اخبار العراق
موقع كل يوم -المسلة
نشر بتاريخ: ٢٩ أب ٢٠٢٥
29 غشت، 2025
بغداد/المسلة: تمدّد الفراغ في بطن دجلة والفرات حتى صار النهران مجرد خيط ماء ينساب بين تراب يابس، فيما ارتسمت على وجوه الصيادين علامات دهشة ممزوجة بالقهر وهم يعبرون المجرى مشيًا على الأقدام، كأنهم يسيرون فوق ذاكرة نهر كان يومًا يفيض بالخصب.
وظهرت الصور القادمة من جنوب العراق كأنها مقاطع من فيلم عن نهاية العالم: جاموس نافق على ضفاف موحلة، أهوار تحولت إلى أرض متشققة، كلاب سائبة تبحث عن لقمة في منتصف مجرى دجلة الجاف، وأطفال يستلقون في قاع النهر اليابس رافعين كتبًا وصورًا نحو الكاميرات، يطلبون انتباه العالم.
وقال مربو الجاموس في أرياف ذي قار إن الماشية تموت عطشًا واحدًا تلو الآخر، وإن العائلات باتت عاجزة عن إطعام مواشيها أو توفير الماء لها، لتبدأ رحلة النزوح نحو المدن، حيث لا عمل ولا هوية سوى النجاة من الجفاف.
وأحدثت سنوات الانقطاع الطويلة للمطر وانخفاض مناسيب النهرين صدمة غير مسبوقة، إذ صار الحديث عن انقراض الأهوار أمرًا واقعيًا بعدما جفت أكثر من ثلثي مساحتها، وخسر السكان مواردهم التاريخية في صيد الأسماك وتربية الجاموس.
وتمخضت الأزمة عن مشاهد مؤلمة: صياد يبيع قاربه الخشبي لأن الماء لم يعد يرفع وزنه، وأطفال يلتقطون الصور وسط الرمال حيث كانوا يسبحون، ونساء يقفن في طوابير بانتظار صهاريج الماء، بينما يتصاعد الغبار بدل النسيم الرطب الذي كان يهب من الأهوار.
وصرّح ناشطون بيئيون أن ما يحدث ليس مجرد تغير مناخي، بل جريمة بطيئة ضد الطبيعة والإنسان، حيث السياسات المائية الفاشلة والهدر والاعتماد على دول المنبع تترك جنوب العراق يواجه مصيره وحيدًا.
وارتفعت الحرارة هذا الصيف إلى مستويات خانقة تجاوزت الخمسين درجة مئوية، في وقت انخفض فيه منسوب السدود إلى أدنى معدلاته منذ عقود، لتتكدس الأرقام مع صور النزوح الجماعي في مشهد واحد يلخص مستقبلًا أسود ما لم يحدث تدخل سريع.
ووقف الأهالي أمام هذه الكارثة عاجزين إلا من صور ينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي، صور تستبدل الكلمات بالوجوه المرهقة والأرض المتشققة والمواشي النافقة، محاولة لجعل العالم يشهد المأساة قبل أن تختفي نهائيًا.
About Post Author
Admin
See author's posts