اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
نقاش آليات التحقق من ملفات المرشحين بعد طرح أسئلة بشأن الأساس الدستوري لهذا الإجراء والجهات المخولة بالمبادرة به والمعايير التي تحكم توقيته وأسبابه
أعاد الإعفاء السريع للوزيرة المنتدبة ماديحة خيير، بعد نحو يومين من تعيينها ضمن التشكيلة الحكومية الجديدة، إلى واجهة النقاش السياسي في المغرب موضوع إعفاء الوزراء، الذي تتداخل في تفسيره عوامل دستورية وتدبيرية وسياسية، تتراوح بين الاختلالات المسجلة في تنفيذ المشاريع العمومية، وتعارض المسؤوليات، وظهور معطيات تثير تساؤلات بشأن شروط تولي المسؤولية الحكومية.
وتعيد حالات إعفاء وزراء مغاربة خلال الولايات الحكومية المتعاقبة طرح أسئلة بشأن الأساس الدستوري لهذا الإجراء، والجهات المخولة بالمبادرة به، والمعايير التي تحكم توقيته وأسبابه. وبين المبررات الرسمية والتفسيرات السياسية، يبرز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب أسباب الحفاظ على مصداقية المؤسسات وضمان حسن سير المرافق العمومية.
أعفى الملك محمد السادس ماديحة خيير من مهامها وزيرة منتدبة لدى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، وذلك بعد موافقته على طلب تقدمت به رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، طبقاً لمقتضيات الفصل 47 من الدستور.
من جهته، أفاد سمير بلفقيه، الناطق الرسمي باسم الحكومة، بأن التعاطي الاستعجالي مع المعطيات التي رافقت تعيين الوزيرة يندرج في إطار تحمل الحكومة مسؤوليتها السياسية والمؤسساتية، والحرص على استكمال مسار تشكيلها الدستوري في ظروف ملائمة.
وأوضح بلفقيه في بلاغ توضيحي صدر، أمس الإثنين، أن الحكومة تابعت موضوع تعيين خيير في ظل تداول معطيات قضائية وطبية ذات طابع شخصي، مشيراً إلى أن التعامل مع الملف استند إلى تقدير سياسي ومؤسساتي مشترك بين مكونات الأغلبية الحكومية.
وإذا كان إعفاء خيير قد جاء في سياق تداول أخبار ومعطيات تتعلق بوقائع ذات طابع قضائي وقانوني وطبي، تعود إلى أعوام سابقة، فإن حالات أخرى شهدها المغرب ارتبطت باختلالات في التدبير الحكومي أو بتعثر مشاريع عمومية.
ففي أغسطس (آب) 2018، أعفي محمد بوسعيد من مهامه وزيراً للاقتصاد والمالية، بموجب قرار ملكي استند إلى الفصل 47 من الدستور، في سياق تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفق ما أورده بلاغ الديوان الملكي آنذاك.
وقبل ذلك، وتحديداً في أكتوبر 2017، شهد المغرب ما عُرف إعلامياً بـ'الزلزال السياسي'، على خلفية الاختلالات والتأخر في تنفيذ مشاريع برنامج 'الحسيمة منارة المتوسط'.
وشملت القرارات إعفاء أربعة مسؤولين حكوميين، هم: محمد حصاد، الذي كان يشغل منصب وزير التربية الوطنية بعد توليه وزارة الداخلية، ومحمد نبيل بنعبد الله، وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، والحسين الوردي، وزير الصحة، والعربي بن الشيخ، كاتب الدولة المكلف بالتكوين المهني، كذلك تقرر عدم إسناد أي مسؤوليات مستقبلية إلى عدد من الوزراء السابقين.
وجاءت هذه القرارات عقب تقييم تنفيذ المشاريع المبرمجة في إطار 'الحسيمة منارة المتوسط'، بعدما كشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات عن اختلالات وتأخر في إنجاز عدد من المشاريع الملتزم بها. وارتبطت هذه التطورات بسياق اجتماعي وسياسي اتسم باحتجاجات 'حراك الريف'، التي تصاعدت على خلفية مطالب اجتماعية وتنموية، مما جعل تعثر المشاريع موضع مساءلة على المستوى الحكومي.
وفي أكتوبر 2016، جرى إعفاء 12 وزيراً من حكومة تصريف الأعمال، استجابة لطلبات تقدموا بها لرفع حالة التنافي عقب فوزهم بمقاعد في الانتخابات التشريعية التي جرت في السابع من أكتوبر من العام ذاته. وارتبطت هذه الخطوة بالترتيبات الدستورية والمؤسساتية التي واكبت تشكيل مجلس النواب الجديد ومشاورات تشكيل الحكومة.
أما في يناير (كانون الثاني) 2015، فقد أعفى الملك محمد السادس، محمد أوزين من مهامه وزيراً للشباب والرياضة، عقب طلب تقدم به الوزير عبر رئيس الحكومة آنذاك، عبد الإله بنكيران، إثر صدور تقرير بشأن الاختلالات التي عرفتها أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط خلال إحدى مباريات كأس العالم للأندية عام 2014.
وجاء القرار بعد تحقيق شمل الاختلالات المسجلة في الملعب، التي أثارت اهتماماً واسعاً، خصوصاً بعدما أظهرت مشاهد متداولة استخدام أدوات بدائية، من بينها 'الكراطة' والدلاء، لتصريف المياه من أرضية الملعب. وأفضى التقرير، وفق بلاغ الديوان الملكي، إلى تحديد مسؤوليات سياسية وإدارية مرتبطة بالاختلالات المسجلة، قبل أن يطلب أوزين إعفاءه من مهامه.
في قراءة قانونية وسياسية لإعفاء الوزيرة المنتدبة ماديحة خيير، أوضح أستاذ القانون الدستوري عثمان الزياني أن المرجعية الدستورية لهذا الإجراء تستند إلى الفقرة الرابعة من الفصل 47 من الدستور المغربي، التي تخول رئيس الحكومة تقديم طلب إلى الملك لإعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة، على أن يعود القرار النهائي إلى الملك.
وأشار الخبير الدستوري إلى أن هذه المسطرة تجسدت في حالة خيير عقب إعلان الديوان الملكي قبول طلب رئيسة الحكومة إعفاء الوزيرة من مهامها. ولفت إلى أن هذا المسار يختلف عن الإعفاء الذي يبادر إليه الملك من تلقاء نفسه، بعد استشارة رئيس الحكومة، كذلك يختلف عن الحالات التي يكون فيها طلب الإعفاء مبنياً على استقالة فردية أو جماعية.
وشدد الزياني على أن النص الدستوري لا يشترط، لإعمال هذه المسطرة، ثبوت ارتكاب جريمة أو تسجيل خطأ تدبيري جسيم، بل يتيح لرئيس الحكومة ممارسة سلطته التقديرية في تقييم مدى ملاءمة استمرار عضو في الفريق الحكومي في منصبه، انطلاقاً من اعتبارات سياسية ومؤسساتية.
وفصّل الباحث في هذا الصدد، موضحاً أن التقدير السياسي يرتبط بمدى تأثير استمرار الوزير في منصبه على صورة الحكومة ومصداقيتها وثقة الرأي العام، خصوصاً عندما تثار معطيات قد تكون لها انعكاسات على المؤسسة الحكومية.
وفي المقابل، أبرز الأستاذ الجامعي البعد المؤسساتي للإعفاء، ورأى أنه يرتبط بحماية السير العادي للمرفق الحكومي وصيانة مكانة المسؤولية الوزارية، بالنظر إلى أن الوزير لا يمثل شخصه فحسب، بل يشكل جزءاً من مؤسسة تقوم على مبدأ المسؤولية الجماعية.
وخلص الزياني إلى أن المعطيات المتداولة بشأن الوزيرة المعنية قد تطرح، من الناحية السياسية والمؤسساتية، تساؤلات حول مدى ملاءمة استمرارها في التشكيلة الحكومية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة ثبوت مسؤولية جنائية أو قيام مانع قانوني من تولي المنصب. كذلك أعاد هذا الملف، بحسب قراءته، طرح أسئلة بشأن الآليات المعتمدة للتحقق من ملفات المرشحين للمناصب الحكومية قبل الإعلان عن التعيينات الرسمية.
من جهته، قال الباحث السياسي محمد شقير إن إعفاء الوزراء من مهامهم يستند إلى مقتضيات الدستور، مشيراً إلى أن الفصل 47 ينص على تعيين الملك أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها، كذلك يحدد المساطر التي يمكن اعتمادها لإنهاء مهامهم.
وأفاد شقير بأن أسباب الإعفاء قد ترتبط بظهور معطيات أو ملابسات لا تنسجم مع شروط التعيين، مستحضراً حالة وزير أُعفي من مهامه بعدما تبين، وفق ما أورده، أنه يحمل الجنسية الإسبانية. وأضاف أن الإعفاء قد يكون أيضاً نتيجة تقصير في تدبير المسؤوليات التنفيذية، خصوصاً عندما تكشف عمليات التقييم والمراقبة عن اختلالات في تنفيذ المشاريع العمومية.
وفي هذا الإطار، استحضر الباحث إعفاء عدد من الوزراء على خلفية الاختلالات التي عرفها مشروع 'الحسيمة منارة المتوسط'، في سياق حراك الريف، مشيراً إلى أن تلك القرارات ارتبطت بما عُرف حينها بـ'الغضبة الملكية'، وبمساءلة المسؤولين عن تعثر المشاريع المبرمجة.
وشدد شقير على أن إعفاء الوزراء لا يخضع لتوقيت محدد، إذ قد يحدث بعد أعوام من تولي المسؤولية، كذلك يمكن أن يحصل في بداية الولاية الحكومية، تبعاً للمعطيات التي تظهر أو للتطورات التي تستدعي إعادة النظر في التشكيلة الحكومية.
واستدل على ذلك بحالة نبيلة الرميلي، التي غادرت منصب وزيرة الصحة في بداية الولاية الحكومية التي ترأسها عزيز أخنوش، بعدما أبدت رغبتها في عدم الجمع بين مسؤولية تدبير القطاع الصحي ورئاسة مجلس جماعة الدار البيضاء. وجرى آنذاك تعويضها في الوزارة، لتواصل مهامها على رأس المجلس الجماعي.
ومضى الباحث السياسي قائلاً إن الإعفاء قد يحصل في حالات أخرى، بعد وقت وجيز من الإعلان عن التشكيلة الحكومية، مستشهداً بحالة ماديحة خيير، التي أعفيت بعد تداول معطيات مرتبطة بوقائع قضائية مزعومة، فضلاً عن معطيات طبية ذات طابع شخصي. وتظل هذه المعطيات، في غياب ما يثبتها رسمياً، منسوبة إلى ما جرى تداوله، ولا يصح التعامل معها على أنها أحكام قضائية نهائية أو دليل قاطع على عدم الأهلية القانونية.
وخلص شقير إلى أن تعدد الحالات يبرز اختلاف دوافع الإعفاء من وزير إلى آخر، بين اعتبارات مرتبطة بالتدبير الحكومي، أو بظهور معطيات جديدة، أو بتعارض المسؤوليات، أو بملابسات تثار بشأن شروط تولي المنصب الوزاري.



































