اخبار العراق
موقع كل يوم -صوت العراق
نشر بتاريخ: ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٦
صباح البغدادي
في ميزان التحولات الإقليمية والدولية والتغير الذي حصل في خارطة الشرق الأوسط ودولها الإقليمية , وبين استحقاقات الداخل وضغوط الخارج تتجه اليوم العملية السياسية في العراق نحو مرحلة مفصلية جديدة، مع بيان يوم السبت الماضي قوى 'الإطار التنسيقي' بصفته الكتلة البرلمانية الأكبر حالياً بعدد يقارب 175 نائباً، من أعلانها الرسمي عن ترشح السيد ( نوري المالكي ) لولاية ثالثة بوصفه المرشح الوحيد للائتلاف. ويأتي هذا التطور في وقت تتضاءل فيه بشكل كبير فرص رئيس الوزراء الحالي المنتهية ولايته ( محمد شياع السوداني ) في الفوز بولاية ثانية، بانتظار استكمال الاستحقاق الدستوري المتمثل بانتخاب رئيس الجمهورية والذي ما يزال نشهد لغاية الساعة عدم توافق بين (اليكتي) و( البكتي ) ووصول القائمة النهائية للمرشحين والتي تضم 18 شخصاً، ومع انتظار وترقب عقد جلسة مجلس النواب غدا الثلاثاء ليحسم القرار في نهاية المطاف باختيار أحد هؤلاء المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية .
غير أن عودة (المالكي) المحتملة إلى رئاسة الحكومة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات العميقة التي طرأت على قواعد اللعبة السياسية داخلياً، وعلى بنية النظام الإقليمي والدولي خارجياً. فالمالكي، والذي يمتلك خبرة طويلة في إدارة التوازنات المعقدة بين الكتل السياسية، يدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أن آليات تشكيل الحكومة، وتوزيع الحقائب الوزارية، وإدارة الصراع داخل البرلمان، لم تعد خاضعة لذات الأساليب التي كانت سائدة خلال ولايتيه السابقتين، ولا سيما في ظل البيئة الدولية التي كانت أكثر تساهلاً معه خلال حقبتي 'جورج بوش / الابن' و' باراك أوباما '، حيث أتاحت “المناطق الرمادية” هامشاً واسعاً للمناورة والمماطلة السياسية والتغيرات البنيوية التي طالت البيئة الاستراتيجية المحيطة بالعراق، إلى جانب تحولات عميقة في أولويات الفاعلين الدوليين، تفرض إعادة تقييم شاملة لقابلية النماذج السياسية السابقة على الاستمرار أو التكرار ولان اليوم ليس كالأمس ، فقد تبدلت المعادلات جذرياً. وشهدت خارطة الشرق الأوسط تغيرات بنيوية غير مسبوقة، تمثلت في انهاء ما كان يُعرف بـ“الهلال الشيعي”، وانحسار محور ( المقاومة والممانعة ) وسقوط نظام ( بشار الأسد ) وتراجع كبير للدور العسكري والسياسي لـ ( حزب الله اللبناني) وهو ما أعاد رسم موازين القوى الإقليمية، وقلّص من قدرة الفاعلين التقليديين على فرض معادلاتهم السابقة .
من الناحية الداخلية، لا يمكن النظر إلى ترشيح (المالكي) بمعزل عن تراجع فرص (السوداني ) في الحصول على ولاية ثانية، ولا عن التوازنات البرلمانية الجديدة التي أعادت ترسيخ هيمنة قوى (الإطار التنسيقي ) على مفاصل القرار التشريعي والتنفيذي. إلا أن هذه الهيمنة العددية لا تعني بالضرورة قدرة مطلقة على إعادة إنتاج أنماط الحكم السابقة حتى ولو كانت بصيغ وسيناريوهات مختلفة ، ولا سيما في ظل تعقّد عملية تشكيل الحكومة، وتصاعد حدة التنافس على توزيع الحقائب الوزارية، وتراجع هامش التسويات التقليدية التي كانت تُدار عبر تفاهمات غير معلنة بين الكتل السياسية.
وتشير لنا ومن خلال المتابعة لهذا الملف ومع المؤشرات الراهنة إلى أن النخب السياسية الفاعلة، وفي مقدمتها (المالكي) نفسه، باتت أكثر إدراكاً لكون قواعد اللعبة السياسية قد خضعت لتحول نوعي، يتمثل في تقلص قدرة السلطة التنفيذية على المناورة، واتساع نطاق الرقابة الخارجية غير المباشرة على مسارات صنع القرار، خصوصاً في الملفات السيادية الحساسة.
في هذا السياق، يجد المالكي نفسه، في حال تكليفه رسمياً، أمام اختبار بالغ الحساسية في علاقته مع الإدارة الأميركية، ولا سيما في ظل رئاسة 'دونالد ترامب' التي تتسم بسلوك سياسي غير تقليدي، واتخاذ قرارات استراتيجية مفاجئة أشبه ما تكون بالصدمة والترويع وكما حدث مع اعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته من قلب العاصمة كراكاس ، وميله الواضح إلى استخدام أدوات الضغط القصوى ومنها التدخل العسكري ويُعد هذا العامل المتغير الأكثر حساسية في معادلة الحكم المقبلة , لان التعامل مع واشنطن في هذه المرحلة يتطلب قدراً عالياً من الحذر، إذ إن أي محاولة للتسويف أو المناورة في ملف سلاح الميليشيات والفصائل المسلحة الموالية، قد تضع حل هذا الملف على رأس جدول الأعمال الأميركي، عبر قرارات ملزمة لا تقتصر تداعياتها على شخص رئيس الوزراء، بل تمتد لتطال بنية الدولة العراقية برمتها.وفي هذا الإطار، يُنظر بقلق داخل دوائر صنع القرار في واشنطن إلى احتمال عودة المالكي إلى رئاسة الوزراء، وهو قلق لا يقتصر على شخصه بقدر ما يرتبط بنموذج الحكم الذي سوف يمثله، ولا سيما في ما يتعلق بملف سلاح الفصائل المسلحة غير الخاضعة بالكامل لسلطة الدولة، ومستوى التنسيق السياسي والاقتصادي مع إيران . ولذا من المرجح أن يتحول هذا القلق إلى سياسات عملية، قد تشمل فرض حزم متدرجة من العقوبات الاقتصادية لكيانات واشخاص ووزارات بعينها ، في حال لم تُظهر الحكومة العراقية الجديدة التزاماً واضحاً بإعادة ضبط هذه الملفات .
إن استمرار أي حكومة عراقية مفترضة في تبني نهج الولاء غير المشروط لإيران، كما كان سائداً في مراحل سابقة، ولا سيما في ملفات الهيمنة الاقتصادية وسلاح الفصائل، ينذر بنتائج كارثية على المدى القريب والمتوسط. وقد بات واضحاً أن سياسة “مسك العصا من المنتصف” لم تعد خياراً واقعياً أو مجدياً في ظل إدارة أميركية لا تقبل الغموض الاستراتيجي، ولا تتسامح مع ازدواجية المواقف.
وقد عبّرت واشنطن، في أكثر من مناسبة، عن قلقها إزاء العودة المتوقعة ( للمالكي) إلى منصب رئاسة الوزراء، وهو قلق مرشح للترجمة عملياً عبر حزم متتالية من العقوبات الاقتصادية، قد تعمّق هشاشة الاقتصاد العراقي، وتقيّد حركة الحكومة الجديدة في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية وفي حال إصرار الولايات المتحدة على رفض خيار الولاية الثالثة، ويُرجَّح لنا ومن خلال قراءتنا أن يلجأ مبعوثها الخاص، ' سافايا '، إلى تفعيل أدوات ضغط سياسية داخلية، من خلال تحريك بعض القوى السنية لإعادة إحياء سردية “ الثلث المعطِّل”، بوصفها آلية دستورية–سياسية لعرقلة مسار تشكيل الحكومة. وفي هذا السياق، يمكن لنا النظر إلى إعادة ترشيحه للولاية الثالثة من قبل قوى الإطار التنسيقي الشيعي على أنها نعتبرها خطأ استراتيجي جسيم، وجاء في توقيت بالغ الحساسية، يتسم بتفاقم الأزمات الاقتصادية والمالية الداخلية وبالأخص دفعات الرواتب للموظفين والمتقاعدين والضرائب المرتفعة التي فرضت ، وارتفاع مستويات الهشاشة السياسية، بالتوازي مع بيئة إقليمية قابلة للانفجار في أي لحظة. وإن الإصرار على هذا الخيار، رغم المؤشرات الدولية السلبية الواضحة، لا يهدد فقط فرص الاستقرار الحكومي، بل قد يدفع بالنظام السياسي العراقي إلى حالة انسداد شامل، تكون كلفته أعلى بكثير من مجرد فشل في تشكيل بنية حكومة، وتمتد تداعياته إلى تقويض القدرة على إدارة الدولة في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.
في ظل هذه المعطيات، تحتاج المرحلة الراهنة إلى قيادة قادرة على “الانحناء للعاصفة” الأميركية، لا مواجهتها بأساليب تقليدية ثبت فشلها، مثل استدعاء الولاءات الحزبية، أو توظيف الخطاب الطائفي والمذهبي والديني. فالرئيس ' ترامب '، كما تشير الوقائع والدلالات، يشكل حالة استثنائية في صنع القرار السياسي الدولي، ويصعب التنبؤ بتوجهاته أو توقيت قراراته، وهو ما تعكسه بوضوح التحشدات العسكرية الأميركية المتزايدة في الخليج وبحر العرب، في انتظار ما قد يكون ضربة عسكرية وشيكة لايران تعيد خلط الأوراق في المنطقة. وعليه، فإن أي حكومة عراقية جديدة مطالبة بإدراك خطورة اللحظة التاريخية الراهنة، حيث لم يعد الحياد خياراً مضموناً للوصول إلى بر الأمان، كما أن أي تهديد أو مشاركة من قبل الفصائل الولائية في صراع إقليمي مرتقب ستكون له تداعيات مدمرة، لا على تلك الفصائل فحسب، بل على العراق كدولة وشعب ومؤسسات.
العراق يقف أمام مفترق طرق استراتيجي، حيث لم يعد بالإمكان إدارة الدولة بالأدوات والخطابات التي سادت في المراحل السابقة. فالمرحلة المقبلة تتطلب قيادة سياسية قادرة على استيعاب التحولات البنيوية في النظامين الإقليمي والدولي، والتعامل معها ببراغماتية مؤسسية، بعيداً عن الاعتبارات الأيديولوجية أو الولاءات ما دون الوطنية. إن الفشل في استيعاب طبيعة هذه المرحلة قد يضع العراق أمام كلفة استراتيجية مرتفعة، تتجاوز حدود الأزمة السياسية لتطال أسس الدولة ووظيفتها الإقليمية. وإن المرحلة المقبلة تختلف جذرياً عما سبقها، وما يحمله المستقبل القريب من تحولات قد يُحدث تغييرات بنيوية عميقة في الإقليم بأسره، يضع العراق أمام مفترق طرق حاسم: إما الانخراط في منطق الدولة والسيادة وتحييد الصراعات، أو دفع أثمان استراتيجية باهظة قد تعصف بما تبقى من استقراره الهش.
اليوم بات من الضروري على قادة الأحزاب والكتل البرلمانية العراقية، بمختلف انتماءاتهم الشيعية والسنية، وبدرجة أقل الكردية، أن يدركوا أن العراق يقف عند حافة مرحلة مفصلية عالية المخاطر، تتسم بانسداد هوامش الخطأ وتراجع فرص المناورة والمناطق الرمادية التي كان يستغلها قادة الأحزاب في التعامل مع الدول الغربية . فعودة 'ترامب' إلى واجهة القرار الأميركي لا تمثل مجرد تغيير إداري، بل انتقالاً إلى نمط ضغط قسري مباشر لا يترك مجالاً للسياسات الرمادية أو الازدواجية في المواقف. وعليه، فإن أي إخفاق في التعامل بواقعية صارمة مع إدارة ' ترامب '، أو أي سوء تقدير في إدارة الضغوط ، قد يفضي إلى كلف استراتيجية جسيمة تتجاوز الإطار السياسي لتطال ركائز الاستقرار الاقتصادي والأمني للدولة العراقية. كما أن التعاطي مع المبعوث الأميركي ' سافايا ' ينبغي أن يُفهم بوصفه تعاطياً مع حامل ملفات تفجيرية بامتياز، لا تقتصر على كونها شديدة الحساسية، بل تنطوي على تهديدات مباشرة لمستقبل النظام السياسي العراقي وخلال ما تبقى من الولاية الرئاسية لترامب. إن التقليل من خطورة هذه المرحلة، أو الاستمرار في إدارة الدولة بذهنية ما قبل التحولات الدولية الراهنة التي طرأت على خارطة الشرق الاوسط ، قد يضع العراق على مسار تصادمي مكلف، يصعب احتواء تداعياته لاحقاً.






































