اخبار المغرب
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٨ كانون الثاني ٢٠٢٦
أعرب ماكرون عن ارتياحه لجودة العلاقات التي تتيحها الشراكة الاستثنائية المعززة بين البلدين
في وقت تتراجع خريطة النفوذ الفرنسي داخل القارة الأفريقية على وقع صعود قوى دولية جديدة وتنامي التوترات الإقليمية، يبرز المغرب كفاعل محوري وحليف استراتيجي لفرنسا في مساعيها لإعادة رسم حضورها الأفريقي. فبفضل دبلوماسيته النشطة واستقراره السياسي ونفوذه المتنامي في العمق الأفريقي، باتت الرباط تشكل بوابة أساسية لباريس نحو القارة، وشريكاً لا غنى عنه في مقاربة جديدة تقوم على التعاون والوساطة والشراكات متعددة الأطراف.
في السياق، أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً في باريس عن ارتياحه لجودة العلاقات مع المغرب وللآفاق الهائلة التي تتيحها الشراكة الاستثنائية المعززة بين البلدين. وقال خلال افتتاح مؤتمر السفراء الفرنسيين المعتمدين في الخارج 'في هذا العالم المليء بالفوضى، نحن نؤمن بتعزيز الشراكات. لقد دافعنا عنها وطبقنا ذلك على أرض الواقع'، مؤكداً بذلك الفلسفة والفاعلية العملية لهذه الشراكات 'التي تجعل من المغرب عنصراً محورياً في استراتيجية فرنسا لإعادة بناء حضورها وتأثيرها في القارة الأفريقية'.
في هذا الإطار، قال المحلل في الشأن الفرنسي والمغربي صديق حاجي إن المغرب طور علاقات قوية ومتينة في العمق الأفريقي، 'مستفيداً من رؤية استراتيجية شاملة تقوم على الانفتاح والتعاون جنوب - جنوب'، وأوضح أن الملك (الملك المغربي محمد السادس) قام في هذا السياق بزيارات رسمية إلى أكثر من 40 دولة أفريقية، مما عزز الحضور الدبلوماسي والاقتصادي المغربي في القارة'. وأضاف أنه في ظل التوترات الحاصلة في منطقة شمال غربي أفريقيا، بخاصة بين فرنسا والجزائر، فضلاً عن العلاقات التي اتسمت بالبرودة مع تونس خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، 'يبرز المغرب كصوت وازن في شمال أفريقيا، وكجسر موثوق قد يمكن من تطوير العلاقات مع الدول الأفريقية، ويمنح شركاءه، وفي مقدمتهم فرنسا، مدخلاً استراتيجياً لإعادة بناء التعاون الإقليمي'.
وعن دوافع اعتماد فرنسا بصورة متزايدة على المغرب، أشار حاجي إلى أن المملكة نجحت في بناء علاقات قوية مع عدد من الدول الأفريقية، 'سواء على مستوى الاستثمارات أو العلاقات الدبلوماسية، في وقت تشهد فرنسا تراجعاً ملحوظاً في نفوذها داخل القارة الأفريقية، نتيجة ديناميات سلبية عرفتها علاقاتها مع بعض الدول الأفريقية خلال الأعوام الأخيرة'، وتابع أن اعتراف فرنسا بمغربية الصحراء يندرج في هذا السياق، إذ أدركت باريس تراجع نفوذها في أفريقيا، 'وتسعى إلى الاستفادة من الدور المحوري الذي يقوم به المغرب ونفوذه المتنامي في المنطقة، باعتباره شريكاً قادراً على الإسهام في إعادة بناء الحضور الفرنسي داخل القارة'.
ورأى حاجي أن المغرب في هذا السياق 'مرشح للقيام بدور الوسيط بين فرنسا وعدد من دول الساحل التي تشهد علاقات متوترة مع باريس، على غرار مالي والنيجر'، وأكد أن الموقع الدبلوماسي للمغرب وعلاقاته المتوازنة مع هذه الدول يؤهلانه للاضطلاع بدور تواصلي ووساطي فاعل.
وبحسب رؤيته أيضاً 'فإن فرنسا باتت في حاجة إلى المغرب ليكون قناة دبلوماسية تساعد في تحسين وإصلاح علاقاتها مع دول الساحل، بما يتيح لها استعادة جزء من نفوذها في المنطقة، في إطار مقاربة جديدة'، ولفت إلى أن المغرب يشكل نموذجاً للعلاقات جنوب - جنوب في أفريقيا، حيث نجح في بناء شراكات قوية ومستدامة مع عدد من الدول الأفريقية، مما عزز حضوره ونفوذه في القارة، مشيراً إلى أن التطورات المستمرة في أفريقيا تتطلب تبني سياسات جديدة على المستويين الدبلوماسي والأمني، فيستفيد المغرب من مكانته كشريك موثوق لتعزيز الاستقرار وتوسيع آفاق التعاون الإقليمي. وأكد أن للمغرب علاقات تاريخية قوية مع فرنسا، وقد شهدت هذه العلاقات تحسناً ملحوظاً خلال الآونة الأخيرة، وأن 'باريس أصبحت مدركة هذا التطور، وتسعى الآن إلى إرساء محور فرنسي- مغربي يهدف إلى تعزيز التعاون الاستراتيجي في مختلف المجالات، بما يحقق مصالح الطرفين ويعزز الاستقرار الإقليمي'، وقال أيضاً 'في إطار المنافسة الدولية، ومع تصاعد نفوذ الصين في مجال الاستثمارات، وروسيا في مجالات الأمن والطاقة، تحتاج فرنسا إلى شركاء إقليميين أقوياء للحفاظ على ثقلها في أوروبا ومحيطها الجيوسياسي. من هذا المنطلق، يبدو أن التعاون الثلاثي بين فرنسا والمغرب والدول الأفريقية يشكل استراتيجية مربحة للطرفين، تتيح لفرنسا تعزيز حضورها في أفريقيا، وتستفيد من نفوذ المغرب في القارة لتوسيع شبكة الشراكات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية'.
على جانب آخر، رأى حاجي أن فرنسا تتحمل مسؤولية تاريخية في جنوب أفريقيا، 'وإذا لم تتدخل فإنها قد تتهم بعدم الوفاء بهذا الدور، غير أن أي تدخل فرنسي سيكون بطريقة غير مباشرة، من خلال التعاون مع دول أفريقية صاعدة مثل المغرب، من أجل معالجة التحديات التي تواجهها باريس مع بعض الدول الأخرى والتي يشهد نفوذ روسيا فيها تزايداً'. وخلاصة القول، بحسب حاجي، فإن فرنسا تعتمد على دول موثوقة مثل المغرب في محاولة حل المشكلات الإقليمية، مع تجنب الدخول المباشر الذي قد يؤدي إلى احتكاك مباشر مع النفوذ الروسي المتنامي في المنطقة.
وفي سياق العلاقات بين الرباط وباريس، أكد الخبير في الشؤون الدولية المعاصرة محمد بودن أن هذه العلاقة اليوم تضرب بجذورها في عمق التاريخ، وتعكس الطبيعة المتفردة والخصوصية التي ميزت العلاقات الثنائية بين الجانبين عبر عقود، وأضاف أن 'من أبرز العوامل التي أسهمت في بلوغ هذه العلاقة مرحلة مفصلية تأكيد فرنسا عزمها على الاستثمار في الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، فضلاً عن تعميق الشراكة الثنائية بين البلدين'، ورأى أن هذا التطور يضع العلاقات المغربية- الفرنسية في سياق متجدد، يقوم على إعادة صياغة مضمونها الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي، ويفتح فصلاً جديداً لتعزيز الأسس المتينة والمصالح المشتركة الواسعة بين الطرفين. وأشار إلى أن هذه الدينامية تنعكس أيضاً من خلال الشراكات الثلاثية التي تجمع المغرب وفرنسا بكل من الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول الأفريقية - الأطلسية، في إطار دعم باريس المبادرة المغربية المتعلقة بالواجهة الأطلسية، بما يعزز التعاون الإقليمي ويخدم الاستقرار والتنمية في الفضاء الأفريقي - الأوروبي.
من جانب آخر، أشار بودن إلى أن فرنسا أكدت بدورها خلال القمة أن المملكة المغربية تعد الدولة الأكثر أهمية بالنسبة إليها في المنطقة المغاربية برمتها لاعتبارات تتعلق بالشراكة والصداقة التقليدية وقوة الروابط التاريخية، فضلاً عن التأثير المتنامي للنفوذ الإقليمي والدولي للمغرب. ورأى أن الأمر ينطبق كذلك على المغرب الذي يعد فرنسا قوة دولية فاعلة، وأن العلاقة بين البلدين ترقى في عدد من القضايا إلى مستوى التحالف، بخاصة في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية.
في ضوء هذا التطور اللافت وبلوغ الموقف الفرنسي حول مغربية الصحراء أعلى مستوياته، تقف العلاقات بين المغرب وفرنسا اليوم عند محطة تاريخية جديدة. وفي السياق، أكد الخبير في الشؤون الدولية المعاصرة أن التوجيه الاستراتيجي للعلاقات الثنائية من قبل الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من شأنه فتح آفاق أوسع للتعاون، بخاصة بعد توقيع زعيمي البلدين على الإعلان المشترك المتعلق بإرساء شراكة استثنائية وطيدة. واعتبر أن هذه الشراكة الرسمية باتت تكتسي بعداً عملياً واضحاً، سواء على مستوى المواقف السياسية أو من ناحية الإجراءات التنفيذية والمبادرات الملموسة على أرض الواقع، موضحاً أن العلاقات المغربية - الفرنسية لا تقتصر على بعدها الثنائي، بل تكتسي أهمية جيوسياسية أوسع تمتد إلى أفريقيا وأوروبا والفضاء الأورو-متوسطي والمنطقة المغاربية، بالنظر إلى المستوى المتقدم الذي بلغته هذه العلاقات، في سياق دولي وإقليمي يتسم بسيولة موازين القوى وتعدد الأقطاب خلال المرحلة الراهنة.
في النهاية، المغرب لم يعُد مجرد نقطة على خريطة التحالفات، بل صار المفتاح الذي يعيد لفرنسا مفاتيح أفريقيا، وحيث تتقاطع الاستراتيجيات والمصالح، يصبح الشريك الناجح هو من يعرف كيف يحول التاريخ إلى نفوذ والاستقرار إلى تأثير والرؤية إلى واقع ملموس. والمغرب وفرنسا اليوم ليسا مجرد حلفاء، بل رؤية مشتركة تعيد رسم اللعبة في قلب القارة السمراء. والسؤال هل ستتمكن هذه الشراكة من تحويل النفوذ التاريخي إلى قوة فعلية تغير خريطة القوى في أفريقيا؟



































