اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٧ أذار ٢٠٢٦
كاتبة السيناريو تلجأ إلى القضاء للمطالبة بوقف بث العمل مما يعيد النقاش حول حقوق المؤلف والعلاقة بين الكاتب والمنتج في الدراما المحلية
أثار عرض المسلسل التاريخي الجزائري 'فاطمة' الذي يروي سيرة حياة الفنانة الراحلة فضيلة دزيرية، إحدى أبرز أيقونات الطرب العاصمي والأندلسي في اللونين الحوزي والعروبي، جدلاً في الوسط الفني والإعلامي، بعد لجوء كاتبة السيناريو سارة برتيمة إلى القضاء للمطالبة بوقف بث العمل بصورة فورية.
ويطرح هذا الخلاف إشكالات عدة تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، وحدود التعاقد بين الكتاب وشركات الإنتاج، ومدى احترام الأعمال الدرامية للسير الذاتية للشخصيات التاريخية، إضافة إلى التساؤل حول تأثير النزاعات القضائية على استقرار الإنتاج الدرامي في الجزائر، بخاصة خلال موسم رمضان الذي يعرف أعلى نسب مشاهدة.
تفجر الجدل بعد إعلان كاتبة السيناريو سارة برتيمة رفع دعوى عاجلة أمام المحكمة التجارية المتخصصة، تطالب فيها بوقف بث مسلسل 'فاطمة'، مؤكدة أن العمل تم إنجازه – بحسب تصريحاتها – من دون احترام بعض البنود المرتبطة بحقوقها الأدبية والفكرية.
وتشير مصادر من الوسط الفني إلى أن القضية تتعلق بخلاف حول ملكية النص والتعديلات التي طرأت عليه أثناء مرحلة الإنتاج، وهو ما أعاد إلى الواجهة إشكالية العلاقة المعقدة بين كاتب السيناريو والمنتج في الدراما الجزائرية.
ويحظى المسلسل الذي تعرضه إحدى القنوات التلفزيونية الجزائرية باهتمام واسع لأنه يتناول سيرة الفنانة فضيلة الدزيرية، التي تعد من أبرز رموز الطرب العاصمي والأندلسي، واشتهرت بأدائها في طابعي الحوزي والعروبي، وأسهمت في الحفاظ على التراث الموسيقي الجزائري خلال القرن الماضي.
ويرى متابعون أن تحويل سيرة شخصية فنية كبيرة إلى عمل درامي يفرض دقة كبيرة في التوثيق والكتابة، مما يجعل أي خلاف حول النص مسألة حساسة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعمل تاريخي يعتمد على وقائع حقيقية.
وقالت كاتبة السيناريو سارة برتيمة، إنها رفعت من طريق محاميها، دعوى لدى القضاء الاستعجالي للمطالبة بوقف بث البرنامج بصورة فورية.
وأوضحت برتيمة في حديث إلى 'اندبندنت عربية' أن هيئة المحكمة استمعت إلى شكواها بحضور الطرف المدعى عليه وممثل عن الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
وأكدت أنها قدمت للمحكمة الأدلة والإثباتات اللازمة التي توكد أن نص سيناريو مسلسل 'فضيلة دزيرية' من تأليفها وموثق ومحفوظ لدى الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
وكشفت سارة برتيمة أن هيئة المحكمة رفضت طلب وقف بث المسلسل، بحجة أن حلقاته تقترب من النهاية. وتابعت بأن هذه القضية تعتبر الأولى من نوعها في الجزائر التي تتعلق باستنساخ سيناريو قصة مسلسل تلفزيوني.
وقالت إن المحكمة المتخصصة قضت بتعيين فريق من المتخصصين الفنيين، للنظر في الادعاءات المقدمة ومراجعة النصوص ومقارنة سيناريو المسلسل مع نص السيناريست، لتحديد مدى انتهاك حقوق الملكية الفكرية، أو تفنيد ذلك.
وكانت السيناريست سارة برتيمة قد أكدت عبر حسابها على 'إنستغرام' أن شخصيات المسلسل، أبرزها شخصية 'خداوج'، مستوحاة من حياة الفنانة الراحلة فضيلة الدزيرية، وأن بقية الشخصيات ترتبط بسيرتها.
وأضافت أن مشروعها استغرق أعواماً من البحث والكتابة، وتمت مشاركة حلقاته ونصوصه الكاملة مع جهات إنتاج عدة منذ عام 2018 عبر مراسلات موثقة، وأنها تمتلك ترخيصاً قانونياً للكتابة عن حياة الفنانة من عائلتها منذ 2013.
أما المخرج الجزائري جعفر قاسم فصرح بأن 'العمل الدرامي الروائي التاريخي، المستوحى من حقبة منتصف القرن الـ19 في الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي، يجمع بين الدراما الاجتماعية والثقافية مع لمسات من النضال والتمرد، ويسلط الضوء على قصة شابة شغوفة بالموسيقى (عازفة كمان) تواجه قيود المجتمع والاحتلال'.
وفضيلة الدزيرية، مغنية جزائرية اسمها الحقيقي هو فضيلة مداني. ولدت في الـ25 من يونيو (حزيران) 1917 بالجزائر العاصمة وتوفيت في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1970 في المدينة ذاتها. ويطلق الجزائريون تسمية الدزيري أو الدزيرية على كل من ينحدر من الجزائر العاصمة، وهو ما ارتبط مباشرة بالاسم الفني لفضيلة مداني.
بدأت فضيلة مسيرتها الفنية بإحياء الحفلات العائلية، إذ تعلمت خلالها غناء الحوزي وأتقنته، قبل أن يتم اكتشافها عبر برنامج إذاعي في إذاعة الجزائر العاصمة بعنوان 'من كل فن شوية' للأستاذ جيلالي حداد الذي لحن لها لاحقاً أغاني عدة.
وتزوجت عام 1930 وهي في سن صغيرة، وعاشت ظروفاً اجتماعية صعبة جعلتها تتولى إعالة عائلتها، ثم سافرت إلى باريس عام 1935 حيث أحيت حفلات كثيرة، بخاصة في أوساط المهاجرين الجزائريين، وبعد عودتها إلى الجزائر اتجهت إلى الغناء على المسرح، وانضمت إلى فرق فنية عدة، وسجلت أول أسطوانة لها بطابع أندلسي.
عام 1949 التحقت بفرقة محيي الدين بشطارزي وقدمت حفلات وأدواراً مسرحية، كما غنت في فرنسا على خشبة الأوبرا وسجلت أعمالاً للتلفزيون الجزائري.
وخلال الثورة الجزائرية شاركت في دعم المجاهدين بجمع الأموال وإرسالها إليهم، مما أدى إلى سجنها في سجن سركاجي من طرف الاستعمار الفرنسي، وبعد الاستقلال واصلت نشاطها الفني وأسست فرقتها الموسيقية الخاصة.
من جهتها، تقول ميرة قاسم باباسي، كاتبة سيناريو مسلسل 'فاطمة'، إنها عرضت قصة 'فضيلة الدزيرية' على المخرج جعفر قاسم الذي وافق على تحويلها إلى عمل درامي، لتنطلق رفقة زميلة لها في كتابتها في شكل رواية ثم سيناريو مقتبس عنها.
وأوضحت ميرة في تصريحات صحافية، أنه بين عامي 2022 و2023 كتبت 24 حلقة وعرضتها على المخرج الذي أبدى إعجابه بها، مشيرة إلى أنها كانت مهتمة بالتاريخ منذ أن كانت طالبة جامعية وهذا ما جعلها تكتب سيناريو مسلسل 'فاطمة'، مستفيدة من احتكاكها بوالدها المؤرخ بلقاسم باباسي.
ويعيد هذا الخلاف النقاش حول واقع حقوق المؤلف في الإنتاج التلفزيوني في الجزائر، إذ يشتكي عدد من الكتاب من ضعف العقود أو غموضها، مقابل هيمنة شركات الإنتاج على القرار الفني بعد تسليم النص.
ويؤكد متخصصون في المجال السمعي البصري أن مثل هذه النزاعات تتكرر في كل موسم درامي تقريباً، لكنها نادراً ما تصل إلى القضاء أو تتحول إلى قضية رأي عام، كما حدث مع مسلسل 'فاطمة'. ويطرح الجدل سؤالاً آخر يتعلق بمدى احترام النص الأصلي بعد دخوله مرحلة التصوير، إذ يرى بعض الكتاب أن التعديلات غير المتفق عليها قد تمس بالعمل وتؤثر في مضمونه الفني والتاريخي.
تأتي هذه القضية في وقت حساس يتزامن مع عرض الأعمال الدرامية الخاصة بشهر رمضان، وهو الموسم الأكثر أهمية بالنسبة إلى القنوات التلفزيونية وشركات الإنتاج، مما يجعل أي قرار بوقف البث ذا تأثير كبير في البرمجة ونسب المشاهدة.
ويرى متابعون أن استمرار النزاعات القضائية في هذا التوقيت قد يضر بصورة الدراما الجزائرية التي تسعى في الأعوام الأخيرة إلى استعادة مكانتها محلياً وعربياً.
في المقابل، يعتبر بعض الفنانين أن اللجوء إلى القضاء حق مشروع لحماية الملكية الفكرية، بينما يرى آخرون أن مثل هذه الخلافات كان من الممكن حلها داخل الوسط الفني من دون الوصول إلى مرحلة المطالبة بوقف البث.
ويبقى الجدل مفتوحاً حول كيفية تحقيق التوازن بين حماية حقوق المبدعين وضمان استقرار الإنتاج الدرامي، بخاصة في الأعمال التي تتناول شخصيات تاريخية لها مكانة كبيرة في الذاكرة الثقافية الجزائرية.
وأعادت قضية مسلسل 'فاطمة' إلى الواجهة ملفات قديمة تتعلق بتنظيم قطاع الدراما في الجزائر، وعلى رأسها حقوق المؤلف، وضبط العلاقة بين الكاتب والمنتج، وآليات تسوية النزاعات قبل وصولها إلى القضاء.




















