اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
بدعوة رسمية من تبون وتهدف إلى تعزيز أواصر الثقة وتكريس الإيمان بالعدل والحوار في مواجهة تحديات العصر
في خطوة وُصفت بأنها 'علامة فارقة' في تاريخ العلاقات بين ضفتي المتوسط، تترقب الجزائر في منتصف أبريل (نيسان) المقبل حدثاً استثنائياً يتمثل في أول زيارة بابوية لمسقط رأس القديس أوغسطين.
هذه الزيارة التي تأتي بدعوة رسمية من الرئيس عبدالمجيد تبون لا تحمل في طياتها بروتوكولات دبلوماسية فحسب، بل تمتد لتشمل محطات روحية وتاريخية بين العاصمة وعنابة، وتهدف من خلالها 'حاضرة الفاتيكان' و'قصر المرادية' إلى تعزيز أواصر الثقة وتكريس الإيمان بالعدل والحوار في مواجهة تحديات العصر.
وتحمل زيارة البابا أبعاداً سياسية ودبلوماسية مهمة إلى جانب رمزيتها الدينية، إذ سعت الجزائر في الأعوام الأخيرة إلى تعزيز حضورها كفاعل إقليمي في نشر ثقافة الحوار بين الحضارات، وهو ما يتقاطع مع الدور الذي تلعبه الدبلوماسية الدينية في العالم اليوم، وتطرح في ذات الوقت أسئلة حول مدى تحول الزيارة من مجرد حدث دبلوماسي عابر إلى 'خارطة طريق' حقيقية لتعزيز التعاون بين الجزائر والفاتيكان، وكيف تعكس هذه الزيارة المكانة الاستراتيجية للجزائر كحلقة وصل في الحوار الثقافي والديني العالمي؟
في 25 فبراير (شباط) الماضي، عقد الرئيس عبدالمجيد تبون اجتماعاً لتقييم عمل اللجنة المكلفة بالتحضير لزيارة بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر إلى الجزائر. وفي سياق التحضير لاستقباله، بثت صفحة الرئاسة الجزائرية صوراً لاجتماع ترأسه تبون بحضور كبار المسؤولين الأمنيين ووزيري الداخلية والشؤون الدينية، خصص لتقييم عمل اللجنة المكلفة بالتحضير للزيارة المرتقبة للبابا إلى الجزائر، في خطوة تعكس الأهمية التي توليها الدولة لهذا الحدث.
وفي اليوم نفسه، كشف الفاتيكان عن الأجندة الدولية المكثفة للبابا ليو الرابع عشر للأشهر المقبلة، التي تتصدرها جولة أفريقية تاريخية تشمل أربع دول. وتعد المحطة الجزائرية الأبرز في هذه الجولة، حيث سيسجل البابا أول زيارة بابوية في تاريخ البلاد بين 13 و15 أبريل، وتشمل العاصمة ومدينة عنابة.
وبحسب البيان الذي نقلته وكالة 'الصحافة الفرنسية'، سيتوجه البابا لاحقاً إلى الكاميرون، ثم أنغولا في 18 أبريل، ليختتم جولته القارية في غينيا الاستوائية بين 21 و23 من الشهر ذاته. كما تضمن الجدول المعلن زيارة لموناكو في أواخر مارس (آذار) الحالي، ورحلة إلى إسبانيا مطلع يونيو (حزيران) المقبل.
ورحبت الجزائر بزيارة البابا، وقال بيان صحافي صادر عن الرئاسة الجزائرية، إن 'هذه الزيارة من شأنها تعزيز روابط الصداقة والثقة والتفاهم بين الجزائر والفاتيكان، وفتح آفاق جديدة للتعاون بين الطرفين، بما يعكس إيمانهما المشترك بضرورة بناء عالم يسوده السلم وقيم الحوار والعدالة في مواجهة التحديات الراهنة التي تعترض البشرية'، وفقاً لوكالة الأنباء الجزائرية.
قبل ذلك، وفي 24 يوليو (تموز) 2025، استقبل البابا الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون في الفاتيكان، على هامش زيارة الأخير إلى إيطاليا، حيث جرت مناقشة العلاقات الجيدة القائمة بين الكرسي الرسولي والجزائر. بعدها أعلن البابا في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، خلال رحلة عودته من لبنان، أنه يتمنى التوجه إلى الجزائر لزيارة أماكن حياة القديس أوغسطين.
وتفيد مصادر إعلامية، أن كلاً من كنيسة السيدة الأفريقية في العاصمة، وكنيسة القديس أوغسطين في مدينة عنابة، استكملتا عملية التسجيل لحضور القداسين، بالنظر إلى العدد المحدود للمقاعد والفضاء الملحق بالكنيستين اللتين ستستقبلان البابا، وتركتا الأمر للسلطات الأمنية المختصة لضبط الترتيبات الأمنية الخاصة بتأمين الزيارة.
وأشارت المصادر إلى أن نحو 200 صحافي من المرتقب أن يرافقوا البابا في زيارته إلى الجزائر، حيث تقوم السلطات الجزائرية بتجهيز مركز إعلامي خاص لتسهيل ظروف عمل القنوات والصحافيين المحليين والأجانب.
وكشف أسقف الجزائر الكاردينال جون بيار فيسكو، في تصريحات صحافية أن البابا ليو الـرابع عشر سيلتقي الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، وسيجتمع أيضاً بالجماعة المسيحية في كنيسة السيدة الأفريقية حيث سيُقام قداس، وبعدها سيتوجه إلى مصلى 'الـ19 طوباوياً شهيداً' وهم رجال دين كاثوليك اغتيلوا خلال أعوام الإرهاب في تسعينيات القرن الماضي.
وأكد الكاردينال جون بيار فيسكو، وهو ممثل بابا الفاتيكان في الجزائر، أنه ليس في الخطة زيارة دير تيبحيرين (120 كيلومتراً جنوبي العاصمة الجزائرية)، حيث قتل سبعة من الرهبان اختطفتهم جماعة مسلحة عام 1997، وقال 'هذا غير مخطط له، ورسالة تيبحيرين هي أن المسيحيين قتلوا جنباً إلى جنب مع المسلمين قبل أن يقتلوا على أيدي مسلمين'.
ويتضمن اليوم الثاني من البرنامج البابوي زيارة إلى مدينة عنابة، حيث كان القديس أوغسطين أسقفاً، وهي محطة لا تقل وزناً عن برنامج العاصمة، سواء من الناحية الكنسية أو من زاوية الرسائل الحضارية التي تريد الزيارة إبرازها. ومن المنتظر أن يقيم البابا هناك قداساً أيضاً.
ويشير اختيار مدينة عنابة كمحطة ثانية لزيارة البابا، إلى رمزية هذه المدينة التي تحتضن كنيسة القديس أوغسطين. والمعروف أن البابا متأثر بهذه الشخصية الكبيرة، فقد صرح بمجرد تنصيبه على رأس الكنيسة الكاثوليكية في مايو (أيار) 2025، أنه 'أوغسطيني المنهج'.
وعن الدلالات الرمزية لهذه الزيارة، أكد رئيس أساقفة الجزائر أنها تعكس روح الأخوة والحوار بين الأديان، بخاصة أنها تأتي في بلد مسلم يستقبل رأس الكنيسة الكاثوليكية.
وأشار الكاردينال أيضاً إلى أن رسالة السلام ستكون في صلب هذه الزيارة، مذكراً بأن أولى كلمات البابا بعد انتخابه كانت 'السلام معكم'، وهي عبارة تلتقي في معناها مع تحية الإسلام 'السلام عليكم'. مشيراً إلى أن ليو الرابع عشر سبق أن زار الجزائر مرتين عندما كان الرئيس العام لرهبنة القديس أوغسطين.
ويقول الأمين العام السابق للمجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر بومدين بوزيد، إن زيارة البابا إلى الجزائر تمثل حدثاً تاريخياً باعتبارها أول زيارة بابوية للبلاد، مبرزاً أن زيارة عنابة تمثل 'حجاً مقدساً' يستحضر مسار الحج المسيحي التاريخي من روما إلى قرطاج ثم سوق أهراس وعنابة، بخاصة أن البابا ينتمي إلى 'الرهبنة الأوغسطينية'.
وأوضح في تدوينة له على موقع 'فيسبوك'، أن هذه الزيارة من شأنها الدفع نحو علاقة أكثر نتاجاً بين الجزائر والفاتيكان في الدفاع عن القضايا العادلة في العالم، مؤكداً أن الفاتيكان ليس ناطقاً دينياً باسم الغرب، بل هو، وفق ما يصرح به البابا الحالي، صوت للإنسانية جمعاء، وهو ما تؤكده مواقف البابا تجاه غزة ودعوته إلى حل الدولتين، ودفاعه عن المهاجرين، وتنبيهه إلى أن البحر الأبيض المتوسط أصبح 'قبر الضمير الإنساني'.
وتوقع المتحدث أن يتم إعلان قداسة رهبان تيبحيرين مستقبلاً، بعد أن تم تطويبهم في ديسمبر 2018 بوهران، إلى جانب القس بيار كلافري الذي اُغتيل أمام كنيسته خلال أعوام الإرهاب.
ويرى بوزيد أن الجزائر ليست في خصومة مع المسيحيين، مستشهداً بمواقف شخصيات كنسية ساندت استقلال الجزائر ووقفت إلى جانب الفقراء، على غرار الكاردينال ليون إتيان دوفال وهنري تيسييه.
وتكتسي زيارة البابا التي تعد الأولى من نوعها، بُعداً استثنائياً، فهي تضع الجزائر في قلب حدث ديني ودبلوماسي ورمزي من طراز رفيع. وتأتي هذه الخطوة في لحظة إقليمية ودولية مشحونة بالتوترات والحروب، مما يمنح الزيارة مضموناً يتجاوز الأطر البروتوكولية المعتادة، لتتحول إلى رسالة سلام مدوية، ودعوة صريحة للحوار والتعايش بين الشعوب.
وفي وقت تتجه أنظار العالم نحو حوض المتوسط، تأتي زيارة البابا المرتقبة للجزائر لتتوج مساراً دبلوماسياً بدأ منذ عام 1972، وتضع حجر الأساس لمرحلة جديدة من الحوار بين الأديان والتعاون الاستراتيجي، إذ على رغم كون الجزائر دولة تدين بالإسلام دستورياً وذات أغلبية مسلمة اجتماعياً، فإن علاقتها مع الكرسي الرسولي اتسمت باستقرار نسبي لافت على مدار خمسة عقود.
الباحث في الشؤون القانونية والإسلامية فتحي طراح، يوضح أن زيارة البابا إلى الجزائر لا تنفصل عن سياقها الحضاري والدستوري؛ فهي تعكس صورة دولة واثقة بهويتها الإسلامية، ومنفتحة في الوقت نفسه على الحوار بين الأديان.
وأوضح لـ'اندبندنت عربية' أن 'الجزائر، ذات الغالبية المسلمة، شكل الإسلام في وجدانها منظومة قيم تقوم على الاعتدال والتعايش واحترام حرية المعتقد، وهو ما يكفله الدستور صراحة، وقد عبر القرآن عن هذا المبدأ. ومن هذا المنطلق يُفهم استقبال شخصية روحية عالمية في إطار رؤية حضارية تعزز جسور التفاهم والسلم بين الشعوب. غير أن الجزائر تميز بوضوح بين حرية التدين وممارسة النشاط الديني خارج القانون، فهي لا تقبل أي شكل من أشكال التطرف أو التوظيف المشبوه للدين، أياً كان مصدره، حتى لو جاء بعباءة الإسلام'.
وأضاف أن 'تجربة الجزائر الطويلة في مكافحة الإرهاب تشهد بذلك ولا تخفى على ذي لب. ومن ثم تمثل هذه الزيارة رسالة بأن الانفتاح والحوار يمكن أن يجتمعا مع حماية الاستقرار والسيادة الوطنية'.
من جانبه يقول المحلل السياسي عبد الحكيم بوغرارة، إن هذه الزيارة تدخل في سياق إسقاط كثير من التقارير السلبية التي تستهدف ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين في الجزائر، والتي هي في الواقع منظمة بقانون واضح، كما أن الدستور الجزائري يضمن حرية المعتقد.
ويرى أنها ستكون محطة لتعزيز الحوار بين الأديان، وتسبق السلام والدعوة إلى وقف الحروب، وحل الأزمات والمشاكل بالطرق السلمية من خلال توظيف مختلف الأديان.
وأضاف لـ'اندبندنت عربية'، أنه بالنظر إلى الشعبية العالمية التي يحظى بها بابا الفاتيكان، ستكون الزيارة محط أنظار كل وسائل الإعلام العالمية، وستكون الفرصة سانحة لتأييد الرأي العام العالمي المساند للسلام ووقف العدوان والحروب أينما كانت، كما أن تزامن هذه الزيارة مع ما يحدث في غزة وإيران مهم لإعادة بعث رسائل السلام والدعوة إلى التهدئة.
وذكر بوغرارة أن هذه الزيارة تحظى باهتمام كبير من السلطات الجزائرية، وهو ما يؤكد أن الجزائر تعول عليها كثيراً لتحقيق عديد من الأمور، عبر تسويق صورة حقيقية عن الجزائر، خصوصاً أن كثيراً من الكنائس تنشط في الجزائر من دون مشكلات تذكر.
وأفاد بأن الجزائر تهدف من الزيارة لتصحيح كثير من المفاهيم والصور النمطية السلبية التي غرستها وسائل الدعاية في العالم حول الجزائر، وأن لديها رمزية كبيرة، مما قد يفتح المجال للسياحة الدينية المسيحية، خصوصاً في ظل تطور العلاقات بين الجزائر وعديد من الدول المسيحية في العالم.




















