اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٢٥
أعلنت الداخلية الجزائرية عن اعتراض 100 ألف مهاجر غير شرعي وإرجاع 82 ألفاً آخرين
لا تزال الهجرة غير الشرعية تؤرق الجزائر، وبقدر ما عملت الحكومات المتعاقبة على معالجة الظاهرة، باتت البلاد تتلقى ضغوطاً من أجل منع تنقل قوافل المهاجرين، بخاصة الأفارقة، نحو أوروبا، فهل باتت الجزائر دركي أوروبا؟
يأتي إعلان وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل في الجزائر سعيد سعيود عن 'اعتراض أكثر من 100 ألف مهاجر غير شرعي إلى شمال أفريقيا وأوروبا في 2024، وإرجاع أكثر من 82 ألفاً آخرين إلى بلدانهم خلال عام 2025، في ظروف تحفظ كرامتهم وحقوقهم الأساسية'، ليكشف عن المساعي المبذولة للحد من الهجرة غير الشرعية، سواء تعلق الأمر بالمهاجرين الذين يفضلون الاستقرار بالجزائر أو المغامرين نحو أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط.
أثيرت استفهامات كثيرة بخصوص الاهتمام الذي توليه دول أوروبية للمهاجرين المنطلقين من شمال أفريقيا، بعد تصريحات وزير الداخلية الجزائري خلال لقاء نظيره الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، حين قال إنه 'لولا الحزم العالي لقواتنا الأمنية واحترافيتها لتمكن معظم المهاجرين غير الشرعيين من الوصول إلى الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط وعلى الخصوص إلى إسبانيا'، موضحاً أن 'جهود حماية أراضينا من هذه التهديدات مكنتنا من وقف التدفقات'. وأبرز أن الجزائر وعلى رغم ضغوط ظاهرة الهجرة غير الشرعية، فإنها لا تستخدمها بأي صورة من الصور، كورقة ابتزاز أو مساومة مع دول المقصد، أي الدول الأوروبية، مثلما تفعل جهات أخرى، كون الأمر يتعلق بمسألة إنسانية'. وأضاف الوزير الجزائري، 'إذا كانت إسبانيا تواجه تحديات مرتبطة بوصول مهاجرين غير شرعيين إلى سواحلها، فإن بلادي تواجه تحدياً مماثلاً وبتهديدات مضاعفة وتعقيدات أكبر وأخطار أدق لارتباط ذلك بوصول أعداد هائلة من هؤلاء المهاجرين من دول الساحل الأفريقي ومن مختلف الدول الأفريقية، وحتى الآسيوية، للبحث عن الطرق والممرات الممكنة للوصول بدرجة أولى، إلى السواحل الأوروبية، وبالأخص إلى إسبانيا'.
من جانبها قررت إيطاليا في أبريل (نيسان) 2025 تخصيص 20 مليون يورو (نحو 23 مليون دولار)، لإعادة أفارقة جنوب الصحراء الكبرى المهاجرين، الموجودين في الجزائر وتونس وليبيا إلى بلدانهم الأصلية، بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة، وذلك في سياق مكافحة الهجرة غير الشرعية، وتعهدت الحكومة الإيطالية برئاسة جورجيا ميلوني، بتقليص الهجرة غير النظامية إلى السواحل الإيطالية من شمال أفريقيا، وتسريع إعادة المهاجرين الذين لا يستوفون شروط اللجوء.
وما زاد من التوجس مناقشة 'منظمة الهجرة الدولية' خلال زيارة الوزير البريطاني المكلف شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هاميش فالكونر إلى الجزائر سبل تعزيز التعاون في إطار مشروع الهجرة والتنمية في شمال أفريقيا الذي يهدف إلى دعم المهاجرين وتحسين ظروفهم المعيشية في واحد من أكثر طرق الهجرة صعوبةً في العالم، فهل تواجه الجزائر ضغوطاً أوروبية من أجل قبول مهمة مركز المراقبة المتقدم؟
ويُنفذ 'مشروع الهجرة والتنمية في شمال أفريقيا' بتمويل من وزارة التنمية الدولية البريطانية، ويشمل الجزائر ومصر وتونس، ويركز على حماية الأرواح ومساعدة المهاجرين في أوضاع هشة من خلال تقديم الدعم الإنساني والتقني، وتعزيز قدرات المجتمعات المحلية في الاستجابة لاحتياجات الفئات المتضررة، بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة وتقليص دوافع الهجرة غير النظامية.
لا تتوقف مجهودات الأوروبيين عند بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا فقط، وإنما تتعداها إلى اقتراح الاتحاد الأوروبي في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ضمن ميثاقه الجديد من أجل البحر الأبيض المتوسط، حزمة واسعة من الإجراءات والتدابير للشراكة مع الجزائر ودول الجنوب المتوسطي، اللافت فيها استمرار مقاربة بروكسل القائمة على أساس تعزيز التعاون في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، مقابل إفساح طرق محدودة للهجرة القانونية، مما يعني رغبة التكتل القاري الأوروبي في جعل الشركاء بمثابة شرطي أو دركي لحماية الحدود من تدفقات المهاجرين.
ويرتكز 'الميثاق الأوروبي' على مقاربة متوازنة في شأن الهجرة مع شركائه في جنوب المتوسط، تجمع بين تعزيز التعاون في منع الهجرة غير النظامية ومكافحة التهريب، وبين توسيع فرص الهجرة القانونية. ويؤكد الميثاق أن هذه الشراكة تعتمد على التزامات متبادلة بين تعزيز إدارة الحدود والتعاون في عمليات العودة من جهة، وزيادة فرص التنقل وبرامج هجرة اليد العاملة من جهة أخرى.
وتشير الوثيقة الأوروبية إلى أن دول جنوب المتوسط مطالبة بتعزيز المراقبة على الحدود البرية والبحرية، ومنع انطلاق قوارب المهاجرين نحو أوروبا، والتعاون الوثيق مع الجهات الأوروبية المعنية بخصوص تبادل المعلومات وتنفيذ عمليات مراقبة مشتركة، إضافة إلى قبول ترحيل المهاجرين غير النظاميين.
في المقابل يمنح الاتحاد الأوروبي تسهيلات محدودة لمنح التأشيرات لفئات معينة كالطلبة والباحثين والعمال المهرة ضمن ما يسمى شراكات المواهب إلى جانب تمويلات مشروطة لبرامج العودة الطوعية للمهاجرين غير النظاميين، ويقترح إنشاء منصة متوسطية للوظائف، تهدف إلى ربط أرباب العمل الأوروبيين بالعمال المؤهلين من دول الجنوب، وهي آلية تسمح لأوروبا بانتقاء الكفاءات التي تحتاج إليها، في حين تغلق أبوابها أمام باقي الفئات، إضافة إلى دعم العودة الطوعية عبر تمويل مشاريع صغرى للمهاجرين في بلدانهم الأصلية، وتدريبهم على إعادة الاندماج المهني والاجتماعي، وتُخصَّص تمويلات لتطوير أنظمة المراقبة الإلكترونية والتجهيزات التقنية لحرس الحدود في دول الجنوب، إلى جانب بعض التسهيلات تستهدف الاقتصاد البيئي والرقمي.
في السياق يرى الباحث في علم الاجتماع السياسي مصطفى راجعي أن 'النتائج التي تحققها الجزائر في مجال محاربة الهجرة السرية تصنف في إطار الاستجابة للالتزامات مع شركائها في المتوسط'. وقال، 'لدينا اتفاقات مع إسبانيا وإيطاليا ومع الاتحاد الأوروبي، والجزائر تعد أقرب محطة لعبور شبكات تهجير الأفارقة إلى أوروبا'، مشيراً إلى أن 'التعاون مع بلدان أوروبية كإيطاليا وإسبانيا وفرنسا يقوم أساساً على قضايا الأمن والهجرة غير الشرعية، وقد يبدو هذا تصرف شرطي لمصلحة أوروبا، لكن هو كذلك تصرف يحمي الجزائر'.
ويواصل راجعي 'شباب الجزائر كذلك أصبح ضحية شبكات الهجرة غير الشرعية، ومن دون هذه الشبكات ما كان للشباب أن يموت في البحر أو يقع بين أيادي حرس السواحل، ويضيِّع سنوات حياته في مغامرات غير محسوبة العواقب، من دون أن نذكر المآسي التي تتسبب فيها هذه الهجرات من غرقى ومفقودين وضياع أطفال تأخذهم أمهاتهم في رحلات الموت'.
من جانبه يرى رئيس جمعية الشباب الجزائري المهاجر في إسبانيا محمد الأمين صندوق أن الاتحاد الأوروبي يرى في الجزائر شريكاً فعالاً في ما تعلق بمحاربة الهجرة غير الشرعية، وحلقة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها'، موضحاً أن 'ما تقوم به الجزائر بخصوص مواجهة الظاهرة يندرج في إطار الأمن الاستراتيجي الداخلي، إضافة إلى ما يستوجب عليها كدولة تربطها اتفاقيات مع دول الجوار، وتعاملات إقليمية ودولية، من مراقبة الحدود وتفكيك شبكات التهريب، وإعادة المهاجرين إلى بلادهم الأصلية'. ولفت صندوق إلى أنه 'لا يمكن وصف الجزائر بالدركي لأن مصالحها الداخلية والجيوسياسية في الحفاظ على حدودها البحرية في المرتبة الأولى، تدفعها إلى القيام بذلك'.




















