اخبار العراق
موقع كل يوم -المسلة
نشر بتاريخ: ٢٩ أب ٢٠٢٥
29 غشت، 2025
بغداد/المسلة: يبدو مشهد الجنوب السوري اليوم كأنه شهادة حيّة على انهيار النظام العربي وتفكك قدرته التاريخية على تشكيل جبهة موحدة في مواجهة إسرائيل.
وتعكس التوغلات العسكرية الإسرائيلية المتكررة في ريف دمشق ودرعا والقنيطرة فراغًا أمنيًا وسياسيًا لم يعد يخفي هشاشة الدول المحيطة.
وتتجلى الأزمة في غياب أي ردع حقيقي أو حتى خطاب رسمي يوازي حجم الانتهاكات، ما يشي بتراجع دور العواصم العربية المركزية التي كانت تمثل ثقل المواجهة.
ويكشف هذا الواقع أن إسرائيل لم تعد ترى في المنطقة خصمًا استراتيجيًا بل فراغًا قابلًا لإعادة التشكيل بما يخدم مصالحها الأمنية.
ويصبح الجنوب السوري، بما فيه من عمليات تهجير واقتحام واستيلاء على أراضٍ، مرآة لانكشاف انهيار المنظومة العربية وتحولها إلى أطراف متفرقة عاجزة عن الفعل.
وتكشف التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري عن مشهد استراتيجي يتجاوز حدود القرى والبلدات التي تشهد اقتحامات واعتقالات، إذ تعكس حالة فراغ سياسي وأمني غير مسبوقة في تاريخ المنطقة.
وتبدو هذه التحركات الميدانية وكأنها جرس إنذار على انهيار ما تبقى من منظومة الردع العربية، بعدما تحولت الحدود السورية – التي طالما اعتبرت جبهة تماس – إلى ساحة مفتوحة لتوسعات إسرائيلية يومية تجري تحت الأعين من دون أي ردع فعلي.
وتظهر الوقائع الميدانية أن إسرائيل لا تكتفي بالتحركات العسكرية المحدودة، بل تسعى إلى إعادة رسم خريطة السيطرة جنوب دمشق وريف القنيطرة ودرعا، من خلال فرض وقائع جديدة: اعتقالات، تهجير، استيلاء على أراضٍ، وتأسيس نقاط تمركز عسكرية دائمة. ويشير ذلك إلى أن المسألة لم تعد مجرد عمليات أمنية ظرفية، بل جزء من استراتيجية إسرائيلية طويلة المدى تهدف إلى تحويل هذه المناطق إلى نطاق عازل يحمي حدودها ويقوض أي وجود عسكري معادٍ.
ويفضح الصمت السوري الرسمي، كما يشير محللون، هشاشة البنية السياسية للدولة، إذ تتزامن الانتهاكات الميدانية مع مباحثات في باريس تُسوّق باعتبارها فرصة لإحياء اتفاق فصل القوات لعام 1974.
غير أن هذا التناقض الصارخ بين الميدان والدبلوماسية يعكس تحوّل الحكومة الانتقالية نحو مقايضة السيادة الوطنية بوعود إعادة الإعمار، أو على الأقل تجاهل ما يجري على الأرض لحساب ترتيبات دولية يجري التفاوض عليها خلف الأبواب المغلقة.
ويكشف هذا المشهد عن مأزق أعمق للنظام العربي برمته، فالمسألة لم تعد تتعلق بقدرة دمشق وحدها على الصمود، بل بانكشاف غياب الدول المركزية القادرة على فرض معادلات ردع في مواجهة إسرائيل. ويفسر هذا التآكل المؤسسي كيف باتت إسرائيل قادرة على ممارسة سياسات 'الأمن بالاقتحام' دون خشية من ردود فعل إقليمية أو عربية، في انعكاس لواقع انهيار النظام الإقليمي الذي كان يرفع شعار 'القضية المركزية'.
وتطرح هذه التطورات سؤالًا وجوديًا: هل تتحول المفاوضات الراهنة إلى غطاء يمنح إسرائيل شرعية لما تفرضه عسكريًا على الأرض، مقابل فتات سياسي واقتصادي لدمشق؟ وإذا كان ذلك صحيحًا، فإن الجنوب السوري يغدو ليس مجرد جبهة مهمشة، بل مرآة لانهيار البنية العربية الجامعة التي فقدت أدوات الفعل واحتفظت فقط بخطابات متفرقة.
About Post Author
moh moh
See author's posts