اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٥ أيلول ٢٠٢٦
لم يعد الأمر قاصراً على شراء أصوات الناخبين إذ دخلت الأحزاب على خط بيع 'التزكيات'
فجرت عضوة بحزب 'الاتحاد الاشتراكي' المغربي قضية بيع الحزب للتزكيات مقابل مبالغ مالية ضخمة، متهمة قيادة الحزب باعتماد الجانب المادي على حساب مبدأ الكفاءة في عملية اختيار مرشحيه للانتخابات التشريعية المقبلة، حيث يصل سقف ثمن التزكية بخصوص اللائحة الجهوية المخصصة للنساء إلى نحو 1.6 مليون درهم (نحو 160 ألف دولار).
لا تنحصر 'سوق' بيع التزكيات على ذلك الحزب، بل هي ظاهرة متفشية في جل الأحزاب المغربية منذ عقود، لكنها المرة الأولى التي يتم الكشف عنها من داخل تلك المؤسسات، من ناحية أخرى، تتواصل ظاهرة بيع الأصوات، حيث يعرض عديد من المواطنين أصواتهم للبيع في 'سوق الانتخابات'، نتج عن هذين المعطيين تراجع الاهتمام الشعبي بالعمل السياسي، في ظل احتكاره من طرف الطبقة البرجوازية.
دفع واقع الاتجار بالتزكيات في حزب 'الاتحاد الاشتراكي' ببعض عضواته إلى الاستقالة، اعتراضاً على اعتماده للاعتبار المادي على حساب الكفاءة في اختيار مرشحيه، كانت أولاهن عضوة المجلس الوطني السابقة بالحزب، مريم جمال الإدريسي، التي قالت في حديثها لـ'اندبندنت عربية'، 'لا أقدم أحكاماً جاهزة، ولا أتهم جميع المناضلين أو جميع الأحزاب بالفساد، ولا أملك معطيات تسمح لي بتعميم ما عاينته على المجال الحزبي برمته'.
وتابعت المسؤولة الحزبية السابقة 'ما كشفته يتعلق بوقائع محددة عشتها شخصياً داخل لجنة البت في اختيار وكيلة اللائحة الجهوية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بجهة الدار البيضاء–سطات'، مشيرة إلى أن الأمر لم يكن مجرد سؤال عابر صدر عن شخص بمبادرة فردية، بل كان معيار المساهمة المالية جزءاً من مسطرة موحدة، وطلب من المرشحات تحديد مبلغ مالي وكتابته في ورقة موقعة، على أن يحتفظ بها إلى حين المداولات'.
وأوضحت الإدريسي أن رئيس لجنة البت نفسه، أكد في بيانه، وجود هذا الإجراء، كما دافع مطولاً عن جعل المساهمة المالية معياراً للمفاضلة، وهذا ينقل المسألة، من تصرف فردي محتمل إلى آلية منظمة تمت ممارستها داخل لجنة أُسندت إليها سلطة اختيار وكيلة اللائحة، على حد تعبيرها.
في ظل الغموض الذي يحيط بطريقة تدبير الأحزاب لميزانياتها التي يشكل جانب منها دعماً من الدولة، إضافة إلى مساهمات منتسبيه، وتضاف إليها عائدات التزكيات، ويشير الخبير في مجال حماية المال العام، سمير بوزيد، إلى دراسة أكاديمية حديثة (2025) تستند إلى 12 تقريراً للمجلس الأعلى للحسابات، تكشف أن أكثر من 70 في المئة من نفقات الأحزاب تذهب للمصاريف الإدارية (أجور وإيجار وكهرباء ولوازم)، مقابل 20-25 في المئة فقط للأنشطة السياسية، وأقل من خمسة في المئة للتكوين وتأهيل الأعضاء، أي إن الأحزاب تنفق أموال المواطنين على بيروقراطيتها لا على التعبئة السياسية.
وأوضح بوزيد أنه في سنة 2021 مثلاً، تراجع عدد الأحزاب التي أرسلت حساباتها إلى المجلس الأعلى للحسابات في الآجال من 25 حزباً إلى 18 فقط، أي بتراجع 39 في المئة، مما يُثير التساؤل حول العلاقة بين الاستحقاقات الانتخابية وضعف المحاسبة، مضيفاً أن الإطار القانوني لم يمنع هذه الممارسات، حيث رفع في 2016 سقف النفقات الانتخابية إلى 500 ألف درهم (نحو 50 ألف دولار) للمرشح الواحد، وفي ظل ضعف الدعم العمومي للأحزاب، يُصبح الحزب مضطراً إلى الاعتماد على التمويل الذاتي للمرشحين الأثرياء، وهكذا، يُزيح المال الكفاءة، ويُصبح البرلمان مجلساً للمال بدلاً من أن يكون مجلساً للشعب.
ويذكر الخبير المغربي أن المجلس الأعلى للحسابات كشف في تقريره لسنة 2013 أن 14 حزباً من أصل 35 امتنع عن إنتاج أي حساب مالي، وفي 2023، سجل أن 15 حزباً لم تعد إلى الخزينة العامة 21.96 مليون درهم (ما يفوق مليوني دولار) من تمويل الحملات الانتخابية، وأن ستة أحزاب لم تُرفق نفقات إيجار بوثائق مؤيدة، مؤكداً أن غياب المحاسبة ليس ثغرة، بل هو غطاء يُسهل التلاعب بالموارد ويُخفي مصادر التمويل الخاصة التي تُستخدم في شراء التزكيات.
أضحى استخدام المال في الانتخابات أمراً بنيوياً بالمغرب، وذلك بحسب تقارير ميدانية أكدت أن الأمر لا ينحصر على بيع الأحزاب للتزكيات، وبيع المواطنين للأصوات، بل يضم كذلك استغلال تلك الأحزاب لوضعية الفقر التي يعيشها جانب مهم من الناخبين، وذلك عبر التأثير عليهم بالإعانات العينية، وهو ما يطلق عليه محلياً بـ'القفة الانتخابية' التي توزع من خلالها بعض المواد الاستهلاكية وخصوصاً في شهر رمضان.
ويرى الخبير في مجال حماية المال العام، سمير بوزيد، أن حديث النسيج الجمعوي لرصد الانتخابات عن 'استعمال المال من أجل عدم الترشيح أو سحبه أو تغيير الدائرة' في تقريره حول استحقاقات 2007، لم يكن مجرد ملاحظة عابرة، بل كان أول إقرار مؤسسي بأن المال في المغرب ليس أداة للحملة الانتخابية فحسب، بل بوابة الولوج إلى الحياة الحزبية ذاتها، فبينما كان النسيج يُدشن تجربة الملاحظة غير الحزبية بـ3.210 ملاحظين متطوعين موزعين على 16 جهة، كان يضع يده على جرح لم يُعالج حتى اليوم، مرتبط بتحول التزكيات الحزبية إلى سلعة تُباع وتُشترى، حيث تُصبح القدرة المادية هي المعيار الأول للاختيار، لا الكفاءة ولا البرنامج.
ويخلص الخبير المغربي، إلى أنه بمراجعة تقارير المجلس الوطني لحقوق الإنسان، نجد أن انتخابات 2007 سجلت 'ضغوطاً واسعة على الناخبين باستعمال المال والمواد العينية والوعود'، ولم يكن تقرير المجلس لعام 2011 أقل قسوة، إذ لاحظ 'ارتباطاً قوياً بين الهشاشة الانتخابية والهشاشة الاجتماعية والاقتصادية'، ووثق توزيع هبات وإعانات نقدية بهدف التأثير على التصويت، معرباً عن استغرابه (المجلس) إزاء تبادل الاتهامات بين أربعة أحزاب بشأن استخدام المال، متسائلاً هل يُعقل أن تتهم أربعة أحزاب بعضها بعضاً بالفساد، ثم لا يحدث شيء؟
هذا التبادل للاتهامات يعكس، وفق منطق التقارير، أن الظاهرة ليست محصورة في حزب بعينه، وتأسيساً على ذلك، بحسب الخبير، فإن هذه الظاهرة، وفق ما تُظهره الأرقام الرسمية، ليست حالة استثنائية في حزب بعينه، بل بنية تُسهّل نفوذ المال على حساب الكفاءة، ففي انتخابات 2016، وثق المجلس الوطني 37 حالة لاستخدام الهبات والتبرعات للتأثير على التصويت، منها 22 حالة نقدية تتراوح بين 300 و500 درهم ( بين 30 و50 دولاراً)، وفي 2021، سجل 49 حالة، إضافة إلى توزيع مساعدات خلال فترة الحجر الصحي، وهو ما يُعد استغلالاً أخلاقياً للجائحة لأغراض انتخابية.
أسهمت الخطايا المالية للانتخابات في استحواذ طبقة الأعيان على المشهد السياسي المغربي، حيث كرست بصورة كبيرة ترجيح عامل المكانة الاجتماعية على الكفاءة، وبالتالي برز جانب من السياسيين والبرلمانيين الذين يفتقرون لخبرة في المجال السياسي، ومنهم أميون لا يستطيعون صياغة سؤال لطرحه أمام البرلمان، وهناك من عمر لعقود داخل المجلس التشريعي، وبحسب إحصاءات برلمانية لم يطرح 73 نائباً أي سؤال شفوي خلال الولاية التشريعية الحالية التي انطلقت عام 2021.
توضح القيادية في حزب 'الاتحاد الاشتراكي'، منال التقال، أن الخطر لا يكمن في امتلاك المرشح للمال في حد ذاته، لأن الوضع المادي ليس عيباً ولا يجب أن يكون سبباً للإقصاء، وإنما الإشكال يبدأ حين تصبح القدرة المالية معياراً مرجحاً على حساب الكفاءة والنزاهة والتجربة وكذلك الحضور الميداني والإشعاع والقدرة على تمثيل المواطنين، فالمرشح الميسور يمكن أن يكون كفؤاً ونزيهاً، كما أن المرشح محدود الإمكانيات قد يكون قادراً على تقديم إضافة حقيقية، ولذلك لا ينبغي اختزال التقييم في الوضع المالي، لا سلباً ولا إيجاباً.
وترى التقال أن الإشكال يظهر عندما تتحول الإمكانيات المالية إلى وسيلة للنفوذ داخل الحزب، أو إلى شرط غير معلن للترشح، أو إلى وسيلة لفرض أسماء معينة على القواعد والمناضلين، وفي هذه الحالة، لا يعود المال مجرد عنصر مساعد في تدبير الحملة، بل يصبح عاملاً يحدد من يترشح ومن يقصى، وهو ما يضر بمبدأ تكافؤ الفرص ويضعف التنافس السياسي السليم.
وتخلص الناشطة السياسية إلى أن الأحزاب يفترض أن تكون فضاءات لإنتاج النخب وتأهيلها، ولذلك فإن أي اختلال في معايير الاختيار تكون له انعكاسات مباشرة على جودة التمثيل السياسي وعلى ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، فإذا شعر المواطن بأن الترشح متاح أساساً لمن يملك المال أو النفوذ، فسيتراجع إيمانه بجدوى المشاركة السياسية، وقد ينظر إلى الانتخابات باعتبارها مجالاً مغلقاً أمام الكفاءات والشباب والنساء وذوي الإمكانيات المحدودة.
من جانبها، توضح مريم جمال الإدريسي أن تغليب الوضع المالي على الكفاءة يفقِر المجال السياسي مرتين، أولاً، بإقصاء الكفاءات غير الميسورة، وثانياً، بتحويل العمل السياسي من التزام عام إلى استثمار مالي ينتظر صاحبه استرجاعه بعد الوصول إلى المؤسسات، وحين يدفع المرشح مبالغ كبيرة من أجل الحصول على موقع متقدم، يصبح السؤال المشروع، هل سيدخل المؤسسة لخدمة المواطنين؟ أم لتعويض ما أنفقه ولحماية مصالحه؟ وهنا تبدأ دائرة خطرة تفسد التمثيل السياسي وتضرب ثقة المواطنين في الانتخابات.
من مجموع 25.2 مليون مواطن في سن التصويت، ينقسم الناخبون بالمغرب إلى ثلاثة أصناف، الفئة الصامتة التي تبلغ 16.4 مليون مواطن، وفئة تصوت في إطار نزيه، وأخرى تعرض صوتها للبيع مقابل 200 درهم (نحو 20 دولاراً)، وذلك من مجموع الكتلة المصوتة التي لا تتجاوز 8.8 مليون شخص، وتزيد ظاهرة بيع الأصوات الانتخابية من تكريس تحكم المال في المجال السياسي.
وتؤكد الإدريسي، أنه لا يمكن بناء انتخابات نزيهة بمنطق أخلاقي مزدوج، تحريم بيع المواطن لصوته بـ200 درهم، وغض الطرف عن ربط التزكية بالقدرة على تقديم مئات الآلاف أو الملايين، مشيرة إلى أن بيع الصوت وشراء التزكية ليسا متطابقين من الناحية القانونية، ولكل واقعة أركانها وإثباتاتها، لكنهما يلتقيان سياسياً وأخلاقياً في تحويل الحق السياسي إلى سلعة، فإذا شعر المواطن بأن المال هو الذي يحدد من يحصل على التزكية، فمن الصعب إقناعه بأن اختياره الانتخابي يجب أن تحكمه المبادئ وحده، إن فساد البداية ينعكس بالضرورة على بقية العملية، من يشتري طريقه إلى الترشيح قد يبحث لاحقاً عن شراء الأصوات، ومن ينفق مبالغ ضخمة للوصول قد يتعامل مع المنصب باعتباره استثماراً لا مسؤولية عامة.



































