اخبار ليبيا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٣ أب ٢٠٢٦
يمكن قراءة الدعم الأوروبي لمشروع العسة ضمن استراتيجية أوسع تقضي بتعزيز قدرات دول العبور والمنشأ بدلاً من انتظار المهاجرين عند الشواطئ
من أقصى الغرب الليبي إلى عمق الصحراء، تبدو الحدود التي ظلت لأعوام واحدة من أكثر حلقات الدولة هشاشة وكأنها تدخل مرحلة جديدة، فبدلاً من الدوريات التقليدية ونقاط التفتيش المتباعدة، تتجه السلطات إلى الكاميرات الحرارية وأنظمة الرصد الإلكتروني والإنذار المبكر، في محاولة لإخضاع مساحات شاسعة ظلت منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 ممراً مفتوحاً للمهاجرين ومهربي الوقود والسلاح والمخدرات، وفي بعض الفترات للمجموعات المسلحة والمتطرفة.
لكن اللافت هذه المرة ليس التكنولوجيا وحدها، بل توقيت المشاريع وتعدد الشركاء الخارجيين، ففي الغرب بدأ تنفيذ مشروع لمراقبة نحو 200 كيلومتر بالتعاون مع بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة في إدارة الحدود 'يوبام'، فيما تعاقدت القيادة العامة شرق البلاد مع شركة تركية على منظومة متكاملة لإدارة ومراقبة الحدود الليبية، تبدأ مرحلتها الأولى على امتداد 275 كيلومتراً، وفي طرابلس برز أيضاً تعاون مع شركة أميركية لتطوير أنظمة التفتيش في المطارات والموانئ والمعابر البرية.
في منطقة العسة قرب الحدود الليبية - التونسية، أعلن جهاز حرس الحدود إطلاق المرحلة الأولى من مشروع تأمين الحدود الغربية ضمن رؤيته لعامَي 2026-2027، بالتعاون مع بعثة الاتحاد الأوروبي 'يوبام'.
ويقوم المشروع على تركيب منظومة للمراقبة البصرية والحرارية تستخدم فيها كاميرات وتقنيات حديثة للعمل على مدى الساعة، بما يسمح بالرصد الليلي والنهاري والكشف المبكر عن التحركات المشبوهة، وتغطي المرحلة نحو 200 كيلومتر من الشريط الحدودي، وتقول السلطات إن الهدف مكافحة التهريب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وسبق أن أعلنت وزارة الداخلية عام 2023 تنفيذ مرحلة لتأمين الحدود الليبية - التونسية في قاطع العسة، تضمنت مراكز أمنية وأبراج مراقبة وكاميرات ومراصد آلية وغرف اتصالات، ضمن خطة أوسع لتأمين الحدود الغربية الممتدة من رأس جدير شمالاً باتجاه الجنوب.
والجديد في المشروع الحالي هو الانتقال بصورة أكبر من مفهوم 'حراسة الحدود' إلى مفهوم 'إدارة الحدود'، أي تحويل المساحات المفتوحة إلى نطاق يمكن مراقبته إلكترونياً وربط نقاطه بمراكز قيادة.
بالتوازي، وقعت القيادة العامة للجيش الليبي في بنغازي عقداً مع شركة تركية لتطوير نظام متكامل لإدارة ومراقبة الحدود البرية، على أن تغطي المرحلة الأولى 275 كيلومتراً ضمن مشروعها الذي تطلق عليه 'رؤية 2030'.
ولم يكشف الإعلان الرسمي عن قيمة العقد أو مدته أو طبيعة القطاع الحدودي الذي ستغطيه المرحلة الأولى بالتحديد، كذلك لم يسمِّ الشركة المنفذة. ووفق ما عُرف عن المشروع، فإنه يستهدف مكافحة تهريب الأسلحة والمخدرات والوقود والهجرة غير النظامية والأنشطة الإجرامية العابرة للحدود، وهي تقريباً قائمة الأخطار نفسها التي وضعتها سلطات غرب ليبيا في صدارة أهداف مشروع العسة.
أستاذ الجغرافيا السياسية محمد الدينالي يرى أنه 'لا يمكن فصل هذا التحرك عن تحول ليبيا إلى إحدى أكبر ساحات الهجرة في شمال أفريقيا، إذ قدرت المنظمة الدولية للهجرة وجود نحو 936 ألف مهاجر داخل ليبيا مع بداية عام 2026، ينحدر 84 في المئة منهم من شمال أفريقيا وغربها بصورة أساس، ويشكل السودانيون ما نسبته 36 في المئة منهم والنيجريون 20 في المئة والمصريون 19 في المئة والتشاديون تسعة في المئة'.
وأوضح أن 'بيانات المنظمة تكشف عن صورة أكثر دلالة على طبيعة الحدود نفسها، إذ أفاد 81 في المئة من الوافدين براً بأنهم استعانوا بميسرين للهجرة، خصوصاً لأغراض النقل، وعلى رغم انخفاض الحركة الإجمالية عبر الحدود خلال الربع الأول من 2026، فإن الوافدين عبر الحدود الغربية مع تونس والجزائر تضاعفوا تقريباً مقارنة بالربع الأخير من عام 2025'.
وتابع 'هذه الأرقام تعني أن المسألة لم تعُد مجرد قوارب تغادر الساحل الليبي نحو أوروبا، الرحلة تبدأ قبل البحر بمئات وربما آلاف الكيلومترات، من السودان وتشاد والنيجر ومصر ودول الساحل، عبر شبكات نقل وتهريب مترابطة، قبل أن تصل إلى المدن الليبية ومنها إلى الساحل. ومن هنا يصبح بالنسبة إلى الأوروبيين منع القارب من مغادرة الشاطئ المرحلة الأخيرة فقط من المعركة، بينما يبدأ الاحتواء الحقيقي عند الحدود البرية الجنوبية والغربية والشرقية'.
الدينالي رأى أن 'ما سبق يفسر الاهتمام الأوروبي المتزايد بدعم قدرات السلطات الليبية في مجال مكافحة الهجرة، فبعثة ’يوبام ليبيا‘ التي تأسست عام 2013، لا تملك مهمة تنفيذية مباشرة، لكنها تعمل على بناء قدرات المؤسسات الليبية في إدارة الحدود ومواجهة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين والإرهاب والجريمة العابرة للحدود. وفي يونيو (حزيران) عام 2025 مدد الاتحاد الأوروبي ولايتها حتى نهاية يونيو 2027، وخصص لها قرابة 52 مليون يورو'.
وأردف أنه 'بالنسبة إلى بروكسل، الحدود الليبية ليست بعيدة كما تبدو على الخريطة، فكل ثغرة في الصحراء يمكن أن تتحول بعد أسابيع إلى قارب في المتوسط، وكل توسع لشبكات التهريب جنوب ليبيا يمكن أن ينعكس ضغطاً سياسياً في إيطاليا ومالطا ومنها إلى بقية الاتحاد، لذلك يمكن قراءة الدعم الأوروبي لمشروع العسة ضمن استراتيجية أوسع لنقل خطوط احتواء الهجرة إلى خارج الأراضي الأوروبية، عبر تعزيز قدرات دول العبور والمنشأ، بدلاً من انتظار المهاجرين عند الشواطئ الشمالية للمتوسط'.
أما الحضور التركي في ملف مراقبة الحدود، فيحمل دلالات مختلفة بالنسبة إلى الصحافي والأكاديمي الليبي محمد يسري، 'فأنقرة التي ارتبط نفوذها في ليبيا خلال الأعوام الأخيرة بصورة رئيسة بغرب البلاد والتعاون العسكري مع سلطات طرابلس، يظهر الآن في مشروع أمني تتبناه القيادة العامة. وهذه النقلة ربما تكون أكثر أهمية سياسياً من قيمة العقد ذاته لأنها تشير إلى توسع قنوات الاتصال بين تركيا وشرق ليبيا، وتحول العلاقة تدريجاً من خصومة ارتبطت بحرب طرابلس إلى مساحة أوسع من المصالح الأمنية والاقتصادية'.
ورأى أن 'المسألة تكتسب أهمية إضافية لأن أنظمة إدارة الحدود ليست مجرد كاميرات تباع وتنتهي العلاقة عند تركيبها، فهي تحتاج إلى صيانة وتدريب وتحديث وبرمجيات وربط بمراكز القيادة، مما يجعلها شراكات طويلة الأجل، ويمنح الشركات والدول الموردة موطئ قدم في بنية أمنية شديدة الحساسية. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحدود باعتبارها ساحة جديدة للتنافس على ليبيا، الاتحاد الأوروبي في الغرب عبر ’يوبام‘ وتركيا عبر مشروع القيادة العامة'.
تحديث مشروع قديم
ليست هذه أول مرة تراهن فيها ليبيا على التكنولوجيا لحل معضلة حدودها، فعام 2009 قبل سقوط نظام القذافي، تعاقدت ليبيا مع شركة إيطالية لإنشاء منظومة لمراقبة الحدود الجنوبية مع النيجر وتشاد والسودان، قُدرت قيمتها بنحو 300 مليون يورو، وشملت مراكز قيادة وأجهزة استشعار ورادارات ضمن شبكة متكاملة.
لكن أحداث انتفاضة فبراير (شباط) عام 2011 أطاحت بالمشروع قبل اكتماله، ولم يسلم سوى جزء من معداته، قبل أن يُفقد بعضها أو يصبح غير صالح للاستخدام. واليوم باتت التقنيات القديمة نفسها متجاوزة أمام أنظمة أكثر مرونة تعتمد على الكاميرات الحرارية وأجهزة الاستشعار المتنقلة وصور الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة.



























