اخبار العراق
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦
الأزمة الحالية ليست عجزاً أمنياً فحسب بل هي أيضاً أزمة سيادة وقرار سياسي
لم تكتف الحكومة العراقية بتغيير القيادات الأمنية في محافظة ميسان، إذ أغلقت ثلاثة منافذ حدودية مع إيران من أصل خمسة، وبررت الجهات الأمنية هذه الإجراءات بأنها ترتيبات أمنية وإدارية وتحقيقات لكشف ملابسات مخالفات وخروقات، لكن مصادر صحافية محلية أوضحت أن أسباب الإغلاق هو لمنع دخول الأسلحة والمسلحين من إيران.
الاستهداف الذي انطلق من محافظة ميسان، وتحديداً من ناحية الطيب الحدودية مع إيران لم تعلن أي جهة لغاية كتابة هذه السطور مسؤوليتها عنه، إذ نفت الفصائل المسلحة في العراق ضلوعها باستهداف منشآت الطاقة السعودية، معربة عن استغرابها من 'تسرع الحكومة العراقية في تبني هذه المزاعم من دون الاستناد إلى أدلة موثوقة أو تحقيقات ملموسة'.
ودانت الحكومة العراقية الهجمات التي استهدفت السعودية، مؤكدة رفضها أي اعتداء يمس أمن المملكة واستقرارها، أو يسيء إلى العلاقات بين البلدين.
البيئة الأمنية
يوضح المتخصص في شؤون الأمن والدفاع اللواء ضياء الوكيل أن من أهداف الهجمة الأخيرة على السعودية تعطيل تدفق النفط عبر أنبوب (غرب - شرق) السعودي لرفع أسعار النفط في الأسواق العالمية للتأثير في مسارات الحرب والصراع المحتدم بين أميركا وإيران، مشيراً إلى أن 'الهجوم من العراق ليس للقرب الجغرافي فالمسافة ما بين منطقة الإطلاق من شرق محافظة ميسان وأنبوب النفط السعودي أكثر من 1100 كم، بل يعود السبب إلى المناورة وتوزيع الأدوار، وذلك مكمن الخطر المحدق باستقرار العراق'.
يقول الوكيل إن 'أخطاء السياسة وفق الفكر الاستراتيجي العسكري لا تعالجها اتجاهات التعبئة، فالتعبئة هنا مهنة الميدان، وما يجري حالياً من خروقات أمنية خطرة مثل الهجمات على السعودية باستخدام الأراضي العراقية هي في علم التحليل الاستراتيجي نتيجة وليست سبباً، والحلول أكثر تعقيداً وتحتاج إلى إصلاح وإرادة وقرار بالعودة إلى مشروع الدولة، والشرعية الدستورية، وتبدأ بحصر السلاح بيد الدولة، حتى تتمكن القوات الأمنية من رصد التحركات الخارجة على القانون والنظام، وتلك خطوة على طريق طويل لبسط السيطرة والتقليل من أخطار الخروق الأمنية'.
ولا يقلل الوكيل من أهمية الإجراءات التي اتخذتها الحكومة العراقية لمعالجة الموقف، فذلك هو المتاح لديها حالياً، بحسب رأيه، أما صناعة الاستقرار الطويل الأمد، 'فذلك يحتاج إلى تغيير في البيئة الأمنية التي تعيد إنتاج المشكلة بشكل متواصل'.
من جهته يرى الباحث العسكري حاتم الفلاحي أن الحكومة العراقية في حاجة إلى استعادة قرارها السيادي وفرض القانون وسيادة الدولة، على جميع الأراضي العراقية، موضحاً أن 'وجود مؤسسات أمنية وعسكرية موازية لمؤسسات الدولة جعل البلد يتحول إلى مراكز قوى عدة بعيدة من القرار السيادي، وتموضعت هذه القوى داخل مؤسسات الدولة وأصبح لها غطاء رسمي تتحرك من خلاله داخل العراق، وبات من الصعوبة على الدولة مواجهة هذه الميليشيات'.
يوضح الفلاحي أن 'الميليشيات وظفت الطبيعة الجغرافية بين العراق والسعودية لخدمة أهدافها السياسية التي تعلنها لدعم إيران في الحرب الدائرة حالياً، إذ تمتد الحدود بين البلدين لمسافة أكثر من 810 كيلومترات وهي حدود طويلة تمكنها من إطلاق المسيرات، فمن الصعوبة على الدولة العراقية أن تحد من الضربات ما لم تكن هناك مواجهة عسكرية بين مؤسسات الدولة الرسمية والميليشيات التي تعمل خارج إطار الدولة'.
كان رئيس خلية الإعلام الأمني، الفريق سعد معن، قد أكد ضبط منصة لإطلاق المسيرات داخل الأراضي العراقية استخدمت في حادثة استهداف خط الأنابيب في السعودية، وأوضح في تصريحات متلفزة على القناة الرسمية أن 'هناك تواصلاً مستمراً مع السعودية على مختلف الصعد، لتبادل المعلومات الاستخباراتية والأمنية وإطلاعهم على نتائج التحقيق'، مشدداً على أن 'العراق ينتهج مبدأ (السيادة الوقائية) التي لا تعني فقط منع استهداف أراضينا، بل أيضاً عدم السماح بأن تكون أراضينا منطلقاً لاستهداف أي بلد آخر، أو أن يكون العراق جزءاً من عملية تصفية أو حرب بالإنابة'.
وكان العراق قد وافق على طلب إيران للمشاركة في التحقيق والاطلاع على النتائج من كثب في شأن تداعيات الحادثة.
إلى ذلك يوضح المحلل السياسي نزار حيدر أن عملية الاعتداء على السعودية قد عقدت المشهد، وصعبت من مهمة رئيس الوزراء، قائلاً إن 'الحكومة تساهلت وتراخت في ملف حصر السلاح بيد الدولة، على رغم حصولها على مساندة مهمة من قبل القوى السياسية والولايات المتحدة والدول الإقليمية والمجتمع الدولي ومرجعية النجف، فكان يفترض على الزيدي وبعد حصوله على هذا الدعم أن يكون حازماً في هذا الملف ويضرب بيد من حديد'.
حيدر يشير إلى أن 'الخطأ الذي ارتكبه الزيدي هو موافقته على تشكيل الإطار التنسيقي لجنة ثلاثية هي المسؤولة عن حصر السلاح بيد الدولة، وكان من المفترض أن تشكل اللجنة من الحكومة، ومن مؤسسات الدولة، ويختم 'يمكن للزيدي أن يستدرك الخطأ، ويعود للتعامل مع هذا الملف بحزم مستفيداً من الخطأ الجوهري الذي ارتكبته الميليشيات في تنفيذ الاعتداء على السعودية وإلا سيعود العراق بنظر المجتمع الدولي بلداً اختطفته الميليشيات ولا يمتلك قراره السيادي في السلم والحرب'.
في المقابل يوضح رئيس مركز الأمصار للدراسات الاستراتيجية رائد العزاوي أن 'إشكالية الميليشيات تتمثل بأن جزءاً منها أصبح حاضناً لجماعات وخلايا تابعة للحرس الثوري، وهذه الجماعات هي من تشن هذه الهجمات على دول الجوار، ومنها الاعتداء الأخير على السعودية، وإيران تسيطر على هذه الميليشيات، وعلى قرارها السياسي والعسكري، وهذا يجعل عملية حصر السلاح ترتبط بالكامل بإيران'.
العزاوي يذهب إلى الرأي ذاته الذي أشار إليه نزار حيدر، ويرى أن الحكومة الحالية في موقف صعب و'لابد من وجود قرار واضح من الإطار التنسيقي بعدم وجود حصانة للسلاح خارج الدولة، فجزء من هذا السلاح لديه حصانة داخل الإطار التنسيقي، وهذا يعرقل عملية حصر السلاح، فسلاح الميليشيات هو جزء من فكر إيران وواحد من أدوات مواجهتها ضد الولايات المتحدة'.
إلى ذلك يشير الباحث والمحلل السياسي والأمني أحمد العلواني إلى أن الحكومة العراقية واقعة بين فكي كماشة الميليشيات إلى حد كبير والأزمة الحالية ليست عجزاً أمنياً فحسب، بل هي أيضاً أزمة سيادة وقرار سياسي 'لم تعد القدرة على استخدام القوة محتكرة بالكامل بيد الدولة، فبعض الفصائل المسلحة تمتلك السلاح والتنظيم والقدرة على العمل خارج التسلسل الحكومي، مما يجعل أي مواجهة مباشرة معها تنطوي على أخطار سياسية وأمنية كبيرة'.
العلوني يوضح أن هذه الفصائل ليست مجرد جماعات مسلحة، بل يمتلك بعضها تمثيلاً سياسياً ونفوذاً داخل مؤسسات الدولة، مما يعقد عملية محاسبتها أو نزع سلاحها، وتتجنب حكومة الزيدي التصعيد الداخلي، وتخشى أن يؤدي اعتقال قيادات أو مقاتلين تابعين لفصائل قوية إلى اندلاع اشتباك داخلي أو أزمة سياسية تهدد بقاءها.
يرى العلواني أن حكومة الزيدي ليس أمامها سوى مواجهة الميليشيات وفرض هيبة الدولة وسيادتها، مع تحمل تبعات ذلك، أو الاستمرار في الصمت والتغاضي عن نشاطها، وتحمل نتائج الفشل والإخلال بالتعهدات التي أطلقها الزيدي أمام الرئيس ترمب، فضلاً عن التزاماتها تجاه الدول العربية والإقليمية.
خلافاً للآراء السابقة يرى الباحث عقيل عباس أن الاعتداءات التي حصلت، على رغم أنها تخرق السيادة العراقية، وتظهر هشاشة الدولة، فإنها في جانب آخر تمثل فرصة لتعديل مسار الدولة 'قد يعطي هذا الاعتداء للحكومة العراقية مزيداً من الدفع والشرعية للتعامل مع الفصائل كونها أصبحت مشكلة إقليمية تتعدى كونها قضية حصر السلاح وعلاقتها بالمجتمع، وإنما تتعدى ذلك إلى دول الجوار'.
عباس يوضح أن بيانات الإدانة لا ترفع الحرج عن الحكومة، بل تؤكد مسؤوليتها لكي تخطو خطوات جادة وحقيقية لتفكيك سلاح الفصائل.
إلى ذلك يوضح المراقب للشأن السياسي غسان مازن أن حكومة الزيدي انتقلت من مرحلة تشكيل اللجان التي اعتمدتها الحكومات السابقة في معالجة قضايا الخروق الأمنية إلى اتخاذ قرارات آنية وإجراءات واضحة في حق المقصرين، إذ أصدر القائد العام للقوات المسلحة أوامر بإعفاء قادة أمنيين وعسكريين في محافظة ميسان، ويرى أن الحكومة قد أعطت مؤشرات جيدة باتخاذ هذه الإجراءات، وهي في الأقل رفعت عن نفسها الحرج داخلياً، لكن تبقى النظرة الدولية شاخصة إلى تاريخ الـ30 من سبتمبر (أيلول) الجاري لتقرير مصير الفصائل والتعاطي مع الحكومة إثر نتيجة ذلك.
يرى مهند سلوم زميل أول غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية – قطر، أن القصف الذي انطلق من الأراضي العراقية باتجاه السعودية يضع حكومة الزيدي أمام معادلة مزدوجة، فهو في ظاهره إحراج مركب يكشف عن أن قرار الحرب ما زال يصنع في غرف عمليات خارج مؤسسات الدولة، ويقوض رواية بغداد بأن العراق ليس طرفاً في الحرب، ويمنح الرياض وواشنطن مسوغاً جاهزاً لتوسيع الاستهداف داخل العراق وفق منطق ضرب الميليشيات والإبقاء على الدولة.
لكنه في جانب آخر والرأي لسلوم يرى أن هذا الاعتداء يقدم للحكومة فرصة نادرة إذا أحسنت استثمارها لعزل الميليشيات 'إقرارها السريع بانطلاق الهجمات من أراضيها، وإعفاء قائد عسكري كبير، وإغلاق المنافذ الجنوبية، خطوات تتيح لها التحرك تحت غطاء الضغط الخارجي لعزل الميليشيات وتثبيت حصرية قرار الحرب والسلاح، وهو ما عجزت عنه سياسياً في الأحوال الاعتيادية'.






































