اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٥ أيار ٢٠٢٦
آخرهم محمد مبديع ومراقبون: اعتقال مسؤولين كبار ارتبط في الغالب تاريخياً بظروف سياسية خاصة
ليس محمد مبديع، الوزير المغربي الأسبق الذي حُكم عليه أخيراً بالسجن لمدة 13 عاماً بتهم تبديد المال العام وارتكاب خروقات في تدبير صفقات عمومية خلال رئاسته المجلس البلدي لمدينة الفقيه بن صالح، المسؤول الحكومي الوحيد في المغرب الذي يُتابع قضائياً ويُحكم عليه بالسجن، إذ سبقه وزراء ومسؤولون كبار جربوا الاعتقال والمحاكم والسجون.
يرى محللون أن عدداً من الوزراء والمسؤولين الكبار تمت متابعتهم أو سجنهم في سياق صراعات سياسية مرتبطة بالسلطة، أو بتهم الفساد الإداري والمالي، وهذه المتابعات القضائية تندرج في إطار مبدأ 'ربط المسؤولية بالمحاسبة'، الذي ينص عليه الدستور المغربي لعام 2011.
وانتهت القصة المثيرة لمحمد مبديع، الذي سبق له أن شغل منصب وزير مكلف بالوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، وانتُخب برلمانياً لولايات متتالية، وتولى رئاسة المجلس البلدي لمدينة الفقيه بن صالح لأعوام عديدة، بالحكم عليه قبل أيام قليلة بالسجن 13 عاماً، وغرامة مالية ضخمة تقدر بـ30 مليون درهم مغربي (نحو 3 ملايين دولار أميركي).
وتوبع مبديع بتهم عدة تتمحور حول الفساد المالي والإداري واستغلال النفوذ وتبديد المال العام خلال ولايات رئاسته لبلدية الفقيه بن صالح، عقب شكوى قدمتها الجمعية المغربية لحماية المال العام، بينما ظل مبديع يتمسك ببراءته من التهم، ويستشهد 'بالأعوام الطويلة التي قضاها في خدمة الوطن من مختلف المواقع'، وفق تعبيره.
ومثل مبديع، يقبع في السجن حالياً وزير حقوق الإنسان المغربي الأسبق محمد زيان، الذي صدر في حقه حكم قضائي بثلاثة أعوام سجناً، إلى جانب أحكام أخرى إضافية، بسبب تهم تراوحت بين التحرش الجنسي وإهانة مؤسسات الدولة وتبديد أموال عمومية.
وظل ملف خالد عليوة، وهو وزير أسبق ومدير أحد أكبر البنوك في المغرب، مثيراً للسجال ومحط اهتمام الرأي العام، إذ كان قابعاً في السجن بتهم تبديد أموال عمومية خلال إدارته للبنك المذكور، بناء على تقرير للمجلس الأعلى للحسابات، لكنه استفاد من السراح الموقت لحضور جنازة والدته، ليمكث خارج أسوار السجن ولم يعد إليه في ظروف لا تزال غير مفهومة لدى الرأي العام المغربي.
أما عبدالحنين بنعلو، وهو مسؤول حكومي بارز ترأس إدارة قطاع الطيران والمطارات في المغرب، فقد توبع بعد صدور تقرير أسود من المجلس الأعلى للحسابات بتهم ارتكاب خروقات مالية وإدارية جسيمة في تسيير 'المكتب الوطني للمطارات'، لتدينه المحكمة بخمسة أعوام حبساً ويغادر السجن بعد استيفائه المدة.
في هذا الصدد يقول الباحث في الشأن السياسي محمد شقير، إن 'اعتقال وسجن مسؤولين وزاريين ومسؤولين كبار في التاريخ السياسي المغربي ارتبط في الغالب بظرفيات سياسية خاصة'، مبرزاً أن 'مقاضاة هذا المستوى من المسؤولين ظلت نادرة، خصوصاً خلال فترة حكم الملك الراحل الحسن الثاني'.
وأوضح شقير أن 'عدداً من الوزراء تمت متابعتهم أو سجنهم في سياق صراعات سياسية مرتبطة بالسلطة'، مشيراً إلى اعتقال عبدالرحيم بوعبيد، الذي كان يشغل منصب وزير سابق في حكومة عبدالله إبراهيم قبل أن يفرج عنه لاحقاً.
واستطرد الباحث قائلاً إن بوعبيد اعتُقل مجدداً عام 1981 بمدينة ميسور، إلى جانب عدد من أعضاء المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عقب انتقاده قرار الملك المتعلق بإجراء الاستفتاء حول الصحراء، وأيضاً على خلفية أحداث السادس من يونيو (حزيران) بمدينة الدار البيضاء.
ولفت شقير إلى أن مجموعة من الوزراء خضعوا بدورهم للمحاكمة بسبب تورطهم في قضية رشاوى مرتبطة بمشاريع أميركية، وصدرت في حقهم أحكام بالسجن عن طريق محكمة العدل الخاصة التي أُحدثت خصيصاً لهذا الغرض، قبل أن يفرج عنهم عقب فشل محاولة الانقلاب عام 1971 (وهي محاولة انقلاب عسكري فاشلة نفذها بعض ضباط الجيش المغربي ضد العاهل الراحل الحسن الثاني).
وأورد شقير أن حملة التطهير التي أشرف عليها وزير الداخلية الأسبق الراحل إدريس البصري أدت بدورها إلى سجن عدد من كبار مسؤولي المؤسسات العمومية، من بينهم علي عمور، المدير العام الأسبق لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، إلى جانب مقاولين، قبل أن يشملهم العفو لاحقاً.
وتبعاً للباحث ذاته، فإن من بين الحالات البارزة أيضاً قضية مولاي الزين الزاهيدي، الذي سبق أن تقلد مناصب وزارية وترأس صندوق الضمان الاجتماعي، إذ صدر في حقه حكم قضائي، غير أنه تمكن من مغادرة البلاد قبل أن يتوفى خارج المغرب.
وفي حديثه عن مرحلة حكم الملك محمد السادس، أكد شقير أن هذه الفترة تميزت بالتركيز على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، مبرزاً أنه تم خلالها اعتقال خالد عليوة، وزير التشغيل والناطق الرسمي باسم حكومة عبد الرحمن اليوسفي، قبل أن يُسمح له بمغادرة السجن بموجب رسالة ملكية لحضور جنازة والدته، ليستفيد بعد ذلك من إعادة النظر في قضيته ويبقى خارج أسوار السجن.
ومضى قائلاً إن الحكم الصادر في حق وزير الوظيفة العمومية السابق ورئيس بلدية الفقيه بن صالح بالسجن 13 عاماً يشكل انعطافة سياسية في مسار متابعة وزراء اشتغلوا في حكومات عهد الملك محمد السادس، مبرزاً أن هذه التطورات سبقتها أيضاً إدانة الوزير الأسبق محمد زيان على خلفية تصريحات اعتُبرت تشهيرية.
ويرى مراقبون أن هذه المتابعات القضائية ضد وزراء سابقين ومسؤولين كبار في المغرب تندرج بالخصوص ضمن محاولة السلطات تنزيل النص الدستوري على أرض الواقع، لا سيما الفصل الأول من الدستور المعدل لعام 2011.
وينص الفصل الأول من الدستور المغربي على أن 'يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلطات وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، ومبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة'. وتُفعل فصول دستورية أخرى هذا الفصل في ما يتعلق بتدبير الشأن العام، ومنها الفصل 154 الذي ينص على أن 'المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والعقلنة، وتخضع للمحاسبة عن تدبيرها للأموال العمومية'، والفصل 147 الذي يورد أنه 'يتولى المجلس الأعلى للحسابات تدعيم وحماية مبادئ وقواعد الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة بالنسبة إلى الدولة والمؤسسات العمومية'.
وفي السياق ذاته، تؤكد الباحثة السياسية شريفة لموير أن متابعة مسؤولين ووزراء سابقين تندرج في إطار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتباره مبدأ دستورياً أساسياً، مشددة على أن ترسيخ هذا المبدأ لا يمكن أن يستقيم من دون مثل هذه المتابعات القضائية التي يشهدها المشهد السياسي المغربي.
وأوضحت لموير أن المتابعات القضائية في حق وزراء ومسؤولين سابقين تأتي في سياق تنزيل واضح لقيم المساءلة والشفافية، معتبرة أنه 'لا يستقيم أن يتبنى المغرب شعار دولة الحق والقانون من دون أن يواكب ذلك تنزيل فعلي على أرض الواقع'.
وأضافت الباحثة ذاتها أن ثقة المواطن المغربي في المؤسسات والمسؤولين لا تزال تواجه تحديات عدة، في ظل استمرار بعض 'الشوائب' التي تؤثر سلباً على صورة المؤسسات وتضعف منسوب الثقة فيها، مما يجعل تفعيل آليات المحاسبة أمراً ضرورياً لتعزيز المصداقية وربط المسؤولية بالجزاء القانوني.
وأوردت المحللة نفسها أن 'ما يشهده المغرب اليوم من متابعات قضائية ليس بالأمر الجديد'، مشيرة إلى أن تحريك المساطر القضائية في مواجهة مسؤولين بالدولة، إلى جانب برلمانيين، قائم منذ سنوات، غير أن المرحلة الحالية تعكس، بحسب تعبيرها، حرصاً أكبر على احترام المقتضيات الدستورية المرتبطة بتحديد المسؤوليات وتفعيل مبدأ المحاسبة بصورة صريحة وواضحة.



































