اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣٠ أب ٢٠٢٦
تشهد البلاد تنامياً في الاحتيال الإلكتروني على عملاء البنوك والاستيلاء على بيانات جهات حكومية منها الضرائب والضمان الاجتماعي
يتعرض المغرب أخيراً لسلسلة واسعة من الهجمات السيبرانية الدقيقة، يتم من خلالها السطو على بيانات شخصية من مؤسسات عمومية وخاصة، ومن ثم نشر معطيات يكون جانب منها حساس جداً، وفي وقت لم يتم تحديد هوية الجهة المسؤولة عن تلك الهجمات، يبدو الأمر حسب مراقبين وكأنه ابتزاز سياسي موجه للسلطات المغربية، وتشهد البلاد جراء تلك الهجمات تنامياً في عمليات احتيال محلية على عملاء البنوك ومصالح الضرائب والضمان الاجتماعي.
وشهد المغرب خلال النصف الأول من عام 2025 حوالى 20.7 مليون محاولة اختراق لأنظمة المعلومات، منها 15 مليون تهديد محلي، و6 ملايين هجوم مرتبط باستخدام الإنترنت، إضافة إلى 800 ألف استغلال لثغرات برمجية، و390 ألف محاولة لسرقة بيانات اعتماد من قبل أدوات (stealers)، كما تم رصد 2.1 مليون هجوم عبر بروتوكول الاتصال عن بُعد (RDP)، و230 ألف حالة استخدام لبرمجيات تجسس، بحسب إحصاءات شركة 'كاسبر سكاي'.
من ناحيتها، كشفت شركة 'مايكروسوفت' أن المغرب كان هدفاً لـ12.6 مليون محاولة هجوم سيبراني خلال عام 2024، مما يعني أنه ضمن أكثر الدول استهدافاً في شمال أفريقيا، وأوضحت الشركة أن موجة تلك الهجمات تختلف جذرياً عن سابقاتها، بفعل استخدام الذكاء الاصطناعي في هجمات أكثر دقة وواقعية، وانتشار واسع للهويات الرقمية المزورة وتقنيات التسلل المتخفية، مشيرة إلى أنه بين يوليو (تموز) 2024 ويونيو (حزيران) 2025، تم رصد 26 هجوماً تقوده جهات أجنبية تستهدف مؤسسات حكومية، وقطاعات حيوية، كالبنوك والاتصالات والجامعات والمنظمات غير الحكومية.
شهد العامان الأخيران تعرض وزارات ومؤسسات عمومية (الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ومصلحة الأملاك العقارية...) وخاصة مغربية إلى هجمات إلكترونية متطورة، وتحملت مجموعة تطلق على نفسها 'جبروت' المسؤولية على جانب منها، وقامت بنشر مجموعة من المعطيات الشخصية الحساسة لمسؤولين حكوميين وسياسيين مغاربة منها وثائق شراء عقارات باهظة الثمن، وتفويت أخرى لأفراد من عائلتهم، وكذا أجور مسؤولين كبار.
وفي وقت لم يتم التوصل لهوية تلك المجموعة، لا يزال الجدل بين من يرجح أن تكون محلية، وبين من يؤكد أنها من تخطيط دولة معادية، فيما يؤكد جانب منهم أن الأمر أصبح يهدد الأمن القومي للبلاد.
يوضح الباحث المتخصص في الأمن السيبراني، حسن خرجوج، أن قضية المعطيات الشخصية في المغرب لم تعد مجرد إشكال تقني مرتبط بحماية الخوادم، بل أصبحت مسألة أمن اقتصادي واجتماعي وقومي، لأن تجميع قواعد بيانات ضخمة خاصة بالمواطنين يجعلها ذات قيمة كبيرة بالنسبة للمعلنين والمحتالين والشبكات الإجرامية، وحتى للجهات التي تمارس التجسس أو التأثير السياسي.
وأشار خرجوج إلى أن واقعة اختراق بيانات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تشكل مثالاً واضحاً على خطورة هذا النوع من الحوادث، إذ أكدت المؤسسة رسمياً أن الهجمات السيبرانية التي تعرضت لها بتاريخ الثامن من أبريل (نيسان) 2025 أدت إلى تسريب معطيات، بينما ظلت طريقة الاختراق الدقيقة وحجم التسريب النهائي موضوع تقييم وتحقيق.
وشهد المغرب منذ مطلع الألفية الثالثة اختراقات 'تقليدية' محدودة من طرف قراصنة رقميين محليين، ومع التطور التكنولوجي صارت الاختراقات أكثر دقة تستخدم فيها إمكانيات تقنية جد متطورة، وبخصوص هوية الجهة الضالعة في عمليات الاختراق تلك، يوضح الباحث حسن خرجوج أن بعض التسريبات نُسبت أو تم تبنيها من طرف مجموعة تنشط عبر منصة 'تيليغرام' ومنتديات إلكترونية، لكن إعلان المسؤولية لا يساوي دليلاً تقنياً أو قضائياً على الهوية الحقيقية للفاعل، فقد يكون الاسم مجرد واجهة، وقد تكون المجموعة إجرامية أو ذات دوافع سياسية أو تعمل بالوكالة، على حد تعبيره.
من جانبه، يشير الخبير في مجال الأمن السيبراني، بدر بلاج، إلى غياب معطيات دقيقة حول الجهة المسؤولة عن الهجمات، موضحاً أن 'هناك فقط ادعاءات يصعب التحقق منها، ولكن نأخذ الأمور على الظاهر، وهناك جهات تدعي المسؤولية عن هجمات أشهرها تلك التي تعرضت لها بيانات الموثقين التابعين لمصلحة المحافظة العقارية، وتم التأكد من صحة المعطيات المسربة، وتبنت مجموعة ’جبروت‘ المسؤولية عن عمليات القرصنة'.
ويشير الخبير إلى أن المجموعة هي من نوع ما يسمى (hackctivist) أو 'نشطاء القرصنة الإلكترونية'، أي إنها مجموعة قراصنة تحاول الدفاع عن قضية معينة أو إيصال رسالة عبر تلك التحركات.
تأتي تلك الهجمات السيبرانية في وقت يشهد المغرب والجزائر 'حرباً رقمية'، فبعد أن تبنت مجموعة قراصنة جزائريين (جبروت دز) مسؤولية القيام باختراق أنظمة مؤسسات عمومية مغربية، قامت مجموعة من القراصنة المغاربة تدعى 'فانتوم أطلس' باختراق مؤسسة البريد والاتصالات الجزائرية وتسريب بيانات حساسة.
يوضح المتخصص في المجال السيبراني، حسن خرجوج أن اختراق المعطيات الرقمية احتمال قائم في جميع دول العالم، حيث لا توجد منظومة معلوماتية محصنة بالكامل، مشيراً إلى أنه في المقابل، لا ينبغي اعتبار عمليات التسريب الكبيرة أمراً عادياً أو قدراً تقنياً، فهي غالباً نتيجة اجتماع عاملين: تهديد خارجي وثغرات داخلية، مثل التأخر في التحديث وضعف التحكم في الصلاحيات، وعدم اكتشاف تسرب البيانات بسرعة، والاعتماد المفرط على طرف ثالث.
وبخصوص صور القرصنة الإلكترونية، يقول الباحث إنه يمكن عملياً الحصول على المعطيات بعدة طرق، منها استغلال ثغرة غير مصححة، أو سرقة حساب موظف في مؤسسة معينة بواسطة 'التصيد' الإلكتروني، أو الحصول على كلمة مرور مسربة، أو إساءة استعمال صلاحيات داخلية، أو اختراق مزود خارجي مرتبط بالمؤسسة، كما يمكن أن يحدث التسريب نتيجة إعداد خطأ لخادم أو واجهة برمجة أو قاعدة بيانات مكشوفة، موضحاً أنه لا يمكن الجزم بالطريقة التي استعملت في واقعة محددة ما لم تنشر نتائج التحقيق التقني.
ويضيف الباحث أن البيانات لا تبقى في شكل ملفات معزولة، بل يجري تنظيفها وتصنيفها، ثم دمجها مع أرقام الهاتف والبريد الإلكتروني والعناوين والحسابات الاجتماعية، ويمكن استخدامها في الاحتيال وانتحال الهوية والتصيد الموجّه وهندسة اجتماعية أكثر إقناعاً، أو في استهداف إعلاني غير قانوني، أو الابتزاز والتشهير ورسم العلاقات الاجتماعية والمهنية، وقد تسمح بيانات الاسم ورقم البطاقة والأجر والمشغل للمحتال بصياغة رسالة تبدو صادرة فعلاً عن مؤسسة يعرفها الضحية.
بخصوص مآلات استخدام تلك المعطيات المقرصنة، يشير بدر بلاج لوجود مسارين، 'يتمثل الأول في بيعها على منصات القرصنة، في ظل وجود مواقع متخصصة في بيع المعلومات، وبالتالي يمكن لأي شخص شراء معطيات خاصة ببلد معين، سواء على منصات (dark web) أو على الإنترنت المفتوح، والقيام بالاحتيال على شخص معين من خلال معرفة رقم هاتفه وبريده الإلكتروني ورقم بطاقته البنكية، وإيهامه مثلاً أنه موظف بالمؤسسة البنكية التي يتعامل معها'، موضحاً أن الأمر يتعلق بسوق حرة نشطة جداً.
وبخصوص المسار الثاني، يوضح الباحث أنه يتعلق باستخدام المعطيات المقرصنة ونشرها نصرة لقضية معينة، أو التأثير على الرأي العام لإظهار أن الدولة مثلاً ليست آمنة تقنياً ويمكن اختراق أنظمتها الرقمية، مشدداً على كون هذا النوع هو الأخطر في مجال القرصنة، لأنه يمكن أن يخلق قلاقل داخل الدولة، باعتبار أن التسريبات التي عرفها المغرب شهدت نشر بيانات للأجر الشهري الضخم لموظفين كبار، وما قد يمكن أن يؤثر ذلك على عامل الفوارق الاجتماعية.
من جانبه، ينفي الباحث حسن خرجوج وجود سوق لبيع المعطيات الشخصية بالمغرب، موضحاً أنه من الصعب الحديث عن وجود سوق رسمية أو تقديم معطيات دقيقة، وذلك في ظل غياب إحصائيات شاملة منشورة، لكن توجد مؤشرات إلى وجود اقتصاد غير قانوني للبيانات يظهر في بيع لوائح أرقام الهاتف، وقواعد معلومات خاصة ببناء مؤسسات معينة، وعناوين بريدية، وملفات مفترضة لعملاء قطاعات مختلفة، ويتم تداول تلك البيانات عبر وسطاء ومجموعات مغلقة ومنتديات سرية.



































