اخبار المغرب
موقع كل يوم -الأيام ٢٤
نشر بتاريخ: ٢٤ نيسان ٢٠٢٦
تواصلت اليوم الجمعة بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء جلسة محاكمة محمد مبديع، المتابع على خلفية ما نُسب إليه من اختلالات مالية وتسييرية خلال فترة توليه رئاسة جماعة الفقيه بنصالح، حيث قدّم النقيب محمد حيسي مرافعة مطولة سعى من خلالها إلى تفنيد مختلف التهم، معتبراً أن الملف شابته اختلالات على مستوى البحث والتقييم، وأن موكله جرى تقديمه في سياق أقرب إلى “كبش فداء” أكثر من كونه مسؤولاً عن أفعال جنائية ثابتة.
وأكد الدفاع أن التقرير الذي استندت إليه المتابعة “جانب الصواب” في رصد الاختلالات، مشيراً إلى أنه أُنجز في توقيت غير مناسب، قبل انتهاء الأشغال موضوع الصفقات، وهو ما يتعارض مع المعايير المعمول بها في مجال الصفقات العمومية، التي تفرض التقييم بعد إتمام الأشغال وليس أثناء تنفيذها. وأضاف أن هذا التسرع في إصدار التقرير أدى إلى “الزج بأشخاص أبرياء في السجن”، مطالباً باستدعاء اللجنة التي أعدته، لكونها – حسب تعبيره – لم تكن محايدة ولم تعتمد الأسس التقنية والقانونية السليمة.
وأوضح النقيب حيسي أن إنجاز تقرير تقني يقتضي اللجوء إلى خبرة تقنية وحسابية دقيقة، للتأكد من مدى مطابقة الأشغال لدفتر التحملات، والتحقق من وجود أي اختلاس فعلي، وهو ما لم يتم في هذه القضية، مشددًا على أن الصفقات العمومية “لا تتجزأ”، ولا يجوز تقييمها إلا بعد انتهاء الأشغال بشكل كامل، مستحضراً في ذلك محاضر التسليم المؤقت أو النهائي، التي اعتبر أن إنجازها تم قبل اكتمال الأوراش، مما يجعل التقرير “معيباً” من الناحية القانونية.
واعتبر الدفاع أن عناصر الملف لا تفيد بشكل قطعي بثبوت الأفعال المنسوبة لمبديع، بل تترك مجالاً واسعاً للشك، في ظل غياب الأدلة المادية والحجج الدامغة، مضيفا أن قرار الإحالة لم يبرز العناصر التكوينية لجناية اختلاس المال العام أو الاستفادة الشخصية منه، مبرزاً أن موكله “لم يستولِ على أي أموال ولم تتجه إرادته إلى تملكها، كما لم يكن له أي دافع شخصي لذلك”.
وأشار إلى أن جميع الصفقات المنجزة تمت وفق المساطر القانونية، ولها وجود فعلي على أرض الواقع، وبالتالي لا يمكن الحديث عن تبديد المال العام، مادامت الأموال صُرفت في أشغال منجزة، مؤكدًا أن القانون يشترط في مثل هذه الجرائم وجود نية التملك، وهو ما لم يثبت في النازلة، متسائلاً: “أين هو القصد الجنائي؟ وأين هي المنفعة الشخصية؟”.
وفي سياق الرد على ما أثير خلال المحاكمة، أوضح الدفاع أن مبديع، بصفته رئيساً للجماعة ووزيراً سابقاً، لم يكن هو من ينجز الأشغال أو يحدد الأسعار أو يتحقق من الشواهد التقنية، بل كان يعتمد على المصالح المختصة ومكاتب الدراسات، وأن القرارات المتخذة كانت ذات طابع مؤسساتي، وليست فردية، معتبرًا أن أي خلل محتمل يتحمل مسؤوليته بالدرجة الأولى المهندسون والتقنيون المكلفون بالتتبع والتقييم.
واستعرض النقيب حيسي المسار المهني والسياسي لموكله، مشيراً إلى أنه شغل مهام وزير، وانتُخب رئيساً للجماعة لعدة ولايات، وكان نائباً برلمانياً، إضافة إلى كونه مهندساً يمارس أنشطة فلاحية وله ممتلكات، معتبراً أن وضعيته المالية لا تبرر إطلاقاً فرضية الاختلاس، خاصة وأن المبالغ موضوع المتابعة “صُرفت بالكامل في تدبير الشأن المحلي”.
وفي ما يتعلق بالاجتهاد القضائي، شدد الدفاع على أن سوء التدبير لا يشكل جريمة اختلاس ما لم يقترن بنية التملك، مؤكداً أن هذا المبدأ مستقر في قضاء محكمة النقض، وأن الركن المعنوي في جرائم الأموال العمومية يقوم أساساً على انصراف النية إلى التملك، وهو ما ينتفي في هذه القضية.
وتوقف حيسي عند مسألة المسؤولية المدنية والجنائية، معتبراً أنه في غياب إثبات التصرف في الأموال لأغراض شخصية، لا يمكن تحميل موكله أي مسؤولية جنائية مستشهدًا بتصريحات رئيسة المجلس الأعلى للحسابات، التي دعت إلى قراءة تقارير المجلس بحذر، لأن المخالفات المالية لا تعني بالضرورة وجود اختلاس أو تبديد، بل قد تكون مجرد اختلالات إدارية.
وأكد النقيب حيسي أن الأشغال موضوع الصفقات قد أُنجزت فعلياً وتم تسليمها دون تسجيل تحفظات، وأن الكشوفات العامة أثبتت مطابقتها لما تم التعاقد عليه، ولا يمكن دحض ذلك إلا عبر خبرة تقنية مضادة، وهو ما لم يتم اللجوء إليه.
وبخصوص جناية الارتشاء، اعتبر الدفاع أن أركانها غير متوفرة، لغياب أي دليل على وجود عطية أو فائدة مقابل القيام بعمل أو الامتناع عنه، موضحًا أن مسألة اقتناء سيارة لا يمكن أن تشكل دليلاً على الرشوة، في غياب شهود أو مراسلات أو تحويلات مالية تثبت العلاقة السببية بين الفعل والمنفعة، منتقدا اعتماد قاضي التحقيق على “عنصر التزامن” كقرينة، معتبراً إياه غير كافٍ قانوناً، ما لم تدعمه قرائن أخرى متناسقة وخالية من اللبس.
وفي ما يخص تهمة استعمال وثيقة مزورة، أكد النقيب حيسي أن مبديع لم يكن عضواً في اللجنة التقنية التي أعدت محاضر التسليم، ولم يحرر أو يوقع أي وثيقة، ولم يثبت علمه بأي تزوير مفترض، مضيفا أن الوثائق صادرة عن جهات مختصة، وأن موكله تعامل معها بحسن نية، مشدداً على أن “الشك يفسر لصالح المتهم”.
وأما بخصوص جنحة استغلال النفوذ، فقد تساءل الدفاع عن موضع الاستغلال الشخصي، مؤكداً أن قرارات مبديع كانت مؤسساتية، وأن الصفقات تمر عبر مساطر معقدة تشمل عدة متدخلين، مما يستحيل معه توجيهها بشكل فردي، متحدىا وجود أي مقابل مادي أو معنوي مقابل هذا الاستغلال المزعوم.
وفي ما يتعلق بجنحة المشاركة في إصدار شهادة طبية بغرض المحاباة، أوضح الدفاع أن مبديع كان يعاني فعلاً من وضع صحي حقيقي، وخضع لعملية جراحية، وتم نقله إلى المستشفى العسكري، حيث سُلّمت له شهادة طبية لمدة 15 يوماً، مؤكدًا أن الطبيب هو المسؤول عن تحرير الشهادة، وأن أي خطأ مهني لا يمكن تحميله للمريض، خاصة في غياب أي دليل على التواطؤ أو تقديم معطيات كاذبة.
وعزز الدفاع مرافعته بتقديم مجموعة من الخبرات التقنية التي أنجزها خبراء مختصون، خلصت – حسب قوله – إلى أن جميع الصفقات موضوع المتابعة أُنجزت وفق المواصفات والمعايير المطلوبة، مبرزًا أن أحد هؤلاء الخبراء يُعد من كبار المهندسين، وقد أعد تقريراً مفصلاً بيّن فيه حدود مسؤولية المتهم بصفته آمراً بالصرف، مقابل تسجيل “أخطاء جسيمة” في عمل لجنة التفتيش، كما أعلن استعداده التام لمواجهة هذه اللجنة أمام المحكمة وتقديم كافة التوضيحات، معتبراً أنها لم تؤد الدور المنوط بها بالشكل المطلوب.
وفي رده على تهمة إعطاء أوامر بأداء نفقات مقابل أعمال غير منجزة، نفى الدفاع بشكل قاطع إمكانية وقوع ذلك، مؤكداً أن إصدار أوامر بالأداء لا يتم إلا بعد التأكد من إنجاز الأشغال، ومشدداً على أن “من المستحيل” أن يقدم مبديع على مثل هذا الخطأ، مشيرا إلى أن المفتشية العامة لوزارة الداخلية اعتمدت في تقييمها على جرد أولي لمشاريع لم تكن قد استكملت بعد، وهو ما أثر – حسب تعبيره – على دقة خلاصاتها في عدد من الصفقات.
وبخصوص ما أثير حول شروط بعض طلبات العروض، أوضح الدفاع أن التنصيص على تقديم عينات في بعض الصفقات لا يُعد خرقاً للقانون، بل يدخل ضمن أنظمة الاستشارة المعمول بها، ولا يمس بمبدأ المنافسة، خاصة أن تلك الطلبات كانت مفتوحة في وجه جميع المتنافسين، وتم الإعلان عنها وفق المساطر القانونية المعتمدة، مضيفًا أن الغاية من هذه الشروط كانت تحقيق المصلحة العامة وضمان جودة الخدمات أو التجهيزات، نافياً أن تكون هناك شروط تمييزية غير مبررة.
وفي سياق متصل، تساءل الدفاع عن وسائل الإثبات المعتمدة في متابعة موكله، معتبراً أن المفتشية العامة ارتكبت “أخطاء فادحة” ساهمت، بحسب قوله، في الزج بأبرياء في السجن. وأعرب عن أسفه لما وصفه باستهداف رجل سياسة “أعطى الكثير لمنطقته وبلده”، مضيفاً أنه لولا مجهوداته لما بلغت مدينة الفقيه بنصالح ما وصلت إليه من تطور.
وشدد حيسي على أن العناصر التكوينية لمختلف التهم غير متوفرة، ملمحاً إلى وجود خلفيات أخرى لا علاقة لها بالصفقات، ومشيراً إلى أن بروز اسم مبديع في الساحة السياسية ومنافسته لفاعلين من داخل نفس الحزب قد يكون لهما أثر في ما آلت إليه وضعيته.
وختم الدفاع بالتأكيد على أن غياب الخبرة التقنية والحسابية الدقيقة في الملف يفرغ المتابعة من أساسها، ملتمساً التصريح بالبراءة لفائدة الشك، ومبرزاً أن ما تعرض له موكله لم يقتصر عليه فقط، بل طال أسرته ومحيطه، في ظل الحملة التي أثيرت حول القضية.



































