اخبار ليبيا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣٠ أذار ٢٠٢٦
غياب الرقابة الفاعلة والملاحقات القانونية الجادة فضلاً عن الانتشار الكثيف للأسلحة المتطورة حولاه من ممارسة تقليدية إلى عملية 'إبادة منهجية' للكائنات البرية
في صباح خريفي هادئ نهاية العام الماضي، ومع بزوغ الفجر في واحة تازربو بالصحراء الليبية، كانت أسراب من 'اليمام القمري الأوروبي' تشق طريقها الطويل بين أوروبا وأفريقيا، في رحلة قطعت خلالها آلاف الكيلومترات بحثاً عن الدفء، غير مدركة أن رحلتها ستنتهي هنا، ليس بسبب التعب، بل نتيجة وابل الرصاص الذي أطلقه صياد متربص.
كانت حصيلة تلك الحادثة أكثر من 500 طير انتهت حياتها في ثوانٍ، وانتشرت صورها على مواقع التواصل، لتقرع جرس إنذار جديد حول ظاهرة الصيد الجائر وتهديدها الخطر للبيئة، بسبب انتشار السلاح وضعف الرقابة الأمنية وهشاشة القوانين الرادعة للصيادين المتعطشين لقتل كل طائر وسائر الحيوانات البرية.
بسبب هذه الحادثة وسواها من الخروقات التي شهدتها الأعوام الأخيرة، تحولت ليبيا إلى واحدة من أخطر النقاط على مسارات الهجرة في البحر المتوسط، إذ تشير تقارير بيئية دولية، من بينها تقارير حديثة صادرة عن منظمة الطيور العالمية، إلى أن نحو 503 آلاف طائر تقتل سنوياً داخل البلاد نتيجة الصيد غير القانوني، ضمن ظاهرة أوسع تسفر عن مقتل نحو 25 مليون طائر سنوياً في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
وهذا الواقع لا يعكس مجرد نشاط صيد تقليدي، بل إنه تحول عميق في طبيعة العلاقة بين الإنسان والبيئة، مدفوعاً بعوامل أبرزها انتشار السلاح وضعف تطبيق القوانين.
الجمعية الليبية لحماية الحياة البرية أكدت في هذا السياق أن الصيد لم يعُد مجرد ممارسة تقليدية أو هواية، بل أصبح عملية مدمرة ومنهجية تهدد جميع أنواع الطيور، ولا سيما الطيور المغردة والطيور المائية والحمام البري والطيور الجارحة التي تقوم بدور محرك في توازن السلاسل الغذائية.
وأوضح مدير مكتب الإعلام في الجمعية أحمد القايدي أن غياب الرقابة الفاعلة والملاحقات القانونية الجادة، فضلاً عن الانتشار الكثيف للأسلحة المتطورة وسيارات الدفع الرباعي وأجهزة الرصد الحديثة، كلها أسباب حوّلت الصيد من ممارسة تقليدية إلى عملية إبادة منهجية للكائنات البرية.
كذلك أشار إلى أن المناطق التي كانت في ما مضى ملاذاً آمناً للحيوانات والطيور النادرة، أصبحت اليوم تحت سيطرة مجموعات مسلحة تتحكم في الوصول إليها، مستغلة مواسم الهجرة الطبيعية للطيور لصيدها بلا رحمة أو اعتبار للقوانين المحلية والدولية.
وهذه الممارسات، بحسب القايدي، أجبرت الطيور والحيوانات على تغيير مسارات هجرتها التاريخية أو الانحسار عن مناطق ليبيا تماماً، مما أدى إلى انخفاض ملموس في أعدادها خلال العقود الماضية، وهو مؤشر صارخ على اختلال بيئي خطر.
ولفت القايدي إلى أن فقدان الطيور لا يعني مجرد تقليل جمال الطبيعة أو تراجع التنوع البيولوجي، بل يمثل فقدان توازن طبيعي يحمي المحاصيل من الآفات ويحد من تكاثر القوارض والحشرات ويضمن صحة النظم البيئية التي تعتمد عليها الحياة اليومية للإنسان.
وأكد أن بعضهم يستغل الصيد لأغراض تجارية مثل بيع الحيوانات النادرة كتذكارات أو جوائز بأسعار مرتفعة، متجاوزين بذلك كل القوانين والأخلاقيات البيئية.
وخلص إلى أن نداء الجمعية بالتأكيد على أن حماية الحياة البرية ومواردنا الطبيعية ليست خياراً ثانوياً، بل إنها واجب وطني وقومي وإنساني، مرتبط مباشرة بصحة الإنسان وأمن غذائه ومستقبله على الأرض.
كثيراً ما كان الصيد جزءاً من الثقافة المحلية في بعض المناطق الليبية، إلا أن ما يحدث اليوم يختلف جذرياً.
فمع انتشار السلاح بعد عام 2011، باتت تستخدم في الصيد بنادق آلية وسيارات دفع رباعي، مما يسمح بمطاردة الحيوانات والطيور لمسافات طويلة وقتل أعداد كبيرة خلال وقت قصير.
وتظهر صور متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي مجموعات من الصيادين مع عشرات الطيور والحيوانات، في مشاهد توثق تحول الصيد إلى نشاط جماعي واسع النطاق.
ومثل هذه الحوادث، بحسب خبراء بيئيين، لم تعُد استثناءً، بل أصبحت مؤشراً على نمط متكرر من الاستنزاف البيئي وفقدان التوازن الطبيعي الذي يحمي البيئة من الانهيار، مما جعل أنواعاً كثيرة من الطيور والحيوانات مهددة بصورة حقيقية بالانقراض، من بينها طائر الحجل البري الذي يُعد من أكثر الطيور المستهدفة من بنادق الصيادين في البيئة الليبية.
والخطر المحدق بهذه الطيور حذر منه مدير منظمة البراري لصون الطبيعة أحمد عجاج، مشدداً على تداعيات صيد طائر الحجل خلال موسم التكاثر تحديداً لأن هذه الفترة تعد مرحلة حاسمة في دورة حياة هذا الطائر واستمراريته في البرية.
وقال عجاج إن موسم التكاثر يشهد انشغال أزواج طائر الحجل ببناء الأعشاش ووضع البيض ثم تربية الفراخ، والصيد خلال هذه الفترة قد يؤدي إلى قتل أحد النوعين أو كليهما، مما يترتب عليه فقدان البيض أو نفوق الفراخ نتيجة غياب الرعاية.
وأوضح أن تكرار الإزعاج في مناطق التعشيش يؤدي كذلك إلى فشل الأعشاش وانخفاض نسبة التفريخ، مما ينعكس بصورة مباشرة على تراجع أعداد الحجل في البرية خلال المواسم اللاحقة.
وأكد أن الحفاظ على هذا النوع خلال فترة التكاثر يتطلب الامتناع موقتاً عن صيده في هذه المرحلة الحساسة، فضلاً عن احترام مناطق التعشيش وتقليل الاضطراب في الموائل الطبيعية التي يعتمد عليها الحجل للتكاثر.
وشدد عجاج على أهمية نشر الوعي بين الصيادين حول حساسية هذه الفترة، وتشجيع الصيد المسؤول القائم على القناعة وتنظيم المواسم، باعتبار ذلك من أبرز الإجراءات التي تسهم في ضمان استدامة طائر الحجل في بيئته الطبيعية.
لا تشكل هذه الأزمة تهديداً حصرياً على الطيور، إذ تشير تقارير محلية إلى تراجع ملحوظ في أعداد الغزال الصحراوي والودان والأرانب البرية، مع اختفاء بعضها من مناطق كانت موطناً طبيعياً لها.
وتحذر منظمات بيئية من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى اختلال في التوازن البيئي، حيث تقوم هذه الأنواع بدور مهم في السلسلة الغذائية.
وعلى رغم وجود قوانين تنظم الصيد في ليبيا، فإن ضعف تطبيقها، إضافة إلى انتشار السلاح، جعلا من الصعب السيطرة على الظاهرة. وترى المنظمات البيئية في البلاد أن بعض العقوبات الحالية لا تشكل رادعاً حقيقياً، مما يسمح باستمرار الصيد الجائر من دون محاسبة فاعلة.
انفلات السلاح وغياب القوانين الرادعة واستمرار الاستنزاف للحياة البرية في ليبيا، دفعت 'الجمعية الليبية لحماية الحياة البرية' إلى نشر بيان استغاثة وتحذير مما يجري، بعد تواتر تداول صور توثق عمليات صيد جائر خلال موسم الصيد الذي ينشط في الفترة ما بين فصلي الخريف وبداية الشتاء من كل عام. ووصفت ما يجري بـ'جريمة بيئية خطرة تمس ثروتنا الطبيعية وتهدد التوازن البيئي في ليبيا'.
وقالت الجمعية في بيانها إن 'هذه الأفعال لا يمكن اعتبارها هواية أو رزقاً مشروعاً، بل هو انتهاك صارخ لحقوق الحياة البرية وإبادة جماعية للطيور المهاجرة التي تمر عبر ليبيا في رحلتها الطبيعية'.
وأهابت الجمعية بمؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام أن تضطلع بدورها في نشر الوعي بخطورة هذه الممارسات، وإلى تعزيز القوانين والتشريعات الخاصة بحماية الحياة البرية وتفعيل آليات الرقابة الميدانية، مؤكدة أن حماية البيئة ليست ترفاً، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية وإنسانية.



























