اخبار قطر
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ١ تشرين الأول ٢٠٢٦
تقرير خاص - الخليج أونلاين
لم يكن خروج آخر القوات الأمريكية من العراق في 30 سبتمبر/أيلول مجرد نهاية لمهمة عسكرية استمرت أكثر من عقدين، بل جاء في لحظة تشهد فيها منطقة الخليج إعادة نظر واسعة في ترتيبات الأمن التي قامت لعقود على الشراكة مع واشنطن. وبينما تؤكد بغداد أن الانسحاب يمثل انتقالاً إلى مرحلة جديدة من السيادة، تطرح التطورات الإقليمية سؤالاً أوسع، هل بدأ الخليج فعلاً البحث عن منظومة أمن بديلة، أم أن الأمر لا يزال مجرد استجابة مؤقتة لمرحلة شديدة الاضطراب؟
فالانسحاب الأمريكي من العراق يأتي في وقت تتراجع فيه مساحة الوجود العسكري المباشر لواشنطن في أحد أهم مواقعها الاستراتيجية بالمنطقة.
وترى رويترز أن خروج القوات الأمريكية، إلى جانب محدودية الدعم الأمريكي للسعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، دفع عواصم خليجية إلى إعادة التفكير في مدى اعتمادها على الضمانات الأمنية الأمريكية.
وتزداد أهمية هذا التحول مع بقاء إيران لاعباً رئيسياً في المعادلة الإقليمية. فقد حذرت تقديرات عراقية نقلتها رويترز من أن انسحاب القوات الأمريكية قد يمنح الفصائل المسلحة المتحالفة مع إيران مساحة أكبر للتأثير في القرارين الأمني والسياسي داخل العراق، كما يثير مخاوف من استغلال تنظيم الدولة الإسلامية لأي ثغرات أمنية ناجمة عن الانسحاب.
وبالنسبة إلى دول الخليج، فإن المسألة لا تتعلق بالعراق وحده، فقد كشفت الحرب الأخيرة مع إيران حدود قدرة دول المنطقة على عزل نفسها عن تداعيات أي مواجهة إقليمية واسعة، سواء عبر الهجمات الصاروخية والمسيّرات أو اضطراب الملاحة والطاقة. وتقول رويترز إن السعودية واجهت أخيراً هجمات حوثية طالت مدناً وبنى حيوية، بينما تضررت صادرات الطاقة وحركة الملاحة في المنطقة.
وفي هذا السياق، بدأت تظهر ملامح تحرك خليجي باتجاه تنويع مصادر الأمن بدلاً من الاعتماد على مظلة واحدة، وتبرز في هذا المسار المصالحة المتجددة بين السعودية والإمارات، إلى جانب الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، فضلاً عن تحرك قطري لطرح إطار أمني إقليمي يضم إيران ودول الخليج العربية.
وكانت الدوحة قد طرحت، خلال اجتماع خليجي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تصوراً لمنظومة أمن إقليمية تشمل إيران ودول الخليج، على أساس أن الأمن الدائم لا يمكن أن يقوم على دورات متكررة من التصعيد والرد المتبادل.
وترى رويترز أن هذا الطرح يمثل تحولاً لافتاً في التفكير الأمني الخليجي، وإن كان لا يزال في مراحله الأولى.
لكن الحديث عن ولادة منظومة أمن جديدة لا يزال سابقاً لأوانه، فالاتفاق السعودي التركي الباكستاني لم يتحول بعد إلى منظومة دفاع متكاملة، والمقترح القطري الذي يشمل إيران لم تتضح آلياته، فيما يظل الدور الأوروبي محدوداً، ولم تقدم الصين حتى الآن مؤشرات واضحة على استعدادها لتوفير مظلة أمنية بديلة.
وفي المقابل، لا يعني الانسحاب من العراق أن الولايات المتحدة تنسحب من المنطقة بالكامل، فالنموذج الأمريكي يبدو متجهاً من الانتشار البري الواسع إلى الاعتماد بصورة أكبر على القواعد والشراكات والقدرات الجوية والصاروخية والاستخبارات والأمن البحري، وهو ما يبقي واشنطن لاعباً مركزياً في أمن الخليج حتى مع تقليص وجودها العسكري المباشر في بعض الساحات.
وبذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الخليج سيختار بين الولايات المتحدة وبديل آخر، بل ما إذا كانت دوله تتجه إلى توزيع علاقاتها الأمنية بين أكثر من قوة وأكثر من مسار، شراكة عسكرية مع واشنطن، وتعاون إقليمي مع تركيا وباكستان، وحوار أمني مع إيران، وانفتاح اقتصادي واستراتيجي على الصين وأوروبا.
فالانسحاب الأمريكي من العراق يغيّر واحدة من حلقات المعادلة، لكنه لا يعني بالضرورة اختفاء الدور الأمريكي. وما يتشكل حالياً قد يكون أقل شبهاً بمنظومة أمن بديلة وأكثر شبهاً بمرحلة انتقالية تبحث فيها دول الخليج عن صيغة تمنحها هامشاً أوسع من الحركة في منطقة لم تعد قواعدها الأمنية القديمة قادرة وحدها على التعامل مع أزماتها الجديدة.























