اخبار المغرب
موقع كل يوم -الأيام ٢٤
نشر بتاريخ: ١ تموز ٢٠٢٦
احتضنت مدينة وادي زم ندوة علمية خصصت لقراءة ومناقشة كتاب الأستاذ أمين السعيد، المعنون 'الديمقراطية في مواجهة الأزمات: عيوب الليبرالية الجديدة، تهديدات الشعبوية ومخاطر الرقمنة'، بمشاركة نخبة من الأساتذة الجامعيين والباحثين من أبناء المدينة، وبحضور ثلة من المثقفين والحقوقيين والفاعلين المدنيين والسياسيين والطلبة الباحثين.
وهدفت هذه الندوة إلى تنشيط النقاش العمومي والبحثي والعلمي على المستوى المحلي، من خلال فتح فضاء للحوار وتبادل الرؤى حول القضايا الراهنة التي تشغل الفكر السياسي والدستوري، وتعزيز انخراط الجامعة والباحثين والفاعلين المدنيين في مناقشة التحولات التي تعرفها الديمقراطية المعاصرة.
كما شكلت مناسبة لترسيخ ثقافة القراءة العلمية، وتشجيع الحوار بين الباحثين والمهتمين بالشأن العام، بما يسهم في إنتاج أفكار وتصورات قادرة على مواكبة التحولات السياسية والمؤسساتية، وتعزيز مكانة مدينة وادي زم كفضاء يحتضن المبادرات الفكرية والأكاديمية.
وشكلت الندوة مناسبة لإبراز القيمة العلمية لهذا الإصدار، الذي ينخرط في النقاشات الأكاديمية الراهنة حول التحولات التي تعرفها الديمقراطية على الصعيد العالمي، في ظل تصاعد موجات التراجع الديمقراطي، وصعود النزعات الشعبوية، واتساع تأثير الثورة الرقمية في المجال السياسي. كما مثلت فضاءً للحوار وتبادل الرؤى بين الباحثين حول مستقبل الديمقراطية والتحديات التي تواجهها في عالم يشهد تحولات متسارعة وغير مسبوقة.
وتولى تقديم قراءات علمية في الكتاب كل من الأساتذة الهادي مقداد، وعبد الرحمن فضلاوي، وسعيد شكاك، ونور الدين الرحالي، والدكتورة لمياء العماري، والدكتور عبد العزيز الهلالي، حيث تناولت مداخلاتهم مختلف القضايا التي يعالجها المؤلف، من خلال مقاربات نقدية أبرزت راهنية الموضوع وأهميته في حقل الدراسات الدستورية والسياسية.
قد انصبت المناقشات على الأطروحة المركزية التي يقوم عليها الكتاب، والمتمثلة في استجلاء مظاهر أزمة الديمقراطية واستشراف مستقبلها في ضوء التحولات الدولية الكبرى، انطلاقا من قراءة نقدية لمجموعة من المفاهيم التي برزت خلال العقدين الأخيرين، من قبيل التراجع الديمقراطي، والتآكل الديمقراطي، والانحدار الديمقراطي، والديمقراطية في حالة طوارئ، وهي المفاهيم التي تعكس، باختلاف مرجعياتها النظرية، تنامي القلق بشأن قدرة الأنظمة الديمقراطية على الحفاظ على استقرارها وفعاليتها في سياق يتسم بالعودة المتزايدة للنزعات السلطوية.
كما توقف المتدخلون عند تحليل الكتاب للعلاقة المركبة بين الديمقراطية والليبرالية الجديدة، مبرزين الكيفية التي أثرت بها السياسات النيوليبرالية في بنية الديمقراطية التمثيلية، وما أفرزته من اختلالات اجتماعية واقتصادية ساهمت في تراجع الثقة بالمؤسسات المنتخبة، وأوجدت بيئة مواتية لبروز الخطابات الاحتجاجية والشعبوية في العديد من الديمقراطيات المعاصرة.
وحظي الفصل المتعلق بالشعبوية باهتمام خاص خلال الندوة، بالنظر إلى ما يطرحه من أسئلة نظرية حول طبيعة العلاقة بين الشعبوية والديمقراطية، وما إذا كانت الشعبوية تمثل تهديدًا للديمقراطية أم أنها نتاج لأزماتها الداخلية. وأكدت المناقشات أن الكتاب يقدم قراءة متوازنة لهذا الموضوع، من خلال استعراض أبرز المقاربات الفكرية التي تناولت الظاهرة، وإبراز تعدد زوايا النظر إليها داخل الأدبيات السياسية المعاصرة.
ولم تغفل المداخلات الوقوف عند التحليل الذي يقدمه المؤلف لتداعيات جائحة كوفيد-19 على الديمقراطية، باعتبارها محطة كشفت عن حدود أداء عدد من الأنظمة الديمقراطية، وأعادت إلى الواجهة النقاش حول فعالية النماذج السلطوية في إدارة الأزمات، وما أثاره ذلك من أسئلة عميقة حول مستقبل النموذج الديمقراطي في مواجهة الأزمات العالمية.
وفي السياق ذاته، أبرز المشاركون أهمية الفصل المخصص لمخاطر الرقمنة والتكنولوجيا الحديثة، الذي يناقش التحولات التي أحدثتها الثورة الرقمية في المجال السياسي، سواء من خلال توسيع فضاءات المشاركة والتعبير، أو عبر ما أفرزته من تحديات جديدة مرتبطة بالتضليل الرقمي، وصناعة الرأي العام، واستعمال الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في التأثير على العمليات الانتخابية والاختيارات السياسية، بما يجعل حماية الديمقراطية اليوم مرتبطة أيضًا بضبط التحولات التكنولوجية المتسارعة.
واختتمت الندوة بكلمة للأستاذ أمين السعيد، تفاعل فيها مع مختلف الملاحظات والقراءات التي قدمها الأساتذة المشاركون، موضحًا أن هذا العمل جاء في سياق الانشغال العلمي المتزايد بمستقبل الديمقراطية، ومحاولة فهم العوامل البنيوية والظرفية التي أسهمت في بروز أزماتها الراهنة، من خلال مقاربة تجمع بين التحليل النظري واستحضار التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها العالم.
وعكست هذه الندوة أهمية الانفتاح على الكتاب الأكاديمي بوصفه مدخلًا لتنشيط النقاش العمومي الرصين، وترسيخ ثقافة الحوار العلمي حول القضايا الفكرية والسياسية الكبرى، كما أكدت المكانة التي باتت تحتلها مثل هذه اللقاءات في تعزيز التواصل بين الجامعة والمجتمع، وإغناء النقاش حول مستقبل الديمقراطية في ظل عالم تتسارع فيه التحولات وتتعدد فيه التحديات.



































