اخبار قطر
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ٢٥ أذار ٢٠٢٦
سلمى حداد - الخليج أونلاين
- أوروبا الأكثر تضرراً بسبب اعتمادها الطاقي وتراجع نشاطها الصناعي.
- الخليج يحقق مكاسب سعرية من ارتفاع النفط لكن يواجه مخاطر تشغيلية وجيوسياسية معقدة.
- تعطل هرمز وسلاسل الإمداد يهدد التجارة العالمية والطيران والأمن الغذائي.
مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الرابع، لم تعد الصدمة الاقتصادية تقتصر على أسواق الطاقة، وتحولت إلى إعادة تشكيل جذري لخريطة المخاطر العالمية، حيث أصبح أكبر المتضررين ليس الأطراف المباشرة في القتال، بل الاقتصادات الأكثر اعتماداً على الطاقة المستوردة والممرات البحرية الحساسة.
وتظهر البيانات المنشورة خلال مارس 2026 أن أوروبا تقف في مقدمة الخاسرين بسبب هشاشتها الصناعية والطاقية، في حين تواجه دول الخليج مفارقة قاسية ترتبط بارتفاع أسعار النفط نظرياً مقابل مخاطر تشغيلية وأمنية ومالية أشد تعقيداً على الأرض تحرمها من الاستفادة من هذا الارتفاع.
أوروبا المتضرر الأكبر
وفي 24 مارس 2026، أظهرت بيانات 'ستاندرد آند بورز غلوبال' أن مؤشر مديري المشتريات المركب لمنطقة اليورو هبط إلى 50.5 نقطة، مقابل 51.9 نقطة في فبراير الماضي، مسجلاً أدنى مستوى في عشرة أشهر ومقترباً من حالة الركود الفعلي.
وفي هذا السياق، قال الأستاذ المساعد في كلية الاقتصاد بجامعة قطر، جلال قناص، إن 'أوروبا تعتبر من المناطق الأكثر تضرراً منالحرب في إيران، وذلك في ظل اعتمادها الكبير على النفط والغاز القادم من الشرق الأوسط'.
وأضاف قناص، في مقابلة مع قناة 'العربية' السعودية، أن 'أوروبا ما زالت تعاني من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وابتعادها عن الغاز الروسي الذي كان يتميز بانخفاض سعره مقارنة بالأسعار التي سجلتها واردات الغاز بعد الحرب'.
وأوضح أن أوروبا تعاني أيضاً من أزمات صناعية في ظل تراجع النشاط الإنتاجي وخاصة في ألمانيا التي تعتبر المركز الصناعي الأهم في أوروبا.
وأشار إلى أن الأزمة الحالية ستؤثر على الإنتاج في أوروبا، ما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة والأسعار المرتبطة بالطاقة مثل الغذاء والمنتجات الأخرى.
وذكر قناص أن الاتحاد الأوروبي مطالب بوضع استراتيجيات طويلة المدى للحفاظ على الأمن الطاقي الأوروبي، مشيراً إلى أنالاقتصاد الأوروبي تأثر بالصراع التجاري بين الصين والولايات المتحدة، لذا يجب إعادة هيكلة السياسة الاقتصادية الأوروبية لتجنب التأثيرات السلبية للتوترات الجيوسياسية.
كما أوضح أن احتياطيات النفط والغاز الأوروبية ستساهم في السيطرة على أسعار الطاقة على المدى القصير، ولكن يجب تغيير الفكر الأوروبي في التعامل مع ملف الطاقة على المدى الطويل.
وتُبرز ألمانيا وفرنسا الضرر الأوروبي بأوضح صورة، فقد تباطأ نمو القطاع الخاص الألماني إلى أدنى مستوى في ثلاثة أشهر، حيث انخفض المؤشر المركب إلى 51.9 نقطة من 53.2 في فبراير الماضي، وهبط نشاط الخدمات إلى 51.2 نقطة، في حين تحسن التصنيع قليلاً إلى 51.7 نقطة، لكن ضغوط تكاليف المدخلات بلغت أعلى مستوى في أكثر من ثلاث سنوات، وتراجعت توقعات الأعمال للعام المقبل إلى أدنى مستوى في 11 شهراً، وفق تقرير نشرته رويترز في 24 مارس 2026.
أما في فرنسا، فانخفض المؤشر المركب إلى 48.3 نقطة – أسرع انكماش للقطاع الخاص منذ أكتوبر الماضي – مع تراجع الطلبات الجديدة بأسرع وتيرة منذ يوليو 2025، وارتفاع تضخم تكاليف المدخلات إلى أعلى مستوى منذ نوفمبر 2023، بحسب التقرير ذاته.
ولم تقتصر الصدمة على منطقة اليورو، ففي بريطانيا هبط المؤشر المركب إلى 51 نقطة من 53.7 في فبراير الماضي، أبطأ نمو في ستة أشهر، وسجلت تكاليف مدخلات التصنيع أسرع زيادة شهرية منذ 1992، مدفوعة بارتفاع أسعار الوقود والنقل والمواد الخام كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وفي آسيا كانت اليابان بين أكثر الدول في دائرة الخطر لأنها تستورد- وفق بيانات رسمية- نحو 95% من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، ويمر قرابة 90% من هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز، مما يجعلها من أكثر الاقتصادات الكبرى تعرضاً لأي تعطل طويل في الملاحة.
الاقتصادات الناشئة والخليج
وخارج هذا الإطار، تظهر الاقتصادات الناشئة هشاشة أكبر، حيث هبط نمو القطاع الخاص الهندي إلى أدنى مستوى في ثلاث سنوات خلال مارس الجاري، مع تسارع تكاليف الإنتاج بأسرع وتيرة منذ يونيو 2022، حسب تقرير نشرته قناة 'فرانس 24'، في 24 مارس الجاري.
وأشارت القناة إلى أن الهند تستورد نحو 90% من احتياجاتها النفطية، ونصف احتياجاتها من الغاز، وأن جزءاً كبيراً منها يمر عبر هرمز، فيما بدأت الروبية تتراجع وبدأ الاقتصاديون يخفضون توقعات النمو.
أما تركيا، فقد اضطر بنكها المركزي إلى وقف دورة خفض الفائدة وضخ ما يصل إلى 23 مليار دولار من احتياطياته لدعم الليرة، وفق وكالة 'الأناضول' الرسمية. وكانت رويترز قد أفادت، في 6 مارس 2026، بأن السوق كانت تتوقع توقف التيسير والإبقاء على الفائدة عند 37% بسبب تداعيات الحرب.
لكن المفارقة الأبرز تكمن في دول الخليج العربي، فالحرب أغلقت مضيق هرمز الذي يمر عبره معظم النفط الخليجي، كما أن هذه الدول باتت منذ اليوم الأول أهدافاً للهجمات الإيرانية التي استهدفت موانئ ومطارات وقواعد عسكرية ومنشآت مدنية، ما خلف قتلى وجرحى وأضراراً مادية.
وقطر تمثل الحالة الأكثر حساسية، فقد أعلنت، في 4 مارس الحالي، وقف إنتاج الغاز وأعلنت القوة القاهرة على الصادرات، وحتى وإن انتهت الحرب اليوم، فإن عودة التسييل إلى طاقته الطبيعية قد تستغرق عدة أسابيع، علماً أن الدوحة تزود نحو 20% من الإمدادات العالمية للغاز الطبيعي المسال.
وفي 6 مارس الجاري، نقلت رويترز عن وزير الطاقة القطري، سعد الكعبي، تحذيره من أن جميع مصدري الطاقة في الخليج قد يضطرون إلى وقف الشحنات إذا استمرت الحرب، محذراً من أن أسعار النفط قد تصل إلى 150 دولاراً والغاز إلى 40 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
وتتجاوز التداعيات الخليجية النفط والغاز لتشمل الطيران والخدمات والنقل، فقد تعطلت معظم المطارات الخليجية سواء جزئياً أو كلياً بسبب الاستهدافات الإيرانية وإغلاق المجال الجوي لهذه البلدان، خاصة الإمارات التي تعرضت لأكبر عدد من الهجمات بين دول الخليج.
وفي 23 مارس الجاري، أوردت رويترز أن الحرب أثرت في الأسعار والطلب وأربكت الجداول التشغيلية في أوروبا وآسيا، وأدت إلى 'رحلات إلى اللامكان'، وتخزين بعض الطائرات، مما يضرب نموذج دبي وأبوظبي القائم على التحول إلى مراكز ربط عالمية.
وهناك طبقة أعمق من الصدمة تتعلق بسلاسل الإمداد والأمن الغذائي، فاستناداً إلى تقرير لـ'بي بي سي'، نشر في 9 مارس 2026، فإن تحويل مسارات السفن حول رأس الرجاء الصالح يضيف بين 10 و14 يوماً إلى الرحلة، ويكلف سفينة متوسطة الحجم نحو مليوني دولار إضافية، كما أن نحو 30% من تجارة اليوريا العالمية – المادة الأساسية لصناعة الأسمدة – تمر عبر مضيق هرمز، مما يهدد الأمن الغذائي العالمي بعد ستة إلى تسعة أشهر.
تداعيات مركبة
وفي قراءة أوسع لتداعيات الأزمة الاقتصادية، يرى الخبير الاقتصادي منير سيف الدين، أن الحرب الجارية أعادت تعريف العلاقة التقليدية بين أسعار الطاقة وأداء الاقتصادات المصدّرة لها، مشيراً إلى أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط لا يعكس بالضرورة تحسناً صافياً في أوضاع هذه الدول، بل يخفي وراءه طبقة معقدة من المخاطر التشغيلية والمالية والجيوسياسية.
ويضيف سيف الدين، في حديثه لـ'الخليج أونلاين':
- ما تواجهه اقتصادات الخليج اليوم لا يمكن وصفه بـ'صدمة سعر'، بقدر ما هو 'صدمة نموذج اقتصادي'.
- لم تعد هذه الاقتصادات تعتمد على تصدير الخام فقط، بل بنت خلال العقد الأخير نموذجاً قائماً على الاستقرار والانفتاح، وعلى دورها كمراكز عالمية للطيران والخدمات اللوجستية والتمويل والسياحة، وهي قطاعات شديدة الحساسية لأي اضطراب أمني أو تعطل في الممرات البحرية الحيوية.
- إن أهمية مضيق هرمز في هذا السياق تتجاوز كونه ممراً لتدفقات النفط، ليشكل شرياناً حيوياً لسلاسل الإمداد العالمية.
- هذا يعني أن أي تعطّل فيه لا ينعكس فقط على الإيرادات النفطية، بل يمتد إلى تكاليف الشحن، وأسعار التأمين، وتدفقات التجارة، بل وحتى إلى الأمن الغذائي العالمي، خاصة مع ارتباط جزء مهم من تجارة الأسمدة العالمية بهذه المسارات.
- هذه التداعيات المركبة تضع دول الخليج في موقع فريد؛ فهي في آن واحد مستفيدة من ارتفاع الأسعار ومتضررة من تعطل النظام الذي يتيح لها تحقيق هذه الإيرادات أصلاً، في مفارقة تعكس هشاشة التوازن بين العوائد النفطية والاستقرار الجيوسياسي.
- هذه التحولات تدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم جدوى الاعتماد على المنطقة كمصدر مستقر للإمدادات، حتى في ظل وفرة الموارد، ما قد ينعكس على تدفقات الاستثمار وكلفة التمويل في المرحلة المقبلة.
- التأثيرات لا تقتصر على قطاع الطاقة، بل تمتد إلى قطاعات الطيران والنقل والخدمات، التي تمثل ركائز أساسية في استراتيجيات التنويع الاقتصادي.
- تعطل الرحلات أو إعادة توجيهها وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع الطلب، كلها عوامل تضغط على نموذج 'مراكز الربط العالمية'.
- استمرار هذه التطورات قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في الميزة التنافسية التي بنتها دول الخليج كمحور بين الشرق والغرب، وهو ما يطرح تحديات استراتيجية تتجاوز الأثر الاقتصادي المباشر.























