اخبار المغرب
موقع كل يوم -الأيام ٢٤
نشر بتاريخ: ٤ أذار ٢٠٢٦
على خلفية التزايد المقلق في حالات اختفاء الأطفال في عدد من مناطق المغرب، قال محمد النحيلي رئيس منظمة بدائل للطفولة والشباب، إن هذه الوقائع المؤلمة أعادت إلى الواجهة سؤالا جوهريا يتعلق بمدى قدرة منظومة حماية الطفولة على الاستجابة لمثل هذه التحديات.
واعتبر النحيلي، في تصريح لـ'الأيام 24″، أن 'اختفاء طفل واحد يكفي ليهز ضمير المجتمع ويزرع الخوف في قلوب الأسر، فما بالك حين تتكرر الحالات في فترات زمنية متقاربة، وتتحول إلى مصدر قلق جماعي يهدد الشعور بالأمن المجتمعي'.
وأضاف أن 'هذه الأحداث، مهما اختلفت ملابساتها أو سياقاتها، تضعنا جميعًا أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية مشتركة'، مبينا أن 'حماية الأطفال ليست شأنا أمنيا صرفا، ولا يمكن اختزالها في تدخلات ظرفية تأتي بعد وقوع الحادث، بل هي قضية مجتمعية بامتياز تتطلب مقاربة شمولية تقوم على الوقاية والتربية واليقظة الجماعية، إلى جانب الصرامة القانونية'.
ورغم أن المغرب، يقول النحيلي، 'أقدم على خطوات مهمة في مجال حماية الطفولة من خلال ترسانة قانونية ومؤسساتية متقدمة نسبيًا، مدعومة بالتزاماته الدولية في إطار اتفاقية حقوق الطفل وغيرها من المواثيق ذات الصلة، غير أن التجارب الميدانية تبيّن أن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب النصوص، بل في فعالية تنزيلها، وفي مستوى التنسيق بين مختلف المتدخلين في منظومة الحماية'.
وتابع أن 'ما يزيد من تعقيد الظاهرة هو تنامي بعض الجرائم المنظمة التي تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال، وعلى رأسها شبكات الاتجار بالبشر'، مبينا أن 'هذه الشبكات تستغل الهشاشة الاجتماعية وضعف المراقبة في بعض الفضاءات أو المناطق، لتوظيف الأطفال في أنشطة إجرامية مختلفة، سواء عبر الاستغلال الجنسي أو التسول القسري أو الاتجار غير المشروع، وهو ما يفرض تشديد اليقظة وتعزيز آليات الرصد والتتبع، مع التطبيق الصارم للقوانين الزجرية في مواجهة كل من تسول له نفسه المساس بكرامة الأطفال أو استغلال براءتهم'.
كما أن التحولات الرقمية، يوضح النحيلي، أفرزت مخاطر جديدة تهدد سلامة الأطفال، خاصة مع الانتشار الواسع للأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، مشيرا إلى أن بعض الفضاءات الرقمية أصبحت مجالا للاستدراج والابتزاز والاستغلال، حيث يستعمل بعض المجرمين هويات وهمية للتقرب من الأطفال واستدراجهم أو ابتزازهم بوسائل مختلفة. ودعا إلى تعزيز التربية الرقمية داخل الأسرة والمدرسة، وتوعية الأطفال بكيفية التعامل الآمن مع الفضاء الرقمي، إلى جانب تطوير قدرات الأجهزة المختصة في مكافحة الجرائم السيبرانية المرتبطة بالأطفال.
وبعد أن نبه إلى خطورة الاعتداءات الجنسية التي تطال بعض الأطفال في فضاءات يفترض أن تكون آمنة، سجل أن هذه الجرائم لا تمس فقط السلامة الجسدية للطفل، بل تترك آثارًا نفسية عميقة قد تلازمه لسنوات طويلة، مطالبا بضرورة ترسيخ ثقافة حماية الجسد داخل البرامج التربوية، وتمكين الأطفال من المعرفة التي تساعدهم على التمييز بين السلوك الطبيعي والسلوك المؤذي، مع توفير آليات آمنة للتبليغ عن أي اعتداء دون خوف أو وصم.
وعن كيفية تعزيز حماية الأطفال، أبرز النحيلي، أن الأسرة تظل الحلقة الأولى في منظومة الحماية، فهي الفضاء الطبيعي الذي ينشأ فيه الطفل ويتعلم من خلاله قيم الثقة والاحتياط والتواصل، لذلك فإن تعزيز الوعي الأسري بأهمية المراقبة الإيجابية والحوار الدائم مع الأطفال يشكل ركيزة أساسية للوقاية من العديد من المخاطر.
كما أن المدرسة، يضيف النحيلي، مطالبة اليوم بأن تضطلع بدور يتجاوز الوظيفة التعليمية التقليدية، لتصبح فضاءً للتربية على المواطنة والسلامة الشخصية، معتبرا أن إدماج برامج للتوعية بحقوق الطفل وبقواعد الحماية الذاتية داخل المؤسسات التعليمية بات ضرورة ملحة، خاصة في ظل التحديات الاجتماعية الجديدة التي تواجه الطفولة.
ودعا النحيلي، إلى استثمار التكنولوجيا في دعم جهود الوقاية والحماية، عبر تعزيز منظومة المراقبة في الفضاءات العامة من خلال تثبيت كاميرات المراقبة في الشوارع والساحات ومحيط المؤسسات التعليمية، للحد من الجرائم والمساعدة على الرصد المبكر لأي سلوك مشبوه.
وزاد أن هذه الوسائل التقنية تسهم في تقليص زمن البحث والتحقيق في حالات الاختفاء، من خلال توفير معطيات دقيقة حول تحركات الأشخاص أو المركبات، مما يساعد السلطات المختصة على تسريع التدخل وتوجيه الأبحاث بشكل أكثر فعالية، مستدركا: غير أن اعتماد هذه الوسائل يجب أن يتم في إطار ضوابط قانونية واضحة تضمن احترام الحياة الخاصة للمواطنين، وتحقق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الحقوق والحريات.
وفي المقابل، يرى النحيلي، أن دور الدولة يبقى حاسما في ضمان فعالية منظومة الحماية، من خلال تعزيز قدرات البحث والتحقيق، وتسريع آليات التبليغ والتدخل في حالات الاختفاء، وتطوير سياسات عمومية مندمجة تضع مصلحة الطفل الفضلى في صلب كل تدخل، مبرزا الدور الحيوي للمجتمع المدني ووسائل الإعلام في نشر الوعي والتحسيس وتعبئة الرأي العام حول قضايا الطفولة، بما يعزز ثقافة الحماية الجماعية ويجعل من المجتمع بأكمله فضاءً يقظًا يحمي أطفاله.
وأكد النحيلي، أن حماية الأطفال ليست مجرد التزام قانوني أو مؤسساتي، بل هي استثمار استراتيجي في مستقبل الوطن، فالأطفال هم أساس بناء مجتمع متماسك وعادل، وكل تقصير في ضمان أمنهم وسلامتهم هو تقصير في حق المستقبل نفسه.
وخلص النحيلي، إلى أن الظرفية الراهنة تفرض علينا الانتقال من ردود الفعل الظرفية إلى بناء رؤية وطنية متكاملة لحماية الطفولة، تقوم على الوقاية المبكرة، والتنسيق المؤسساتي الفعال، وتعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة بين جميع الفاعلين، على اعتبار أن أمن الأطفال مسؤولية الجميع، وحمايتهم ليست خيارا، بل واجبا أخلاقيا ومجتمعيا يحدد ملامح المجتمع الذي نطمح إلى بنائه للأجيال القادمة.



































