اخبار العراق
موقع كل يوم -المسلة
نشر بتاريخ: ٢٠ أب ٢٠٢٦
19 غشت، 2026
بغداد/المسلة:
قيس المختار
منذ أن عملت في ليبيا لسنوات طوال أستاذا جامعيا في الجامعات الليبية والمعاهد العليا .. وأنا يراودني سؤال ملحّ : هل كانت لنا نحن العراقيين .. ولا سيما الشيعة منا .. مشاركة عسكرية ضد الاحتلال الإيطالي لليبيا عام 1911 .. كما هو الحال في سوريا وفلسطين وغيرها من معارك الأمة ؟
هذا السؤال لم يكن يدور في خلدي وحدي .. بل كان يشاركني فيه الكثير من طلبتي الليبيين النجباء بعد أن عرفوا بأنني شيعي ؛ وكنت أقول لهم دائما بثقة : (نعم .. لقد شارك المسلمون الشيعة في الدفاع عن أرض ليبيا .. وسقط منهم الكثير من الشهداء ) .. إلا أنني .. للأمانة العلمية .. لم أكن في ذلك الوقت ملما بتفاصيل هذه القضية بشكل كاف يروي غليل السائلين . واليوم .. وبعد كل هذه السنين .. عاد السؤال ليطرح نفسه عليّ مرة أخرى بقوة .. فرحت أستقصي الحقيقة في دفاتر التاريخ وبطون المخطوطات عبر (الانترنيت ) وبعض المصادر التي حصلت عليها .. حتى خرجت بهذه النتيجة التي أضعها في هذا المقال كشهادة للتاريخ وللتوثيق .. لعلها تضيء جانبا أظلمته السياسة المعاصرة .
في زمن لم تكن فيه الحدود السياسية المصطنعة قد رسمت ملامح شرقنا الممزق .. كانت العواصم والحواضر تنبض بقلب واحد . وحين وطأت قدم مستعمر غريب أرضا في أقصى المغرب الإسلامي .. كان الصدى يتردد فورا وعاصفا في حواضر المشرق . ولعل واحدة من أكثر الصفحات التاريخية إشراقا .. وأشدها تعرضا للتغييب والإهمال المتعمد .. هي ملحمة الفتاوى والمواقف المدوية التي أطلقها كبار علماء المرجعية الدينية الشيعية في النجف الأشرف .. وكربلاء .. والكاظمية .. وقم نصرة لـ ( طرابلس الغرب ) إبان الغزو الإيطالي عام 1911.
النذير القادم من طرابلس (أكتوبر 1911)
في خريف عام 1911 .. أعلنت المملكة الإيطالية الحرب على الدولة العثمانية .. وبدأت أساطيلها الحربية بإنزال عسكري واسع على طول السواحل الليبية في طرابلس وبنغازي ودرنة وطبرق . كانت الدولة العثمانية في الرمق الأخير من ضعفها .. عاجزة عن حماية ولاياتها البعيدة .
رغم الخلافات السياسية والفكرية العميقة التي كانت قائمة حينها بين الحوزات العلمية في العراق والدولة العثمانية بسبب سياسات ( الاتحاديين )والتتريك .. إلا أن الخطر الوجودي المحدق بأرض إسلامية جعل تلك الخلافات تذوب في لحظة . نظر علماء النجف إلى الهجوم الإيطالي ليس كحرب ضد العثمانيين .. بل كعدوان على حوزة الإسلام وصدمة لضمير الأمة كاملا .
الزلزال الفقهي : فتاوى عابرة للقارات وثقتها المراجع
لم يتأخر الرد الإفتائي ؛ فبمجرد وصول أنباء سقوط الشواطئ الليبية .. اهتزت الأوساط العلمية الشيعية .. وأصدر كبار مراجع التقليد في ذلك العصر فتاوى صريحة .. قاطعة .. وموجبة للجهاد العيني بكافة أشكاله بالمال والنفس .
كان على رأس المفتين آية الله العظمى الشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني (زعيم الحركة الدستورية وصاحب ..كفاية الأصول) .. وآية الله العظمى السيد محمد كاظم اليزدي (صاحب ..العروة الوثقى) .. ومعهما جهابذة العلم مثل شيخ الشريعة الأصبهاني .. والميرزا محمد تقي الشيرازي .. والشيخ عبد الله المازندراني .
وجاء في نص تلك الفتوى الجماعية المدوية التي وزعت في أسواق بغداد والنجف والشرق الأدنى وصارت وثيقة تاريخية دامغة :
( عجلوا بأداء ما فرض الله عليكم من الجهاد .. فهذه كفرة إيطاليا قد هجموا على طرابلس الغرب التي هي من أعظم الممالك الإسلامية وأهمها،. فخربوا عامرها وأبادوا أبنيتها .. فبادروا إلى ما افترضه الله عليكم .. وابذلوا أموالكم .. لئلا يفوت وقت الدفاع) .
ولم تقتصر المسألة على الفتوى الشفهية .. بل تحولت المساجد والمدارس الدينية في الكاظمية والنجف إلى مراكز استنفار. وقاد علماء كبار .. أمثال الشيخ مهدي الخالصي والسيد مهدي الحيدري .. حملات شعبية وعشائرية لجمع التبرعات وتجهيز السلاح .. معلنين غلق الحوزات العلمية وتعليق الدروس تضامنا مع الشعب الليبي الشقيق في محنته .
من الفتوى إلى الميدان : زحف المجاهدين
لم تكن تلك المواقف حبرا على ورق .. بل ترجمت إلى حراك لوجستي وعسكري شاق بالنظر إلى إمكانيات ذلك الزمان . تحركت وفود المتطوعين من أبناء العشائر العراقية .. واندفع معهم مجاهدون من إيران ومن اليمن ، مستخدمين طرقا برية وبحرية معقدة عبر الشام ومصر للوصول إلى جبهات القتال .
اختلطت دماء هؤلاء المتطوعين برمال الصحراء الليبية جنبا إلى جنب مع إخوانهم من المجاهدين السنوسيين وقبائل عمر المختار وسليمان الباروني . والأهم من ذلك .. أن هذا الاستنفار العشائري والشعبي عام 1911 كان بمثابة ( البروفة ) الكبرى والتمرين العسكري والميداني الذي صقل الوعي السياسي والقتالي لعشائر الفرات الأوسط؛ وهو الوعي ذاته الذي تفجّر لاحقاً في ثورة النجف عام 1918 .. وتوج بالثورة العراقية الكبرى ( ثورة العشرين ) ضد الاحتلال البريطاني .
أين الدليل ؟ المصادر والوثائق التي تحفظ الحقيقة
حين نبحث استقصائيا في بطون الكتب والمحفوظات .. نجد أن هذه الملحمة ليست مجرد رواية عاطفية .. بل حقيقة وثقتها مراكز الأبحاث والدراسات الأكاديمية :
الدراسات الأكاديمية العراقية : حيث وثقت دراسة تاريخية محكمة ونوعية منشورة للدكتورة رنا سليم شاكر العزاوي (جامعة بابل ) والأستاذ وائل جبار جودة النداوي ( جامعة المثنى ) بعنوان : ( فتوى الجهاد للمرجعية الدينية في النجف ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا عام 1911م ) . تستعرض هذه الدراسة بالوثائق والمراسلات والبرقيات المتبادلة حركة مراجع النجف وتعبئتهم للشارع .
الأرشيف التوثيقي لـ ( مجلة الموسم ) : في عددها السادس .. نشر الباحث والموثق الكبير محمد سعيد الطريحي دراسة موسعة وهامة جدا بعنوان : ( المرجعية الدينية وقضايا العالم الإسلامي : الغزو الإيطالي للقُطر الليبي وحرب طرابلس سنة 1911م ) ، والتي تعد من أثرى المصادر التي جمعت نصوص الفتاوى والرسائل المتبادلة بين علماء النجف والدولة العثمانية بشأن ليبيا .
الأرشيف الليبي والتركية : يمتلك المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية في طرابلس وثائق ومراسلات تعود لفترة العهد العثماني الأخير (1911-1912) ، وتتضمن تقارير عسكرية عثمانية حول ( المتطوعين القادمين من الولايات المشرقية ) (ومن بينها ولاية بغداد والبصرة واليمن ) الذين انخرطوا في معارك طرابلس وبرقة .. وإن كانت الأسماء في التقارير العثمانية تُقيد غالبا بصفتهم ( متطوعين إسلاميين ) دون الإشارة للمذهب .. التزاما بالهوية الجامعة للخلافة آنذاك .
لغز المقابر المجهولة : لوعة الشهداء الذين لا شواهد لهم
هنا نصل إلى الحلقة الأكثر غموضا والمليئة بالأسى التوثيقي والإنساني . يتساءل المرء بنبرة ملؤها اللوعة : أين ترقد عظام أولئك النجفيين والكاظميين واليمانيين والإيرانيين الذين عبروا البحار عام 1911؟
الحقيقة الصادمة أنه لا توجد في ليبيا اليوم مقبرة رسمية خاصة أو محددة باسم ( المجاهدين الشيعة ) أو ( العراقيين ) . ويكمن السر وراء ذلك في عاملين :
فوضى الجبهات وذوبان الهوية : أغلب المعارك الأولى ضد الإيطاليين ( مثل معركة الهاني .. شارع الشط .. وعين زارة عام 1911) كانت معارك شديدة الفوضى والدموية . المتطوعون القادمون من المشرق لم يذهبوا بصفتهم ( فرقة عسكرية مستقلة ) تحت راية خاصة .. بل ذهبوا كأفراد ومتطوعين ذابوا في نسيج المقاومة الليبية والحاميات العثمانية المعزولة في الصحراء والمزارع . ومن كان يستشهد منهم .. كان يُدفن سريعا في مقابر المجاهدين الجماعية إلى جانب إخوانه الليبيين .. وكتب على أغلب الشواهد ( شهيد مجهول ) .
سياسة المحو الفاشية الإيطالية : عندما أحكمت إيطاليا قبضتها لاحقا على ليبيا ( خصوصا في عهد غراتسياني الدموي في الثلاثينيات ) .. قامت بجرف وطمس الكثير من مقابر المجاهدين الأوائل .. وأنشأت المعتقلات الجماعية .. مما تسبب في ضياع معالم المقابر التي ضمت رفات المتطوعين العرب والمسلمين الذين قضوا في السنوات الأولى للحرب (1911- 1915) .
إنهم يرقدون اليوم في ( مقابر الشهداء ) المنتشرة في ضواحي طرابلس .. وبنغازي .. والمرج .. طي الكتمان والسرية التاريخية .. تظللهم شجرة زيتون أو نخلة في تراب طرابلس الغرب .. دون أن تدون أسماؤهم على لوحة .. ودون أن تلتفت لحقهم وزارة ثقافة أو مركز أرشيف .
مقصلة التغييب : لماذا حذفت هذه الصفحة من التاريخ؟
كيف لعلاقة بهذا الحجم العاطفي والعسكري والفقهي أن تسقط من كتب التاريخ المدرسي .. وتغيب عن السرديات الرسمية في ليبيا والعراق على حد سواء؟ يمكن تفكيك هذا التغييب عبر مستويين :
طغيان السردية القُطرية : بعد سقوط الخلافة وبروز ( الدولة الوطنية ) ذات الحدود المصطنعة ( اتفاقية سايكس بيكو ) .. بدأت كل دولة تكتب تاريخها في حدود رقعتها الجغرافية . ركزت المناهج الليبية على البطولات المحلية العظيمة .. بينما انشغل العراق بتوثيق صراعه مع الإنجليز .. فتراجعت الحركات العابرة للحدود باعتبارها خارج سياق ( الوطنية الضيقة ) وفي ذلك ظلم ما بعده ظلم لتلك التضحيات .
الاستخطاب الطائفي المعاصر : شهدت العقود الأخيرة مجهودا ضخما لإعادة كتابة التاريخ من منظور طائفي إقصائي . تعمدت بعض الأنظمة .. ومعها مؤرخون مؤدلجون .. إخفاء هذا التلاحم الشيعي – السني .. فإبراز حقيقة أن مراجع النجف الشيعة أفتوا بوجوب الجهاد دفاعا عن بلد سني ( ليبيا ) .. وأنهم بذلوا المال والنفس لأجله .. يكسر السردية الطائفية المعاصرة التي تحاول تصوير المذاهب كجزر معزولة ومتناحرة تاريخيا.
خاتمة : إحياء الذاكرة المشتركة
إن إعادة قراءة حدث غزو ليبيا عام 1911 بعيون عراقية شيعية ليست مجرد ترف تاريخي أو نبش في الماضي .. بل هي ضرورة ملحة لاستعادة الوعي العربي والإسلامي الأصيل .
لقد أثبت التاريخ في تلك اللحظة الحرجة أن شعوب المنطقة كانت تمتلك وعيا استراتيجيا وفطرة نقية تتجاوز المسميات المذهبية .. وأن الجرح في طرابلس كان ينزف في بغداد وطهران وصنعاء . لقد ذابت أجسادهم في تراب ليبيا .. تماما كما ذابت قضيتهم في غياهب السياسة الحديثة . إنها صفحة بيضاء حري بنا اليوم .. في زمن التشرذم .. أن نخرجها من غياهب الإهمال ونعيد قراءتها بتمعن .. لنعلم من أين بدأنا .. وكيف تاهت بنا السبل .
About Post Author
moh moh
See author's posts






































