اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٣ أذار ٢٠٢٦
اتهم طهران بـ'زرع الفتنة وزعزعة الاستقرار' ومراقبون يشيرون إلى الشراكات الخليجية وقضية الصحراء
لم يتردد المغرب في اتهام إيران بشكل مباشر بـ'زرع الفتنة وزعزعة الاستقرار من خلال خلق كيانات وميليشيات إرهابية تدين له بالولاء على حساب مصلحة أوطانها وأمنها واستقرارها'، مؤكداً دعمه غير المشروط لسيادة وأمن واستقرار بلدان الخليج، على خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.
ويرى محللون أن موقف الرباط حيال طهران يبدو أكثر صرامة من بعض الدول العربية التي تنظر إلى علاقتها مع إيران من زاوية توازنات إقليمية مختلفة، وتعيد الرباط أيضاً تثبيت معادلة جيوسياسية صاغتها منذ أعوام، وهي الربط بين الأمن الإقليمي العربي والأمن الاستراتيجي للمملكة.
لم يفوت وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة، فرصة انعقاد اجتماع الدورة غير العادية لمجلس جامعة الدول العربية الأحد الماضي في القاهرة، ليكيل اتهامات واضحة ضد إيران، شاجباً 'اعتداءاتها الغاشمة على الدول العربية الشقيقة'.
وقال المسؤول عن الدبلوماسية المغربية، إن 'هذه الاعتداءات الآثمة ما هي إلا أحد تجليات السياسات العدوانية التي ما فتئ النظام الإيراني ينتهجها ضد الدول المجاورة، وفي المنطقة بشكل عام، في مسعى لزرع الفتنة وزعزعة الاستقرار من خلال خلق كيانات وميليشيات إرهابية تدين له بالولاء على حساب مصلحة أوطانها وأمنها واستقرارها'.
وبعد أن وصف بوريطة هجومات إيران على دول الخليج بـ'الانتهاك الصارخ لسيادة تلك الدول وتهديد مباشر لأمن المنطقة ككل'، شدد على تضامن المملكة التام مع هذه الدول، ومساندتها لها في جميع الإجراءات المشروعة التي تراها مناسبة للحفاظ على أمنها وطمأنينة مواطنيها والمقيمين فيها.
وتأتي الاتهامات المغربية الجديدة لإيران لتكمل مساراً من العلاقات المتوترة بين البلدين، التي اتسمت بالتذبذب منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، إذ تحولت الصلات الوطيدة مع شاه إيران إلى علاقات صدامية بعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979، وصلت إلى حد القطيعة الدبلوماسية الكاملة التي لا تزال سارية المفعول إلى اليوم.
وتعزى العلاقات المتشنجة بين المغرب وإيران إلى دوافع جيوسياسية باعتبار ارتباط الرباط بتحالفات وطيدة مع دول الخليج في مواجهة إيران، حيث كان السبب المعلن في قرار قطع العلاقات بين البلدين عام 2009 هو التضامن مع البحرين أمام تصريحات طهران بأن البحرين جزء من إيران.
ويمكن تفسير سوء العلاقات بين البلدين أيضاً باختلاف طبيعة النظامين، فنظام المغرب ملكي يقوم على 'إمارة المؤمنين' مقابل هيمنة النظام الإسلامي الثوري في إيران، وأيضاً إلى قضية الصحراء التي تعدها الرباط خطاً أحمر، حيث يتهم المغرب إيران بدعم جبهة البوليساريو الداعية إلى انفصال الإقليم، في الوقت الذي تنفي طهران كلياً هذه الاتهامات المغربية.
في قراءة لهذه المعادلة الدبلوماسية التي يحرص المغرب على تنفيذها، وهي اتهام إيران ودعم دول الخليج، أفاد المحلل المتخصص في الشؤون السياسية والدولية مولاي هشام معتضد، بأن الأمر لا يتعلق فقط برد فعل دبلوماسي ظرفي على توتر إقليمي، بل يعكس منطقاً متراكماً في هندسة السياسة الخارجية المغربية خلال العقد الأخير.
ويشرح معتضد، 'حين يجدد المغرب اتهاماته لإيران بالسعي إلى خلق كيانات مسلحة أو شبكات موالية لها في المنطقة، بالتوازي مع التأكيد على أن أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من أمنه الوطني، فإن الرباط في الواقع تعيد تثبيت معادلة جيوسياسية صاغتها منذ أعوام، وهي الربط بين الأمن الإقليمي العربي والأمن الاستراتيجي للمملكة'.
في الحسابات المغربية، يردف المتحدث، لا يُقرأ الخليج فقط كفضاء جغرافي بعيد، بل كامتداد لمنظومة تحالفات سياسية واقتصادية وأمنية تشكل أحد أعمدة التوازن الدبلوماسي للمغرب؛ فمنذ منتصف العقد الماضي، وخصوصاً بعد القمة المغربية الخليجية عام 2016، رسخت الرباط مقاربة تقوم على مفهوم 'الأمن المتشابك'، حيث يصبح استقرار الخليج جزءاً من منظومة الاستقرار التي يستفيد منها المغرب، سواء عبر الشراكات الاقتصادية والاستثمارية أو عبر التنسيق الأمني والاستخباراتي.
وخلص المحلل إلى أن 'الخطاب السياسي الذي يؤكد أن ما يمس أمن بلدان الخليج يمس أمن المغرب لا يندرج فقط ضمن لغة التضامن التقليدية في النظام العربي، بل يعكس قراءة براغماتية لمصالح استراتيجية متداخلة'.
ولم يبدأ التوتر بين الرباط وطهران مع الأحداث الإقليمية الأخيرة بل تعود جذوره إلى أعوام سابقة، عندما عد المغرب أن النفوذ الإيراني في بعض الفضاءات الإقليمية يمكن أن يمتد إلى مناطق يعدها حساسة بالنسبة إلى أمنه القومي.
ومنذ قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2018، أصبحت الرباط تميل إلى قراءة السياسات الإيرانية في المنطقة ضمن إطار أوسع يتعلق بتوسيع النفوذ عبر الفاعلين غير الدوليين، وهي مقاربة تتقاطع إلى حد كبير مع الرؤية التي تتبناها دول الخليج.
ويرى معتضد أن الخطاب المغربي في اجتماعات عربية حول ما يصفه بالسياسات العدوانية لإيران لا يخاطب فقط طهران، بل يوجه رسائل متعددة في اتجاهات مختلفة، فهو أولاً رسالة سياسية إلى العواصم الخليجية تؤكد أن المغرب لا ينظر إلى علاقاته معها كتحالف ظرفي، بل كجزء من منظومة تضامن استراتيجي طويل المدى، وثانياً رسالة إلى الشركاء الدوليين، وخصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة، مفادها أن الرباط تواصل التموضع كفاعل إقليمي مستقر قادر على الانخراط في ترتيبات الأمن الجماعي في الفضاء العربي الأوسع.
واسترسل المتحدث أن 'ما يبدو ظاهرياً كموقف تضامني أو خطاب سياسي تقليدي داخل الجامعة العربية هو في الواقع جزء من حسابات دبلوماسية دقيقة تسعى من خلالها الرباط إلى تثبيت موقعها داخل شبكة معقدة من التحالفات'، مورداً أن 'المغرب يدرك أن موقعه الجغرافي يضعه عند تقاطع فضاءات استراتيجية متعددة: شمال أفريقيا، والساحل، وأوروبا، والشرق الأوسط. ومن خلال ربط أمنه بأمن الخليج يوسع هامش حركته داخل هذا النظام الإقليمي، ويعزز شبكة الدعم السياسي لقضاياه الحيوية'.
وذهب معتضد إلى أن 'الرباط تستخدم هذا النوع من الخطاب ليس فقط لتأكيد تضامنها مع دول الخليج، بل أيضاً لإعادة تعريف موقعها في المعادلة الإقليمية، فبالنسبة إلى صانع القرار المغربي، الدفاع عن استقرار الخليج لا يُنظر إليه كالتزام رمزي ضمن النظام العربي فحسب، بل كاستثمار استراتيجي في توازنات إقليمية أوسع يرى المغرب أنها تؤثر، بشكل مباشر أو غير مباشر، في أمنه الوطني وفي قدرته على الحفاظ على موقعه كفاعل دبلوماسي مؤثر في محيطه الإقليمي.'
يسجل مراقبون كيف أن الدبلوماسية المغربية أصرت على إبقاء وتمديد القطيعة مع إيران أعواماً طويلة، في الوقت الذي شهدت العلاقات الإيرانية الخليجية نوعاً من الانفراج السياسي خلال الأعوام القليلة الأخيرة.
ويعزو الباحث في الشأن الإيراني عبدالقادر سيال، إصرار المغرب على القطيعة مع إيران على رغم انفراج علاقات حلفائه الخليجيين مع طهران خلال الفترات الأخيرة قبل اندلاع الحرب، إلى سياقات ومحددات حاسمة ورئيسة، أولها هو محدد ملف الصحراء الذي تعده الرباط النظارة التي ترى بها العلاقات الخارجية مع الدول، حيث تعد كل دعم لجبهة البوليساريو بمثابة تهديد للأمن القومي للمملكة.
وتابع الباحث 'يظهر المغرب صارماً في علاقته مع إيران أكثر من باقي الدول العربية التي تزن علاقاتها مع طهران بميزان التوازنات الإقليمية والأمن القومي الخليجي والعربي، لكون الصحراء بالنسبة إلى الرباط مسألة حياة أو موت، فهي ملف استراتيجي وحيوي لهذا البلد'.
وثاني محدد بالنسبة إلى المغرب، وفق الباحث، هو رفضه الكامل لمحاولات إيران نشر المذهب الشيعي داخل المملكة، بالتالي تهديد أمنه الروحي، إذ سبق للرباط اتهام السفارة الإيرانية بنشر التشيع واستهداف المذهب السني المالكي المعتمد رسمياً في البلاد.
هذه التهم المتعلقة بدعم جبهة البوليساريو عبر 'حزب الله' اللبناني بالأسلحة والعتاد، ومخطط نشر التشيع في المغرب، نفتها إيران جملة وتفصيلاً أكثر من مرة، وحاولت إبداء 'حسن نية' حيال المغرب لإعادة المياه إلى مجاريها بين البلدين، لكن المغرب ظل مصراً على قرار القطيعة لتأتي الحرب الحالية لترسخ هذا المسار أكثر.



































