسطة من مستوى الهشاشة الانتخابية، إذ أشار إلى أن الاحتمالية الإجمالية لحدوث عنف أو اضطرابات في الانتخابات تبلغ 91.2 في المئة، وأن الجزء الأهم من الأخطار في المغرب مرتبط بمستوى متوسط أو محدود من العنف بنسبة 86.1 في المئة، وأن احتمال وقوع عنف شديد لا تتعدى نسبته 5.1 في المئة.
تشهد الانتخابات في المغرب مظاهر عنف محدودة مثل السب والشتم بين مناصري المرشحين، قد تصل إلى الضرب والجرح وتخريب ممتلكات، إضافة إلى العنف ضد النساء المرشحات من طرف بعض المتشددين، مما يطرح التساؤل حول مدى تأثير مظاهر العنف تلك في مسار الانتخابات في المغرب؟
يوضح رئيس المرصد المغربي للمشاركة السياسية، جواد الشفدي، أن النسبة المتوسطة لاحتمال حدوث أخطار انتخابية، مردها وضعية تجمع بين عناصر الاستقرار وبعض التحديات التي ترافق مختلف الديمقراطيات الانتخابية، مشيراً إلى أن المملكة راكمت تجربة مهمة في تدبير الاستحقاقات الانتخابية، مستندة في ذلك إلى مؤسسات دستورية وآليات قانونية أسهمت في الحفاظ على الاستقرار السياسي وتدبير التنافس الحزبي في إطار سلمي.
وفي المقابل، تظل بعض العوامل، مثل تراجع الثقة في العمل السياسي وضعف المشاركة الانتخابية وانتشار الأخبار المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من بين التحديات التي تستدعي مزيداً من اليقظة، غير أن المعطيات الواردة في التقرير تشير إلى كون الأخطار المحتملة ترتبط أساساً بأشكال محدودة أو متوسطة من التوتر الانتخابي، وليس بالعنف الخطر، على حد تعبيره.
يشهد المغرب عامة مظاهر عنف متفاوتة نتيجة الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد، وتشكل الانتخابات في بعض الأحيان منصة للتعبير عن حجم خيبة الأمل لدى بعض المواطنين، لكون الجدوى المفترض من مخرجاتها هو المساهمة في التقليل من حجم تلك الإكراهات. في تحليله للجانب السوسيولوجي للعنف الانتخابي في المغرب، يوضح الباحث في علم النفس الاجتماعي، محمد حبيب، أن البحث في مجال العنف الانتخابي في المغرب لا ينبغي أن ينطلق من افتراض وجود عنف ظاهر فقط، بل من محاولة فهم الشروط النفسية والاجتماعية والسياسية التي قد تجعل الانتخابات مناسبة للتعبير عن أشكال مختلفة من العنف، سواء كانت مادية أو رمزية أو رقمية، ومن ثم فإنه من منظور علم النفس الاجتماعي لا يمكن القول إن المجتمع المغربي يعيش حال عنف انتخابي مزمن أو بنيوي بالمعنى الذي تعرفه بعض الدول التي تشهد مواجهات دامية أو صراعات مسلحة مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية، لكن في المقابل لا يمكن إنكار وجود توترات كامنة داخل المجتمع تنتج من عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية عدة، وقد تجد في بعض المحطات الانتخابية فرصة للظهور والتعبير عن نفسها.
ويضيف الباحث 'تساعدنا هنا نظرية الإحباط / العدوان التي طورها جون دولارد وزملاؤه، ثم أعاد صياغتها ليونارد بيركوفيتز، حيث تفترض أن الأفراد والجماعات عندما يشعرون بأن أهدافهم أو تطلعاتهم معرقلة، تتولد لديهم حال من الإحباط قد تتحول في ظروف معينة إلى سلوك عدواني'، موضحاً أنه إذا نظرنا إلى السياق المغربي نجد أن جزءاً من المواطنين يعيشون ضغوطاً مرتبطة بالبطالة أو الهشاشة الاقتصادية أو صعوبة الارتقاء الاجتماعي أو ضعف الثقة في المؤسسات. هذه المشاعر لا تتحول تلقائياً إلى عنف، لكنها قد تخلق استعداداً نفسياً للاحتجاج أو العدوان اللفظي أو رفض الآخر عندما تتوفر ظروف محفزة لذلك، تمثل الانتخابات إحدى تلك اللحظات المحفزة لأنها لا تتعلق فقط باختيار ممثلين سياسيين، بل ترتبط أيضاً بإعادة توزيع المكانة الاجتماعية والرمزية داخل المجتمع المحلي، ففي كثير من الجماعات والدوائر الانتخابية لا ينظر إلى الانتخابات باعتبارها منافسة بين برامج وسياسات عمومية فقط، بل منافسة على النفوذ والوجاهة والسلطة المحلية، وهنا تصبح الخسارة الانتخابية بالنسبة إلى البعض خسارة للمكانة الاجتماعية والاعتبار الرمزي، وهو ما قد يفسر ظهور بعض أشكال التوتر أو العنف.
من جانبه، يؤكد رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، إدريس السدراوي، أن الانتخابات ليست سبباً مباشراً للعنف بالمغرب، لكنها قد تتحول إلى مناسبة تكشف بعض أشكال الاحتقان الاجتماعي والسياسي الموجودة مسبقاً، موضحاً أنه عندما تتداخل المنافسة السياسية مع الفقر أو التهميش أو الاستقطاب الحاد، قد تظهر سلوكيات عنيفة أو عدوانية. ويلفت الناشط الحقوقي إلى أنه 'من خلال تتبع الانتخابات السابقة، نلاحظ أن بعض مظاهر العنف الانتخابي تظهر بصورة أكبر في بعض المناطق القروية مقارنة بالمجال الحضري، وذلك بسبب استمرار تأثير بعض البنيات التقليدية القائمة على الانتماءات القبلية والعائلية والعصبيات المحلية'.
لم تعد مظاهر العنف في المغرب مقتصرة على الجانب الجسدي أو اللفظي، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي الذي أصبح منصة أساسية لإشاعة الأخبار المضللة وتشويه سمعة الأشخاص لأغراض انتخابية. يوضح المتخصص في علم النفس الاجتماعي محمد حبيب أن العنف الانتخابي لا يقتصر على الاعتداءات الجسدية، بل يشمل أيضاً ما سماه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو 'العنف الرمزي'، باعتباره يمارس عبر اللغة والتمثلات والصور النمطية والإشاعات والتشويه. وفي الواقع المغربي نجد أن هذا الشكل من العنف هو الأكثر حضوراً مقارنة بالعنف الجسدي، فحملات التشهير والإشاعات والطعن في السمعة والتشكيك في النوايا والكفاءة أصبحت أحياناً جزءاً من المنافسة الانتخابية، خصوصاً مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي.
على رغم إقرار الدستور المغربي مبدأ المساواة بين الجنسين في جميع الحقوق، وذلك في أفق تحقيق مبدأ المناصفة، فإن تطبيق هذين المبدئين يظل محدوداً ميدانياً، وبالخصوص في المجال الانتخابي، بالنظر إلى وجود تيارات فكرية معادية لتولي المرأة مناصب تدبيرية أو لتوجهات حزبية. يشير الناشط الحقوقي إدريس السدراوي إلى استمرار وجود بعض العقليات التقليدية التي ترى أن القيادة وتدبير الشأن العام مجال ذكوري، على رغم أن الدستور المغربي يقر مبدأ المساواة، وعلى رغم التطور الذي عرفته مشاركة المرأة في الحياة السياسية والمؤسساتية، فإننا نشهد أحياناً تعرض بعض النساء المرشحات للتشهير، أو التنقيص من حجم كفاءتهن، أو التركيز على حياتهن الشخصية بدل مناقشة برامجهن الانتخابية، وهو شكل من أشكال التمييز المرفوض حقوقياً وقانونياً.
وبحسب الناشط السياسي، فإن الأمر لا يقتصر على بعض التمثلات المجتمعية المحافظة، بل إن هذه العقلية توجد أحياناً حتى داخل بعض الأحزاب السياسية نفسها، إذ لا تزال نسبة النساء اللواتي يوضعن على رأس اللوائح الانتخابية أو يجري ترشيحهن في دوائر انتخابية معينة محدودة مقارنة بالرجال، إذ لا تزال بعض الأحزاب تتعامل مع مبدأ المناصفة والتمثيلية النسائية باعتباره التزاماً قانونياً أكثر منه قناعة سياسية وثقافية راسخة. وأوضح أن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بضمان ترشح النساء، بل بتمكينهن من فرص متكافئة للوصول إلى مواقع القرار والقيادة السياسية، وأن الديمقراطية الحقيقية لا تقاس فقط بعدد النساء داخل المؤسسات المنتخبة، وإنما أيضاً بمدى حضورهن في مواقع المسؤولية والتأثير وصنع القرار.
يقلل مراقبون من مدى التأثير المباشر للعنف في نتائج الانتخابات، مشيرين إلى وجود عوامل محدودة قد تسهم في الميل لصالح مرشح أو حزب معين. وفي هذا الشأن، يؤكد محمد حبيب أن العنف لا يؤدي بالضرورة إلى فوز حزب أو هزيمة آخر بصورة مباشرة، لكن تأثيره يظهر عبر آليات نفسية واجتماعية عدة، فنظرية 'دوامة الصمت' التي طورتها إليزابيث نويل نيومان تفترض أن الأفراد قد يترددون في التعبير عن آرائهم إذا شعروا بأن المناخ العام معادٍ لهم، أو أن رأيهم غير مقبول اجتماعياً، فإذا ساد خطاب عدائي أو تخويني أو تهديدي خلال الحملة الانتخابية، فقد يختار بعض الناخبين الانسحاب من النقاش العام أو حتى الامتناع عن التصويت، كذلك فإن المناخ المتوتر قد يؤدي إلى تراجع الثقة في العملية الانتخابية نفسها، وهنا لا يكون التأثير في اختيار الحزب فقط، بل في نسبة المشاركة السياسية برمتها، فالعزوف الانتخابي قد يكون في بعض الأحيان نتيجة مباشرة للشعور بأن السياسة مجال للصراع والعداء أكثر مما هي مجال للتنافس الديمقراطي.
ويضيف الباحث في علم النفس الاجتماعي أنه 'في المقابل، تشير بعض الدراسات إلى ما يعرف بـتأثير الضحية، إذ قد يتحول المرشح أو الحزب المستهدف بحملات عنيفة أو تشهيرية إلى محط تعاطف شعبي، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على نتائجه الانتخابية، لذلك فالعلاقة بين العنف الانتخابي والنتائج ليست ثابتة'. وأعلن أن الرهان الأكبر الذي يواجه المغرب خلال الاستحقاقات المقبلة لا يتعلق بالعنف المادي التقليدي بقدر ما يتعلق بإدارة الاستقطاب الاجتماعي والرقمي، فالمجتمعات الحديثة لم تعد تخشى فقط المواجهات في الشارع، بل أصبحت تواجه تحديات أكثر تعقيداً مرتبطة بالتضليل الإعلامي وفقاعات الرأي وخطابات الكراهية والتلاعب بالمعلومات والتعبئة الانفعالية عبر المنصات الرقمية.



































