اخبار ليبيا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٣ أب ٢٠٢٦
استهداف المنشآت النفطية ينذر بانقطاع إمداد الوقود ولا سيما أن المستودع يغذي المحطات الممتدة من غرب طرابلس إلى الحدود التونسية والجبل الغربي وفزان جنوباً
مع خمود نيران مصفاة الزاوية غرب ليبيا التي اندلعت نتيجة استهداف خزاناتها بمسيّرات مجهولة المصدر، تأججت تداعيات اشتعالها على الصعيدين الاقتصادي والبيئي، وفتح الحريق الذي طاول المنشآت النفطية في المدينة باب الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي تمتد ألسنتها إلى الإيرادات النفطية المرتبطة والآثار البيئية التي ستخلفها عمليات الاحتراق في الهواء والتربة والمياه.
وقالت وزارة البيئة التابعة لحكومة 'الوحدة الوطنية' إنها أرسلت فريقاً من إدارة الطوارئ البيئية إلى موقع خزانات التجميع التابعة لـ'شركة البريقة' في الزاوية لمعاينة الأضرار الناجمة عن الحريق.
وأوضحت عبر بيان أمس الأربعاء أن فريقها رصد 'الآثار المحتملة للانبعاثات والأدخنة الناتجة من احتراق الوقود وانعكاساتها على جودة الهواء والبيئة وصحة الإنسان'.
وفي حين توعدت حكومة 'الوحدة الوطنية' بملاحقة المتورطين في الهجوم على مصفاة الزاوية وتقديمهم إلى العدالة، مؤكدة أن 'هذا التصعيد لن يمر من دون رد'، خرج موقف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ليصنف الاعتداءات على المنشآت النفطية والمؤسسات الحيوية ضمن 'دائرة القلق'، محذراً من التصعيد الأمني.
وتتجه الأنظار إلى التداعيات الاقتصادية والبيئية لحرائق المنشآت النفطية، وحذّرت المؤسسة الوطنية للنفط من إعلان حال القوة القاهرة ووقف العمل كلياً في مصفاة الزاوية، إذا استمرت الهجمات على المنشآت النفطية.
ويقول المتخصص الليبي في شؤون النفط والغاز طارق إبراهيم إن إعلان القوة القاهرة قد ينتج منه توقف تكرير نحو 100 ألف برميل يومياً من النفط في حقل الشرارة، إضافة إلى توقف تصدير نحو 200 ألف برميل يومياً من الخام عبر ميناء الزاوية.
وينبه إبراهيم من ثقل تداعيات هذه الحرائق على الاقتصاد الليبي الذي سيحرم من إيرادات أكثر من 20 في المئة من الإنتاج النفطي، علماً أن ليبيا تنتج 1.4 مليون برميل يومياً من النفط الخام.
ويوضح أن طاقة التكرير لمصفاة الزاوية تبلغ نحو 120 ألف برميل يومياً، وتؤدي دوراً محورياً في تأمين حاجات السوق المحلية، خصوصاً من الديزل والكيروسين والأسفلت.
ويقول إن الخزان الذي احترق تقدر سعته بنحو 18 مليون ليتر من البنزين، مما تسبب في إرباك محطات توزيع الوقود وسط مخاوف من انقطاع الإمدادات، بخاصة أن مستودع الزاوية النفطي يغذي محطات الوقود الممتدة من غرب طرابلس إلى الحدود التونسية والجبل الغربي وفزان جنوب ليبيا.
ويلفت إلى أن استمرار هذه الاضطرابات يأتي في وقت تسعى المؤسسة الوطنية للنفط إلى زيادة الإنتاج وجذب الشركات الدولية وتطوير القدرة الإنتاجية حتى تصل إلى مليوني برميل يومياً من النفط الخام، مؤكداً أن حال عدم الاستقرار تقوض ثقة الشركات الأجنبية لضخ استثمارات جديدة في ليبيا.
ودعا إبراهيم إلى تحييد قطاع النفط عن الصراعات السياسية والتجاذبات الأمنية، مطالباً بالتصدي لشبكات التهريب في الزاوية والساحل الغربي، لحماية المنشآت النفطية وضمان استقرار الإمدادات.
وعن ماهية استخدام الطائرات المسيّرة في استهداف منشآت نفطية استراتيجية في ليبيا من الناحية الأمنية، يقول العميد المتقاعد في قوات الجيش التونسي وعضو الهيئة الاستشارية لمركز الجامعة العربية للدراسات الأمنية مختار بالنصر إن هذا الأمر يشكل تحولاً خطراً في طبيعة الصراع، ويتابع أن الأمر لم يعُد مقتصراً على المواجهات التقليدية، بل إن ليبيا أصبحت أمام نمط أكثر تعقيداً يرتكز على ضرب البنية التحتية الحيوية بأدوات منخفضة الكلفة ومرتفعة التأثير في الوقت ذاته.
ويشير إلى أن مصفاة الزاوية خير مثال على ذلك، إذ تعرضت أخيراً لسلسلة هجمات متكررة بالمسيّرات، موضحاً أن هذه الهجمات لا تستهدف المصفاة بوصفها هدفاً عسكرياً وحسب، بل تصيب في العمق واحدة من ركائز الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة والأمن الوطني الليبي.
ويقول إن هذه الهجمات تكشف عن ثغرة واضحة في منظومة حماية الأصول الحيوية، وتثبت أن الجماعات المسلحة باتت قادرة على اختراق نظم الحماية التقليدية وفرض معادلة ردع جديدة، وأن الأمر لم يعُد يتطلب سوى تعطيل خزان وقود أو منشأة معالجة لإشعال تداعيات تتجاوز الأضرار المادية، لتشمل اضطراب إمدادات الوقود ورفع الأخطار على العاملين والسكان وإرباك حركة النقل والإمداد، فضلاً عن تقويض ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين.
وينوه بالنصر أن تكرار هذه الهجمات يحمل أبعاداً سياسية وأمنية عميقة، فقد تكون وسيلة للضغط على السلطة المركزية، أو إعادة ترتيب النفوذ حول منابع الثروة، أو اختبار قدرة الدولة على حماية منشآتها السيادية، مشيراً إلى أن هذا الاحتمال يتجلى بصورة خاصة في البيئة الليبية المعقدة، حيث تتداخل المؤسسات الرسمية مع التشكيلات المسلحة، وتتنافس مراكز قوة السيطرة على المجالين الأمني والاقتصادي.
ويشدد على أن هذه التحذيرات لم تكُن مجرد تكهنات، فقد سبق لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا أن نبّهت إلى أن استمرار العنف حول الزاوية قد يعرض البنية التحتية الاستراتيجية للخطر، وتترتب عليه آثار إنسانية واقتصادية واسعة النطاق.
وينبه بالنصر من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في المسيّرات بحد ذاتها، بل في تحولها إلى أداة تعيد تشكيل موازين القوى المرتبطة بالنفط، فإذا استمرت المنشآت النفطية عرضة للاستهداف المتكرر من دون قدرة وطنية موحدة على الحماية والردع، فإن أمن النفط الليبي لن يظل مجرد مسألة حماية منشآت، بل سيصبح جزءاً محورياً من معركة السيطرة على الدولة ومواردها وسيادتها.
وفي ما يتعلق بفاعلية المسيّرات في استهداف المنشآت النفطية، يقول إن هذه المسيّرات ليست مجرد وسيلة تقنية في الحروب الحديثة، بل أثبتت أنها خيار ذكي وفاعل عند استهداف المنشآت النفطية تحديداً، شارحاً أن مزيجها بين الكلفة المنخفضة والقدرة على بلوغ أهداف بعيدة وصعوبة رصدها أو اعتراضها، مع دقة نسبية في إصابة النقاط الحساسة، كلها أسباب تجعل منها أداة قادرة على إحداث صدمة أمنية واقتصادية تفوق حجم القوة المستخدمة في كثير من الأحيان.
ويشير إلى أن ما يجعل المنشآت النفطية هدفاً مغرياً أنها ليست مجرد مبانٍ أو معدات، بل منظومة متكاملة ومترابطة، تبدأ بالآبار وتمتد عبر خطوط الأنابيب، وصولاً إلى الخزانات ومحطات المعالجة والتصدير، وأي خلل في حلقة واحدة من هذه السلسلة قد يُحدث تداعيات كبيرة على الإنتاج والتصدير، بالتالي على الإيرادات وثقة الأسواق المالية.
ويضيف أن من المزايا الأخرى التي توفرها هذه المسيّرات للجهة المهاجمة قدرتها على منحها هامشاً واسعاً من المرونة والإنكار السياسي، بخاصة مقارنة بالعمليات التقليدية التي يصعب إخفاء مصدرها أو تغطيتها. فالهجوم عبر مسيّرة صغيرة لا يتطلب نشر قوات، ولا يعرّض أرواحاً للخطر، ويمكن تنفيذه بسرعة وبدقة، مما يجعله خياراً مثالياً خلال الحروب الهجينة وأدوات الضغط الاستراتيجي.
ويقول بالنصر 'استراتيجياً، ليس المطلوب دائماً تدمير المنشأة بالكامل، بل قد يكون الهدف الأبسط والأخطر في آن واحد تعطيل سير العمل ورفع كلفة الحماية وإرباك إمدادات الطاقة. وبهذه الطريقة، تتحول المنشأة النفطية إلى ورقة ضغط بيد الخصم، تُستخدم ضد الدولة ومصالحها الاقتصادية والأمنية من دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة أو تصعيد عسكري واسع.
وبالنسبة إلى التداعيات البيئية، يوضح مدير مركز الاستشارات للعلوم البيئية والتنمية المستدامة في 'جامعة بنغازي' ورئيس 'شبكة التغير المناخي العربي' سامي الأوجلي أن الأخطار البيئية تتمثل في إفراز الحرائق النفطية مواد كيماوية تحدث تغيراً جذرياً في النظام البيئي، وتختلف خطورتها بحسب طبيعة المادة ومدى تحللها.
ويردف أن الانبعاثات غير المرغوبة تسبب تلوث الهواء الجوي، فيما تشكل المعادن الثقيلة خطراً أكبر بسبب بطء تحللها، مما يؤدي إلى تلوث التربة بمختلف أنواعها ويؤثر في جودة المياه الجوفية والغطاء النباتي، مشيراً إلى أن التربة الملوثة تصبح أرضاً ميتة غير قادرة على الإنبات.
ويشرح أن هذا التلوث يؤثر أيضاً في الكائنات الحية الدقيقة، فضلاً عن الحيوانات مثل المواشي والطيور التي قد تضطر إلى الهجرة من المناطق المتضررة، مضيفً أن الانبعاثات ستنتشر في الهواء لتتفاعل مع دخان السيارات وبقية الملوثات الموجودة في الجو، لتنتج ملوثات شديدة الخطورة قد تستمر آثارها لأعوام، إلى حين تحللها.
ويؤكد الأوجلي أن هذه الملوثات لا تعترف بحدود جغرافية وتتحرك بسرعة، لذلك لن يقتصر تأثيرها على مدينة الزاوية فقط، بل من المحتمل أن يمتد إلى مدن أخرى، مما قد يؤدي إلى أمراض عدة، خصوصاً لدى النساء الحوامل والأطفال وكبار السن، باعتبارهم من الفئات الهشة الأكثر تضرراً، مطالباً بضرورة قياس هذه الانبعاثات وتحديد مستوياتها لمعرفة طبيعة المعالجة المطلوبة.
وفي ما يتعلق بالتلوث البحري، يقول الخبير البيئي إن الشواطئ الليبية ستعاني آثار هذه الكارثة، بما يؤدي إلى اختلال التوازنات البحرية والإضرار بالنباتات والأسماك، لافتاً إلى أن المواد الزيتية قد تجعل البحر غير صالح للسباحة، وينتج منها تصحر لقاع البحر. ونوه بأن خطورة ذلك تتضاعف لأن الشواطئ الليبية غير محمية بطبيعتها، وتعاني بالأساس تلوث المجاري وزيوت البواخر التي تمر عبر ليبيا.



























