×



klyoum.com
iraq
العراق  ٢٦ نيسان ٢٠٢٦ 

قم بالدخول أو انشئ حساب شخصي لمتابعة مصادرك المفضلة

ملاحظة: الدخول عن طريق الدعوة فقط.

تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

klyoum.com
iraq
العراق  ٢٦ نيسان ٢٠٢٦ 

قم بالدخول أو انشئ حساب شخصي لمتابعة مصادرك المفضلة

ملاحظة: الدخول عن طريق الدعوة فقط.

تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

موقع كل يوم »

اخبار العراق

»سياسة» المسلة»

علي المؤمن يكتب: لهذا أنا شيعي

المسلة
times

نشر بتاريخ:  السبت ٢٥ نيسان ٢٠٢٦ - ١٢:١٠

علي المؤمن يكتب: لهذا أنا شيعي

علي المؤمن يكتب: لهذا أنا شيعي

اخبار العراق

موقع كل يوم -

المسلة


نشر بتاريخ:  ٢٥ نيسان ٢٠٢٦ 

25 أبريل، 2026

بغداد/المسلة:

د. علي المؤمن

ولدتُ موحِّداً مسلماً، شيعياً إثني عشرياً، في أسرة علمية دينية علوية شيعية، وفي مدينة النجف التي تُعدّ عاصمة النظام الاجتماعي الديني الشيعي، ومقرّ المرجعية العليا للشيعة منذ ألف عام. ذلك هو الإرث الذي تلقيته عن أسرتي وبيئتي.

وقد تعزّز انتمائي العقدي والاجتماعي الديني بمرور السنين، حتى غدوت عضواً فاعلاً في هذا الجسد الكبير، عبر ممارسة العبادات والشعائر والطقوس، واتّباع المرجعية الدينية، وصولاً إلى الانتماء في أهم حزبٍ إسلامي شيعي في زمانه. وحين تلمّست مظاهر التمييز الطائفي ضد انتمائي الديني المذهبي داخل بلدي، ازداد تعلّقي بهذا الانتماء وترسّخ، ولا سيما بعد حضوري في رحاب الجمهورية الإسلامية الشيعية.

ثم انتقلتُ إلى مرحلة التكريس العلمي لهذا الانتماء؛ حين التحقت بالحوزة العلمية، ثم تابعتُ دراستي الجامعية القريبة من حقل الدراسات الإسلامية، وتخلّل ذلك نشاط ثقافي وفكري، ودراسة وتدريس، ومطالعة وكتابة وتأليف.

ومع كل ذلك، لم ينقطع عني دأب التأمّل والتفكير، ولا مواصلة البحث والمراجعة في قناعاتي وانتماءاتي التي وُلدتُ عليها ونشأتُ في إطارها، وكرّست حياتي من أجلها منذ أن وعيت على الدنيا. ولم يكن ذلك بدافع الشك النفسي أو القلق العقلي، بل بدافع التحقّق من مدى انسجام قناعاتي الموروثة والمكتسبة مع منهجي العلمي في الحياة؛ لتكون هذه القناعات قائمةً على العلم والدراسة والبحث، لا على مجرّد الوراثة والبيئة والتنشئة، ولا على الانسياق السياسي والاجتماعي والثقافي.

في عام 2004، كنت لا أزال مقيماً في بيروت، وقد بلغتُ الأربعين من عمري، فاستشعرت أني دخلتُ مرحلة منتصف العمر؛ مرحلة الذروة في النضج والتوهّج الفكري والعقلي، وكنت حينها قد نلت القبول في مرحلة الدكتوراه. عندئذٍ بدأت أعيد النظر في منظومة قناعاتي العقدية والدينية والمذهبية والسياسية، وقررت أن أتفرّغ لبحثها وفق منهجية علمية حديثة.

وبالفعل؛ تفرّغت لما يقرب من خمس سنوات، وتحديداً من عام 2005 حتى عام 2009، وهي الفترة التي تحرّرت فيها من أعباء العمل التنفيذي والإداري. ولهذا السبب، لم يصدر لي أي كتاب خلال المدة من 2006 حتى 2009؛ لانشغالي بالمطالعة المكثّفة والبحث العميق.

وفي مستهل هذه المرحلة، سعيت إلى (تبييض) عقلي – قدر المستطاع – من قبليّاته، فوضعت برنامجاً تفصيلياً منظّماً زماناً ومكاناً، وحدّدت أدوات البحث، من كتبٍ وبحوثٍ ومجلاتٍ ومنشوراتٍ وحوارات.

موضوعات البحث عن الحقيقة:

شملت الموضوعات التي خضتُ في دراستها ما يأتي:

1- مفهوم الألوهية، ووجود الله، وإمكان عدم وجوده، والربوبية، والوجودية، والإلحاد.

2- الأديان السماوية، وتحديداً: الهندوسية، والبوذية، والزرادشتية، والصابئية، واليهودية، والمسيحية والإسلام.

3- المعتقدات الأرضية، الدينية والفكرية والسياسية، ولا سيما: الطاوية، والكونفوشيوسية، والبهائية، والعلمانية، والليبرالية، والرأسمالية، والماركسية، والاشتراكية.

4- الفرق والمذاهب والطوائف الإسلامية، وخاصة: الأشعرية، والمعتزلية، والسلفية، والوهابية، والمذاهب السنية الستة، والمدرسة الشيعية الإثني عشرية بمختلف اتجاهاتها: الأصولية، والأخبارية، والشيخية، والعلوية، فضلاً عن المذهبين الإسماعيلي والزيدي، وصولاً إلى الدرزية والأحمدية.

وقد خصّصتُ دفاتر ملاحظات لكل موضوع من هذه الموضوعات، لأعود إليها عند الحاجة. ولم أحصر دراستي لهذا الطيف الواسع من العناوين الإلحادية والدينية والأيديولوجية في مدخل معرفي واحد، بل تناولتها من خلال حقول متعددة، تشمل: الفلسفة، واللاهوت، والعقائد، والتاريخ، وعلم الأديان المقارن، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، وصولاً إلى علوم الأحياء والفيزياء الكونية والإركيولوجيا.

وقمت بتوزيع الكتب والبحوث بين مكتبي في مركز دراسات المشرق العربي وبيتي، كما بادرت إلى مراسلة عشرات المؤسسات الدينية والبحثية في بلدان العالم للحصول على منشوراتها وكتبها ومجلاتها.

وكان عماد منهجي في المطالعة والبحث هو الرجوع إلى المصادر الأصلية للأفكار والمعتقدات والأديان والفرق والمذاهب، لا إلى ما كتبه خصومها عنها. نعم، كنت أراجع كتابات خصوم كل نظرية ورؤية ودين ومذهب؛ بقصد الوقوف على مواطن الضعف التي يركّزون عليها، ثم أعود إلى المصادر الأصلية لتلك المعتقدات، للتحقّق من صحة ما يطرحونه أو بطلانه، وأُجري بعد ذلك مقارنات تفصيلية دقيقة.

لقد كانت تلك الرحلة من أشقّ تجاربي الحياتية؛ رحلةً مضنيةً مرهقة، لكنها في الوقت نفسه ممتعة وعميقة الأثر، أشبه ما تكون بـ«الإرهاق اللذيذ». ولم يداخلني خوف – ولو للحظة – من النتائج التي قد أخلص إليها؛ لأنني عاهدت نفسي على تقبّل النتيجة أياً كانت.

مخرجات البحث عن الحقيقة:

بعد ما يقرب من خمس سنوات من المطالعة والبحث والمراجعة والتأمّل، تبلورت لديّ الصورة، وتحوّلت النتائج التي انتهيتُ إليها إلى ما يشبه اليقين والقطع العلمي العقلي المنهجي. عندئذٍ توقّفت عن البحث اليومي المنتظم والمكثّف، وانتقلت إلى المطالعة العامة وفق ما يقع بين يدي من كتب وبحوث ذات أهمية، وهي حالة لا تزال مستمرةً حتى الآن. وقد عكفت بعد عام 2015 على القيام بزيارات ميدانية إلى المعابد والكنائس والمساجد والتكايا والمراكز الدينية في عددٍ من دول العالم.

لقد خرجت من تلك الرحلة العقلية الشاقة والممتعة، بعد خمس سنوات، بجملة من القناعات، أعرضها هنا في خلاصة مكثفة ضمن اثنتي عشرة نقطة، من دون إيراد الأدلة والمصادر، تسهيلاً لقراءتها من قبل المتلقين، على أن تكون الأدلة والمصادر موضوع كتاب مفصّل قادم:

1- إنّ الوجود ينطوي على أسرار لا حدّ لها ولا حصر، وهذه الأسرار هي ما يُوصف بالغيب؛ أي كل ما لا يعلمه الإنسان ولا يدركه بحواسه ومداركه الطبيعية. وإنّ ما يعلمه الإنسان ليس إلا جزءاً يسيراً جداً مما يجهله، وما اكتسبه من معرفة عبر تاريخه قابلٌ للتراكم والتطوّر مع الزمن، بحيث يمكنه كشف المزيد من الأسرار التي كانت في عداد الغيب. ومن ثمّ، لا يصح اتخاذ التجربة أو التعقّل أو الحس أو المشاهدة أو الإدراك معياراً حصرياً للوجود والموجود، ذلك أنّ الحواس الإنسانية محدودة بطبيعتها، ولا تُدرِك إلا نطاقاً ضيقاً من الواقع.

فثمة أمور كثيرة جداً لم يكن في مقدور الإنسان أن يجرّبها، أو يعقلها، أو يتحسّسها، أو يشاهدها، أو يدركها قبل مائة ألف عام، أو عشرة آلاف عام، أو ألف عام، أو مائة عام، بل حتى قبل عشرة أعوام؛ غير أنّه تمكّن من ذلك تدريجياً بمرور الزمن، وعبر مسار الاكتشافات والاختراعات، ومن خلال عملية التحديث المتواصل للمعرفة الإنسانية. وهذا الحكم لا يقتصر على عالم المحسوسات فحسب، بل يمتدّ – من حيث المبدأ – ليشمل الوجود بأسره، بما فيه ما هو غير مرئي، وغير محسوس، وغير مُدرَك إدراكاً مباشراً، ولا سيما ما تحدّثت عنه الأديان من حقائق كبرى، كالخالق المطلق، والوحي، والآخرة، وسائر ما يتعلّق بعوالم الغيب.

وقد أظهر العلم الحديث، عبر أدوات القياس الدقيقة والتجارب المحكمة، أنّ الكون يفيض بكيانات ومجالات تتجاوز نطاق الإدراك الحسي المباشر، فهناك أشعة غير مرئية كالأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية والأشعة السينية، وموجات لا تسمعها الأذن البشرية كالموجات فوق الصوتية وتحت الصوتية، وأمواج الراديو والميكروويف، جميعها موجودة وواقعية، لكنها لا تقع ضمن دائرة الحواس الطبيعية. كما يثبت التاريخ العلمي أنّ كثيراً مما كان يُعدّ غيباً أو افتراضاً فلسفياً، صار لاحقاً واقعاً ملموساً؛ فالجراثيم الدقيقة والميكروبات، والذرة والجسيمات دون الذرية التي صارت حقيقة مثبتة عبر القرن العشرين، والموجات الكهرومغناطيسية، كلّها أمثلة على أنّ التجربة الحسية التقليدية محدودة ولا يمكن أن تكون معياراً مطلقاً للوجود.

ومن ثمّ، فإنّ معيار الحس والتجربة ليس إلا أداة ناقصة، تتطور وتتوسع بتقدم المعرفة، بحيث يتحقق ما كان في الماضي غيباً أو مجهولاً، ويصبح اليوم شاهداً وملموساً. وهذا يقودنا إلى إدراك أعمق للطبيعة الوجودية للكون، حيث أنّ الموجودات غير المرئية وغير المحسوسة وغير المعقولة لحواس الإنسان الأولية، تظلّ حقيقة قائمة، تدعو إلى التواضع أمام اتساع الوجود وغموضه، وإلى الاعتراف بأن اليقين الفكري والعلمي يتطلّب تجاوز حدود الحواس المباشرة، بما يتناغم مع مفاهيم الغيب في الأديان، ويؤكد على عظمة الخلق الإلهي ووحدة الكون وغايته العليا، التي تسبق الإدراك الحسي وتفوقه.

ويعضد ذلك القاعدتين العقليتين الثابتتين: «إنّ عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود» و«عدم العلم بالدليل ليس علماً بالعدم»؛ إذ إنّ الحكم بالعدم يحتاج إلى دليلٍ مستقل، ولا يكفي فيه مجرّد عدم العلم. كما أنّ الإمكان العقلي يقتضي أنّ كل ما لا يستلزم تناقضاً ذاتياً فهو ممكن، ووجود الغيب، بما فيه وجود الخالق أو العوالم غير المحسوسة، لا ينطوي على تناقض، فيبقى في دائرة الإمكان، فلا يجوز نفيه بلا برهان. وهذا كلّه ينسحب على مجمل الوجود، ولا سيما ما هو غير مرئي ولا محسوس ولا مُدرَك، وخصوصاً ما تحدّثت عنه الأديان، كوجود الخالق المطلق، والوحي، والآخرة.

2- إنّ الأدلة على وجود الله ووحدانيته، بوصفه الخالق المطلق للقانون الكوني وما يتفرّع عنه من تفاصيل، أدلةٌ لا حصر لها، ولا يمكن أن يكون الخلق عبثياً أو عشوائياً أو محض مصادفةٍ بلا غاية. ويقوم هذا المعنى على جملةٍ من البراهين العقلية؛ أوّلها دليل السببية، الذي يقرّر أنّ كل حادثٍ لا بد له من سبب، والكون حادثٌ لتغيّره وخضوعه للزمان، فلا بد له من علّة خارجة عنه، غير خاضعة لقوانينه. ويؤكّد ذلك دليل استحالة التسلسل اللانهائي؛ إذ لو كانت سلسلة الأسباب ممتدة إلى ما لا نهاية، لما تحقّق وجود شيءٍ في الخارج، لأن تحقق المعلول يتوقف على اكتمال علّته، ولا يمكن اكتمال ما لا نهاية له، فلا بد من علّة أولى واجبة الوجود.

ويعضد ذلك أيضاً دليل النظام والإحكام؛ إذ إنّ الكون قائم على قوانين دقيقة وثوابت مضبوطة، ولو اختلّت أدنى اختلال لما استقامت الحياة ولا استمر النظام، وهو ما يدل على وجود عقل منظِّم، لا على فوضى عمياء. كما أنّ دليل الغائية ينفي العبث؛ لأن الانتظام المستمر والقابل للفهم والتكرار يدل على حكمةٍ وغاية، إذ العبث لا يُنتج نظاماً ثابتاً.

أما وحدة هذا الخالق، فتدلّ عليها وحدة النظام الكوني وانسجامه؛ إذ لو تعددت الإرادات الإلهية لتعارضت، ولأدّى ذلك إلى اختلال النظام، وهو ما لا نشهده في الواقع، مما يدل على وحدة المدبِّر، وأن هذا القانون الكوني يعمل ضمن ديناميكية عميقةٍ مفعمة بالأسرار.

3- إنّ الإلحاد والشرك والعبثية والعدمية ليست إلا تصورات ذهنية بشرية، لا تقوم على أدلةٍ تامة، بل ترجع في جوهرها إلى قصور العقل الإنساني عن الإحاطة بأجوبة شافية لأسئلته الوجودية؛ فينحرف نحو أيديولوجياتٍ بعينها، طلباً للاستقرار الذهني، ومتوهِّماً أنه قد بلغ الحقيقة. ويؤكد ذلك أنّ التفسيرات الإلحادية تقف عاجزةً عن تقديم جواب نهائي عن أصل الوجود وعلّته وغاياته، فتكتفي بإرجاع الظواهر إلى المادة، دون تفسيرٍ لوجود المادة نفسها أو القوانين التي تحكمها. كما أنّ كثيراً من هذه الطروحات ينطوي على تناقض معرفي؛ إذ تنفي إمكان الوصول إلى الحقيقة المطلقة، ثم تدّعي – في الوقت نفسه – صحة موقفها بوصفه حقيقة.

ويضاف إلى ذلك الدليل الوجودي، المتمثّل في أنّ الإنسان مفطور على البحث عن المعنى والغاية، والأنظمة العدمية لا تقدّم تفسيراً مقنعاً لهذه النزعة الفطرية، بل تفضي إلى إفراغ الوجود من قيمته. كما أنّ كثيراً من المواقف الإلحادية لا تنشأ من بحث محايد، بل من ردود فعل نفسية أو اجتماعية أو تاريخية، ثم تُصاغ لاحقاً في قالب فكري.

وأخيراً، يظل الإلحاد موقفاً ظنياً، وما يُلزم أي نفي مطلق هو برهان قاطع لا يقبل الشك، وبرهان كهذا لم يستطع العقل البشري ولا التجربة العلمية توفيره. ومن ثمّ، أي موقف يقوم على التشكيك وحده، مهما بدا منهجياً، يبقى في دائرة الاحتمال، لا في دائرة البرهان اليقيني، إذ أن الشك، بطبيعته، لا يصنع يقيناً. وعليه، فإن الإلحاد هو خيار ذهني وفلسفي شخصي، يتحدد بحدود التجربة والمعرفة، أكثر منه نتيجة علمية أو يقيناً عقلانياً، مما يبيّن محدودية هذا الموقف أمام اتساع الكون وتعقيد الموجودات، ويفتح المجال للإيمان اليقيني الذي يستند إلى العقل والتجربة والملاحظة والتفكر في أسرار الخلق.

4- إنّ من مقتضيات القانون الكوني الغائي، أنّ للوجود الإنساني مآلاً آخر يتجاوز حدود الحياة الدنيا، تتجلّى فيه إحدى أهمّ صور العدالة؛ إذ يستحيل، في ميزان العقل والعدل، أن يتساوى الظالم والمظلوم، والمحسن والمسيء، والمجرم والبريء، من غير فصلٍ حاسمٍ يُنصف فيه صاحب الحق ويُجازى فيه صاحب الباطل. ومن ثمّ، فإنّ القول بعدم وجود يومٍ آخر للحساب والثواب والعقاب، يفضي حتماً إلى إعادة إنتاج العبثية واللا غائية في الوجود. وعليه، فإنّ الإيمان بالله وقانونه، يستلزم بالضرورة الإقرار بوجود تقويم نهائي شامل لأفعال الإنسان، خيرها وشرّها، وعلى أساس هذا التقويم يتحدّد المصير الذي تؤول إليه تلك الأفعال.

ويعزز هذا المعنى دليل العدالة العقلية؛ إذ إنّ العقل يحكم بقبح الظلم وحسن العدل حكماً بديهياً، ولا يمكن أن يُتصوّر نظام كوني قائم على الحكمة، ثم يترك الظلم بلا جزاءٍ نهائي. كما يدل عليه دليل الغاية؛ فإنّ كل منظومة غائية محكمة لا بد أن تنتهي إلى مآل يحقّق مقاصدها، وإلا كانت ناقصة في بنيتها.

ويؤكّد ذلك أيضاً دليل عدم كفاية الدنيا للجزاء؛ إذ الواقع يشهد بأنّ كثيراً من الظالمين لا يُعاقَبون، وكثيراً من المظلومين لا يُنصَفون في هذه الحياة، فلا بدّ من نشأةٍ أخرى تُستكمل فيها العدالة. ويُضاف إلى ذلك دليل التناسب بين الفعل والجزاء؛ فإنّ أفعال الإنسان ذات أبعاد أخلاقية عميقة لا يمكن استيفاء آثارها في عمر محدود، مما يقتضي امتداداً وجودياً آخر لتمام المحاسبة.

5- إنّ الحساب والتقويم النهائي لا يمكن أن يتحقّق على نحو عادل ومنضبط، من دون إبلاغ الإنسان سلفاً بالتعاليم والواجبات التي يُحاسَب على أساسها؛ إذ لا يُتصوّر عقلاً تكليفٌ بلا بيان، ولا مؤاخذةٌ بلا إقامة حجّة.

ومن هنا، كانت ضرورة وجود المبلّغين البشريين، وهم الأنبياء أو ما يقابل هذا العنوان في سائر التعبيرات، الذين يتولّون إيصال رسالة الخالق إلى الناس، ضمن سلسلة متتابعة تُجسّد الامتداد التاريخي لهداية السماء. وبهذا المعنى، فإنّ الغاية من الخلق لا تستقيم إلا بوجود هذه الحلقات المتصلة من البلاغ الإلهي، وهي عين الحكمة في بعثة الأنبياء إلى البشر.

ويؤيّد ذلك دليل اللطف الإلهي؛ إذ إنّ الحكمة تقتضي تهيئة أسباب الهداية للإنسان بما يقرّبه من الغاية التي خُلق لها، ومن أبرز تلك الأسباب إرسال المبلّغين. كما يدلّ عليه دليل قبح العقاب بلا بيان، وهو من القواعد العقلية الراسخة، حيث يمتنع مؤاخذة الإنسان على ما لم يُبيّن له.

ويُضاف إلى ذلك دليل الحاجة المعرفية؛ فإنّ العقل الإنساني، رغم قدرته على إدراك الكليات، يعجز عن تفصيل منظومة القيم والتشريعات بما يحقّق الغاية الكاملة، فيحتاج إلى وحي مسدّد. كما يؤكّد دليل التاريخ الديني تكرار ظاهرة النبوة عبر العصور، بما يعكس ضرورتها الوظيفية في بنية الاجتماع الإنساني.

6- إنّ محمداً بن عبد الله هو المبلِّغ الخاتم، وإنّ الإسلام يمثّل خاتمة الأديان الإلهية، وشريعته هي الشريعة الكاملة التي ختم الله بها مسيرة التشريع. ولم تكن شريعة النبي محمد مجرد منظومة روحية تربط الإنسان بخالقه فحسب، بل هي بناء حضاري متكامل، يُعنى بتنظيم حياة الإنسان والمجتمع في مختلف أبعاده: العبادية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية. ومن ثمّ، فقد جمع النبي محمد بين وظيفة التبليغ الديني والقيادة الزمنية، فكان إماماً في الدين والدنيا معاً، جامعاً بين الهداية الروحية وإدارة الشأن العام. ويؤكّد دليل وحدة القيادة أنّ الجمع بين البعد الروحي والسياسي في شخصية النبي ينسجم مع طبيعة الإنسان المركّبة، التي لا تنفصل فيها القيم عن الواقع.

ويُستدل على خاتمية الإسلام بدليل اكتمال البنية التشريعية؛ إذ إنّ الشريعة التي تستوعب جميع مجالات الحياة وتضع أصولاً مرنة صالحةً للتطبيق عبر الأزمنة، تكون أقرب إلى الكمال الختامي. كما يتجلى من دليل الاستمرارية التاريخية، عدم ظهور أي نظام ديني شامل بعد الإسلام يمكن أن يقدم بديلاً متكاملاً يتفوق عليه في العمق أو الصلاح أو البيان. ولو لم يكن الإسلام دين الخاتم، ونبيّه محمد هو المبلّغ الخاتم، لكان قد ظهر بعده دين أو نبي أعمق وأكمل، يحقق الغاية من الرسالة الإلهية على نحو أوضح.

ويضاف إلى ذلك دليل الجمع بين الثبات والتغيّر، إذ يجمع الإسلام بين الثوابت التي تحفظ الهوية والروح الأصلية للدين، وبين الأصول الاجتهادية التي تسمح بالتكيف مع متغيرات الزمان والمكان، فتصبح الشريعة الإسلامية متجددة في التطبيق، راسخة في المبدأ، تعكس نضجاً تشريعياً فريداً ونهائياً، يجمع بين الحكمة الدائمة والمرونة العملية، بما يحقق انسجام الدين مع مقتضيات الحياة البشرية عبر العصور.

7- إنّ القرآن الكريم هو كلام الله المنزل على نبيه محمد، وأنّ ما تضمّنه من عقائد وتعاليم وتشريعات، عبادية وغير عبادية، يمثّل منظومةً متكاملةً واجبة الاتّباع، نظرياً وعملياً، من غير زيادة تفضي إلى التحريف، ولا نقصان يفضي إلى التعطيل؛ إذ إنّ حجيّته قائمة بذاته، بوصفه النص المؤسِّس والمرجع الأعلى في البناء العقدي والتشريعي.

ويعزّز ذلك دليل الإعجاز البياني والمعرفي؛ إذ جاء القرآن بنظم لغوي ومعرفي متفرّد يتجاوز القدرة البشرية في سياقه التاريخي. كما يدل عليه دليل الاتساق الداخلي؛ حيث يخلو من التناقض رغم امتداده الموضوعي الواسع. ويُضاف إلى ذلك دليل الأثر الحضاري؛ إذ أحدث القرآن تحوّلاً عميقاً في بنية الإنسان والمجتمع، وهو ما يعكس قوّة مصدره. كما يؤكّد دليل الحفظ والاستمرار بقاء النص عبر القرون من غير تحريف، وهو ما يعضد دعوى مرجعيته العليا.

8- إنّ علي بن أبي طالب يمثل النموذج الأكمل للمسلم في تجسيده العملي للقيم الإسلامية، بما انفرد به من خصائص علمية وروحية وسلوكية، وهو في هذا الإطار وصي رسول الله وخليفته المعيّن بالنص بلا فصل، والمفسّر الأوثق للقرآن والسنة، لما امتلكه من إحاطة علمية ومعرفة عميقة بأسرار التشريع ومقاصده، وقدرة على الجمع بين فهم النصوص وأبعادها النظرية والعملية، بما يحقق وحدة الدين ومرجعية فكرية مستقرة.

كما يظهر دليل الكفاءة الأكمل، إذ إن القيادة الدينية بعد النبي تتطلب أعلى درجات العلم والعدالة والقدرة على الاستنباط والعمل، وقد ظهر علي تميزاً في هذه الصفات بوضوح، حيث جمعت شخصيته بين العلم اليقيني واليقين العلمي، والحكمة النظرية والقدرة العملية، بما يتوافق مع المعايير العقلية والفلسفية للقيادة الرشيدة والعدل الشامل.

ويضاف إلى ذلك دليل الاستمرارية التفسيرية، فلا يمكن ترك النص المؤسس بلا مفسّر موثوق، إذ أن النصوص الدينية تحتاج إلى من يفسّرها تفسيراً عميقاً يحفظ المعنى والمقصد ويمنع التأويل العشوائي أو الانحراف، وهذه الحاجة العقلية والتاريخية للمرجعية التفسيرية تكشف أنّ علي كان الأقدر على أداء هذا الدور، بما يضمن استمرار الرسالة دون تحريف.

ويعزز دليل القرب المعرفي والوجودي هذا الأمر، فالملازمة الخاصة للنبي منحته اطلاعاً مباشراً على مقاصد التشريع وسنن الوحي، وهو ما يعكس امتداد التجربة المعرفية المباشرة مع المصدر الإلهي، ويؤكد أن القدرة على استيعاب المعارف العقدية والشرعية العليا تتطلب مشاركة وجودية مباشرة مع مبدعها، ما يفسر عمق فهم علي وسبق معرفته في كل جانب من جوانب الدين. وتكمن وحدة فهم القرآن والسنة في منع التشتت في تطبيق النصوص الشرعية، وضمان انسجام المجتمع واستمرارية الرسالة عبر الأجيال، فوجود علي كمفسّر ووصي ونموذج للقيادة يجسد هذه الحاجة عملياً ويؤكد العلاقة المتينة بين العلم الشرعي والتجربة الحياتية.

كما يشير دليل الجمع بين العلم والفضيلة إلى امتياز علي بدمج المعرفة العلمية والفكرية مع القيم الأخلاقية والعدالة الاجتماعية، ما يجعله نموذجاً متفرداً للقيادة المتكاملة، حيث لا يقتصر الفهم على الجانب المعرفي فقط، بل يشمل التطبيق العملي الذي يعكس الثبات الأخلاقي والاجتماعي. ويظهر دليل التأصيل التاريخي والاجتماعي أن الإمام علي حافظ على وحدة الأمة وصلاحها، ونجح في تجسيد المقاصد الإلهية في واقع متغير ومعقد، بما يعكس قدرة قيادية فائقة على التكيف مع متطلبات الواقع دون المساس بالثوابت العقائدية. ويضيف دليل استمرارية التأثير بُعداً آخر، إذ أن معرفة علي وبصيرته التفسيرية والعقدية لم تقتصر على زمانه، بل امتدت لتشكل مرجعية مستمرة للأمة عبر الأجيال، ما يؤكد أن شخصيته العلمية والعملية كانت مزيجاً من الثبات والتجدد، وهو معيار فلسفي وعقلي للقيادة المتفردة.

هذه الأدلة مجتمعة، مع النص النبوي الصريح، تؤكد مركزية علي بن أبي طالب كنموذج متفرد للقيادة الدينية والمعرفية والروحية، تجمع بين العقل والوجدان، بين العلم والعمل، بين الثبات والتكيّف، وتوضح أنه المرجعية الأمثل لفهم الدين وحفظه وتطبيقه بما يحقق غاية الخلق ومراد الشريعة، ولقيادة الأمة ودولة الإسلام بعد النبي مباشرة.

9- إنّ الامتداد الطبيعي لهذا الموقع القيادي، قد تجسّد في سلسلة متصلة من الأئمة الذين أوصى بهم رسول الله لخلافته وإمامة المسلمين بعد الإمام علي بن أبي طالب تباعاً، وهم: الحسن بن علي، ثم الحسين بن علي، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، وخاتمهم محمد بن الحسن المهدي. وهؤلاء هم أئمة الدين والدنيا، وإن لم تتوافر لأغلبهم ظروف إمامة الدولة وإدارة السلطة السياسية.

ويعزّز ذلك دليل التسلسل القيادي المنظّم؛ إذ إنّ الحكمة تقتضي استمرار المرجعية بعد النبي في إطار واضح غير فوضوي. كما يدل عليه دليل حفظ الشريعة؛ إذ إنّ وجود أئمةٍ متتابعين يحفظ نقاء التعاليم من التحريف. ويُضاف إلى ذلك دليل وحدة المنهج؛ حيث يظهر الانسجام العلمي والروحي بين هؤلاء الأئمة، بما يدل على وحدة المصدر. كما يؤكد دليل الحاجة الاجتماعية إلى قيادة مرجعية ثابتة تحفظ توازن المجتمع الديني.

10- إنّ ولادة الإمام الثاني عشر، محمد بن الحسن المهدي، وحياته تمثّل حقيقة يقينية ضمن هذا البناء العقدي، وأنه خلال المرحلة الأولى من حياته التي امتدت قرابة سبعين عاماً، كان على صلة مباشرة بنوّابه الأربعة وببعض معتمديه، في إطار نظام خاص من التواصل والتمثيل. ويُستدل على ذلك بدليل الإمكان العقلي، إذ لا يوجد أي تناقض منطقي في افتراض امتداد العمر أو خفاء الشخص مع استمرار دوره وفاعليته ضمن النظام الإلهي للبشر. كما يدعمه دليل الشهادة التاريخية المنقولة عبر جماعات متعددة، بما يقترب من التواتر المعنوي، حيث تواتر الروايات والأخبار حول وجوده واتصاله بالنوّاب في مختلف المناطق، ما يعزز صدقية الحدث من منظور علمي للمنهج التاريخي. ويُضاف إلى ذلك دليل الوظيفة العقدية، إذ إن استمرار الحجة الإلهية في الأرض ينسجم مع مبدأ الهداية المستمرة للبشر، وهو مبدأ يتفق مع منطق النظم الكونية القائمة على الاستمرارية والتسلسل في العناية الإلهية. كما يؤكد دليل النظم التمثيلية أن وجود شبكة من النواب والمديرين المعتمدين ينسجم مع طبيعة إدارة الغياب المنظّم، حيث يمكن لنظام مركزي محكم، قائم على التمثيل والتفويض، أن يضمن استمرار القيادة، ويحقق الفاعلية العملية في غياب الإمام، بما يتوافق مع قواعد الإدارة الحديثة ونظريات النظم الاجتماعية والوظيفية التي أثبتتها العلوم التجريبية والاجتماعية الحديثة.

وككثير من المعتقدات الدينية المستندة ـ في إيمان المؤمن بها ـ إلى قاعدة الغيب، فإنّ الأصل في الإيمان بوجود الإمام المهدي الغائب، وإنّه حي يرزق، وبظهوره وعصره، هو الإعجاز الغيبي. وحقيقة الأُمور الغيبية هي في علم الله، ويبقى العقل البشري قاصراً عن معرفة حقيقة حكمته في خلقه وشرائعه وعقائده، وفي الظواهر التي يتحكم بها، كما أنّ العقل قاصر عن فهم ملايين الظواهر الكونية والأرضية، بل قاصر عن التوصل إلى حل أبسط المشاكل التي لا تزال تقض مضجع البشرية. وعدم رؤية الظواهر والوقائع، وعدم الإحساس بآثارها أو عدم فهم أسرارها، لا يعني عدم وجودها وعدم فائدتها وعدم أهميتها، بل يعني أنّ عقلنا لم يتوصل بعد إلى وعيها وحل ألغازها وأسرارها. أمّا لماذا لم يتوصل العقل البشري؟ فهي حكمة أُخرى وسر آخر من أسرار الله في خلقه، كما ذكرنا في فقرة سابقة.

ويؤمن المسلمون، بما شرّعه الله في كتابه الكريم، وبما أشار إليه الحديث من عقائد وأحكام، ويتعبدون بها، حتى وإن لم تتوصل عقولهم إلى إدراك أسرارها، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، ومنها سر بعثة الرسول الخاتم في مكة وليس في الهند مثلاً، وأنّ هذا النبي عربي وليس صينياً، وأنّ نسله من ابنته السيدة فاطمة وليس من أولاده الذكور الذين درجوا في حياته. ثم أسرار واقعتي الإسراء والمعراج وحقيقتهما، وحكمة أنّ عدّة الصوم ثلاثين يوماً وليس عشرين يوماً، وأنّه يقع في شهر رمضان وليس شعبان، وأنّ صلاة الصبح ركعتان والمغرب ثلاثة وليس العكس، وأنّ الطواف حول الكعبة سبعة أشواط وليست خمسة، وأنّ عدد أئمة آل البيت اثنا عشر وليسوا تسعة.

نعم، هناك آراء كثيرة حول أسرار هذه الوقائع والمعتقدات والأحكام وعللها ومقاصدها، لكنها ليست بالضرورة كاشفة عن العلة الحقيقية التي يعلمها الله فقط، ولم يتوصل العقل إلى حكمتها حتى الآن. وبما أنّ جوهر الدين هو الإيمان بالغيب والإعجاز الإلهي، فيجب أن يتعبّد المسلم بكل أحكامه ومعتقداته، وليس ببعضها دون الآخر. وبالتالي، تأتي المقاربات البشرية، عبر الأدلة النقلية أو العقلية والفلسفية؛ للتوصل النسبي إلى عللها وكنهها وحقائقها وآثارها، ومنها موضوع الإمام المهدي، وهو ما اجتهد فيه كثير من علماء المسلمين والباحثين، منذ بدء غيبته الصغرى في العام وحتى الآن.

وإذا كانت الأدلة النقلية التي تتطابق مع عنصر الإعجاز الغيبي، تؤكد أنّ الوجود الزمني للإمام المهدي في عصر الغيبة واجبٌ، وظهوره حتمي، وعصره لا بدّي، وأنّ عدمه ممتنع ومحال، وأنّ حالات نظيرة أُخر، لا تزال قائمة أيضاً منذ آلاف السنين، كعمر نوح وغيبة الخضر وعروج عيسى، وأنّ الخضر حي يرزق في الأرض، فإنّ الأدلة العقلية، الكلامية والفلسفية، بما فيها الدليل الاستقرائي، تقود إلى أنّ غياب الإمام المهدي وطول عمره ممكن، ولا يتعارض مع الفرضيات العقلية والفلسفية، بل إنّها تعضِّد وجوده وظهوره.

11- إنّ النيابة عن منصب الإمام، في عصر غيابه، قد آلت إلى النواب العامين، وهم علماء الشريعة من المحدّثين والفقهاء، الذين يمثّلون الامتداد الوظيفي للقيادة الدينية والاجتماعية في المجتمع الشيعي، كلٌّ في عصره، وقد استقرّ الاصطلاح لاحقاً على تسميتهم بـ«المراجع»، بوصفهم مرجعيةً علميةً وعمليةً للتقليد والاتباع.

وفضلاً عن النصوص الواردة عن النبي محمد والأئمة في هذا المجال؛ فإن ما يُعزِّز ذلك دليل الضرورة الاجتماعية؛ إذ لا يمكن أن يستمر مجتمع ديني بلا مرجعية تنظّم شؤونه. كما يدل عليه دليل التخصص المعرفي؛ إذ إنّ فهم النصوص واستنباط الأحكام يحتاج إلى خبرةٍ علميةٍ عميقة. ويُضاف إلى ذلك دليل التفويض العقلائي؛ حيث يرجع الناس في شؤونهم المعقّدة إلى أهل الخبرة. كما يؤكّد دليل الاستمرارية أنّ هذا النظام يوفّر امتداداً عملياً للقيادة في زمن الغياب.

12- إنّ الشريعة الإسلامية قد فوّضت المسلمين، في كل زمان ومكان، بممارسة الاجتهاد في استنباط النظريات والنظم التي تنظّم حياتهم وعلاقاتهم، مع الاستفادة من تجاربهم التراكمية، ومن الخبرة الإنسانية العامة، شريطة أن تنسجم هذه الاجتهادات مع واقعهم، وألّا تتعارض مع الثوابت القطعية المستمدة من القرآن الكريم والصحيح من السنة.

ويُستدلّ على ذلك بدليل مرونة النص الإسلامي؛ إذ إنّ النصوص الكلية تحتاج إلى تفعيلٍ اجتهادي لمواكبة المتغيرات. كما يدل عليه دليل تغيّر الموضوعات؛ إذ إنّ الوقائع المستجدة تفرض استنباط أحكام جديدة ضمن الأصول. ويُضاف إلى ذلك دليل العقل العملي؛ الذي يقتضي تنظيم الحياة وفق أفضل ما يصل إليه الإنسان من خبرة ومعرفة. كما يؤكّد دليل التوازن بين الثابت والمتغيّر أنّ بقاء الشريعة فاعلةً يقتضي الجمع بين الأصول الثابتة والتطبيقات المتجدّدة.

الخاتمة.. اليقين بالثوابت لا يعني القبول بكل المتغيرات:

لا أخفي سراً أنّ قناعاتي العلمية الراسخة بهذه المبادئ العقدية، لا تعني – بحالٍ من الأحوال – التسليم المطلق بجميع تفاصيلها الموروثة، ولا الانقياد غير النقدي لكل ما تراكم حولها عبر التاريخ من شروح وتأويلات وتطبيقات. ذلك أنّ التمييز بين «جوهر العقيدة» بوصفه بنيةً معرفيةً تأسيسيةً ثابتة، وبين «تمثّلاتها التاريخية» بوصفها إنتاجاً بشرياً نسبياً، يُعد ضرورة منهجية لا غنى عنها لكل مقاربة علمية ناضجة.

فالثوابت العقدية الكبرى، كالتوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد، وكذلك الثوابت التشريعية وأحكامها المنصوص عليها في القرآن الكريم والصحيح من سنة النبي وآل بيته، تمثّل مرتكزات فوق تاريخية، تتسم بدرجة القطع واليقين، لأنها مؤسّسة على نصوص أصلية قطعية الدلالة، ومدعومة ببراهين عقلية متماسكة. أما التفاصيل المتفرّعة عنها، في مجالات التنظير الكلامي، والتقعيد الفقهي، والتدوين التاريخي، والتشكّلات الطقوسية، فهي – في الغالب – نتاج تفاعل معقّد بين النصّ والواقع، وبين المقدّس والبشري، وبين الثابت والمتغيّر، وهو تفاعل تحكمه شروط الزمان والمكان، وتؤثر فيه السياقات الثقافية والسياسية والاجتماعية.

ومن هنا، فإنّ التعاطي العلمي مع هذا التراث يقتضي اعتماد منهج نقدي تحليلي، يقوم على تفكيك البنى المعرفية، وتمييز ما هو تأسيسي قطعي عما هو اجتهادي ظني، وإخضاع الموروث – في مستوياته المختلفة – لمعايير الفحص العقلي، وقواعد الاستدلال العلمي، ومناهج التحقيق التاريخي.

ويعني هذا أنّ بعض ما استقرّ في الوعي الجمعي من تصورات أو ممارسات، قد لا يكون بالضرورة معبّراً عن صميم العقيدة، بل قد يكون تعبيراً عن قراءة مخصوصة لها، أو عن استجابة ظرفية لواقع معيّن. وعليه، فإنّ الحفاظ على نقاء العقيدة لا يتحقّق بالجمود على كلّ ما ورثناه، بل بالقدرة على غربلته، وإعادة بنائه ضمن رؤيةٍ علميةٍ متجدّدة، تُبقي على الثوابت، وتُعيد النظر في المتغيّرات، بما ينسجم مع مقاصد الدين الكبرى، ومع تطوّر الوعي الإنساني، من غير تفريطٍ بالأصول، ولا انجرافٍ مع النسبية المطلقة.

وهذا العمل النقدي والتصحيحي والتجديدي يُعد عملاً علمياً تخصصياً دقيقاً، لا يمارسه إلا من بلغ مرتبة الاختصاص العميق وفهم قواعده ومناهجه وسياقاته، وهم المحدثون والفقهاء وعلماء الأصول والدراية والرجال، لما يمتلكونه من أدوات منهجية دقيقة تمكّنهم من التحقق من صحة النصوص ورصد الأخطاء وإعادة صياغة الفهم بما يتوافق مع المقاصد.

ويستند ذلك إلى دليل العقل والمنطق، إذ لا يمكن لأي فرد يفتقد إلى المعرفة الكاملة بالمبادئ والمنهجية أن يصدر حكماً موضوعياً دون الانحراف عن الحقيقة، كما تثبته فلسفة العلوم التي تؤكد أنّ التخصص ضرورة لكل حقل معرفي لضمان الدقة والموثوقية. ويدعمه دليل الخبرة التجريبية، إذ أن العلوم الدقيقة، سواء كانت طبيعية أو تطبيقية أو إنسانية، تثبت أن النجاح في معالجة الظواهر المعقدة يتطلب معرفة متعمقة بالأسس والمناهج، لا مجرد اجتهادات شخصية أو أهواء. ويؤيده الدليل الديني والعقدي، إذ أنّ النصوص الشرعية تتطلب من العلماء المختصين إعمال الفكر والاجتهاد وفق ضوابط دقيقة، لاسيما في التفسير والفتوى والحكم، بما يحفظ وحدة الدين وسلامة الفهم، ويحول دون الانحراف والاختلاف العشوائي الذي قد ينشأ عند غير المختصين. وبالتالي، فإن العلوم الدينية، شأنها شأن كل المجالات العلمية الأخرى، ليست ساحة للتخمين أو المزاج الشخصي، بل هي ممارسة منهجية رصينة تتطلب تأهيلاً معرفياً عالياً واحترافاً متخصصاً.

ولهذا، وبناءً على كل ما تقدّم من حديث، فإن البحث الطويل المعمق، المقرون بالمقارنات الدقيقة والشاملة، لمختلف المنظومات الدينية والفكرية؛ أوصلني إلى قناعة عقلية وقلبية معاً، بأنّ وجود الله وتوحيده، بوصفه رؤيةً كونيةً شاملة، يقدّم تفسير فريداً متسقاً للوجود، من حيث الأصل والغاية والنظام، وأنّ الإسلام، بوصفه الدين الخاتم المنزل على النبي الخاتم، يوفّر الإطار التشريعي والقيمي المتوازن بين الثبات والتغيّر، وبين الفرد والمجتمع، وبين الروح والمادة، وأنّ التشيّع الإثني عشري يمثل القراءة التاريخية والعقدية والفقهية الصحيحة للإسلام، ويقدّم النموذج المنسجم في مسألة الامتداد القيادي والمعرفي بعد النبوة، من خلال نظريته في الإمامة، بما تحمله من ضمانات لحفظ النص، واستمرار الهداية، وتوازن السلطة المعنوية مع الواقع التاريخي.

ولا يشكّل هذا الاختيار انغلاقاً داخل هوية مسبقة، بل انفتاحاً واعياً على الحقيقة كما توصلت إليها، ولم يكن تعبيراً عن يقين جامد، بل عن يقين حي قابلٍ للمراجعة في تفاصيله، ثابت في أصوله، وهو يقين يرى في التوحيد والإسلام والتشيع الطريق الأقوم، الذي يحقّق غاية الخلق، ويمنح الوجود معناه، ويؤسّس لانسجام عميق بين العقل والوحي، وبين الإنسان والكون، وبين الحاضر والمآل.

ولم يتم تشكيل هذه القناعة بوصفها امتداداً تلقائياً للإرث الاجتماعي أو الانتماء الموروث، بل بوصفها نتيجةً لعملية اختيار واع، مرّت بمراحل الشكّ المنهجي، والاختبار المعرفي، والمقارنة الفلسفية، وصولاً إلى بناء يقين مركب يجمع بين البرهان العقلي والاطمئنان الوجداني.

About Post Author

زين

See author's posts

علي المؤمن يكتب: لهذا أنا شيعي
موقع كل يومموقع كل يوم

أخر اخبار العراق:

خطة من 3 محاور في العراق لسد عجز يتجاوز 3 ملايين وحدة سكنية

* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.

موقع كل يوم
4

أخبار كل يوم

lebanonKlyoum.com is 2368 days old | 171,625 Iraq News Articles | 3,054 Articles in Apr 2026 | 8 Articles Today | from 23 News Sources ~~ last update: 6 min ago
klyoum.com

×

موقع كل يوم


لايف ستايل