اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ٥ أيلول ٢٠٢٦
* في مقالي السابق، كتبت عن المهندس عمر النمير، وتوقفت عند واحدة من أجمل صفاته، تلك اليد التي ظلت تمتد للناس في أصعب الأوقات.
* كتبت عنه وهو بيننا، يتحرك، ويبادر، ويفتح أبواب الخير أمام من أغلقتها الحرب.
* لكنني لم أكن أعلم أنني، وبعد وقت قصير، سأعود لأكتب عنه مرة أخرى، لا لأروي جديد عطائه، وإنما لأرثيه.
بالأمس، رحل عمر النمير.
* رحل فجأة، إثر علةٍ لم تمهله، وترك خلفه مساحة واسعة من الحزن، وأعمالاً كثيرة تقول عنه أكثر مما تستطيع الكلمات أن تقول.
* وما أصعب أن تكتب عن إنسان كنت تكتب عنه بالأمس بصيغة الحاضر، ثم تجد نفسك اليوم مضطراً لأن تكتب اسمه مسبوقاً بكلمة: رحمه الله.
* في المقال السابق، تحدثت عن إنسانيته، وعن تكاياه ووجباته المدرسية ودعمه للمرضى وحفر آبار المياه وسلال رمضان والزي المدرسي وغيرها من أبواب الخير التي طرقها خلال سنوات الحرب.
* واليوم، وأنا أكتب عنه من جديد، أشعر أن الكلمات أقل من أن تفيه حقه.
* فبعض الناس يمكن أن تختصر سيرتهم في فقرة، وبعضهم يحتاجون إلى صفحات، أما عمر النمير، فقصته ليست في ما يُكتب عنه فقط، وإنما في وجوه الناس التي مرّ بها وترك فيها شيئاً من الخير.
* منذ إندلاع الحرب، وفي واحدة من أكثر فترات السودان قسوة وإنكساراً، إختار عمر النمير أن يكون قريباً من الناس.
* لم يكن حديثه عن الإنسانية مجرد كلمات تقال في المناسبات، بل كان فعلاً يمشي على الأرض.
* تكايا، وجبات مدرسية، دعم للمرضى بالمستشفيات، سلال رمضانية، حفر آبار للمياه، زي مدرسي للأطفال…
* أعمال كثيرة ربما لا يتسع لها مقال، لكنها تتسع في ذاكرة الذين وصل إليهم خيره.
* كان يعطي دون ضجيج، ويساعد دون أن يجعل من المحتاج مادة للعرض، ويمضي إلى مهمته الإنسانية وكأنها واجب يومي لا ينتظر عليه جزاءً ولا شكراً.
* وكانت الوجبة المدرسية واحدة من أجمل حكاياته.
* طفل يجلس في مقعده، يحمل كتابه، لكن معدته خاوية.
* قد لا يعرف ذلك الطفل من دفع ثمن وجبته، ولا من فكر فيه، ولا من تحرك حتى وصلت إليه.
* لكنه كان يعرف شيئاً واحداً، أن هناك من لم ينسه، وهذا بالضبط ما كان عمر النمير يفعله.
كان يقول للناس بالفعل
* أنتم لستم وحدكم.
ثم جاءت لحظة التحرير.
* عادت الخرطوم تتنفس شيئاً فشيئاً، وعاد الناس يبحثون عن بقايا حياتهم بين الركام.
وكان يمكن لعمر أن يتوقف.
* كان يمكن أن يقول: لقد فعلنا ما علينا.
لكنه لم يتوقف.
* فالحرب، في نظره، لا تنتهي عندما تسكت البنادق وحدها، فهناك طفل يحتاج مدرسة، ومريض يحتاج مستشفى، وأسرة تحتاج سنداً، وحيّ يحتاج ماء، ومجتمع يحتاج من يعيد إليه شيئاً من الأمل.
لذلك ظلت يده تمتد.
* وكأن الرجل كان يعرف أن، إعمار الإنسان يسبق إعمار الحجر.
ثم جاء الموت…
* جاء سريعاً، قاسياً، بلا موعد، علة لم تمهله.
* هكذا انطفأت فجأة حياة رجلٍ ظل طويلاً يحاول أن يضيء حياة الآخرين.
يا لها من مفارقة موجعة..!
* رجل كان يسأل عن مرضى المستشفيات، أصبح اليوم خبراً يُبكي من عرفوه.
* رجل كان يسأل عن أطفال المدارس، أصبح غيابه سؤالاً كبيراً في قلوب من أحبوه:
من سيملأ هذا الفراغ؟
* رجل كانت يده تمتد إلى الناس، أصبحت اليوم أيادينا نحن تمتد بالدعاء إليه.
* كم هو موجع أن نكتب اسمك اليوم مقروناً بكلمة 'رحمه الله'، بعد أن اعتدنا أن نراك بين الناس، تتحرك، وتبادر، وتسأل، وتساعد.
* كم هو قاسي أن تتحول الوجوه التي اعتادت حضورك إلى وجوهٍ تبحث عنك فلا تجدك.
* وكم هو مؤلم أن يصبح الهاتف الذي كان يحمل صوتك صامتاً…
* وأن يصبح المكان الذي كنت تملؤه حركةً وحضوراً خالياً منك.
يا عمر…
* لم نكن نعرف أن تلك المرات التي مدت فيها يدك للمحتاجين كانت في الحقيقة صفحات أخيرة تكتبها في دفتر حياتك.
* لم نكن نعرف أن كل وجبة قدمتها لطفل، وكل مريضٍ وقفت بجانبه، وكل أسرةٍ ساعدتها، وكل بئرٍ ساهمت في حفرها، وكل يدٍ أمسكت بها في وقت الشدة…
كانت كلها رسائل وداع مؤجلة.
* واليوم، وقد رحلت، نفهم أن الإنسان لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بعدد القلوب التي ترك فيها أثراً.
* وأنت تركت كثيراً من القلوب.
> سيبكيك أهلك…
> وسيبكيك أصدقاؤك…
> وسيبكيك كل من عرفك عن قرب.
* لكن ربما هناك أطفال في مدارس لا يعرفون حتى اسمك، سيواصلون أكل وجباتٍ تشبه تلك التي كنت تحرص عليها، وهناك مريضٌ في مستشفى قد يكون لا يعلم أنك ساهمت يوماً في مساعدته، وهناك أسرةٌ ستتذكر ذات يوم يداً امتدت إليها في زمنٍ كانت فيه كل الأبواب مغلقة.
* هؤلاء أيضاً، بطريقة لا يعرفونها، سيحملون شيئاً منك.
> وهذا هو الخلود الحقيقي.
* أن يمضي اسمك في الحياة دون أن تكون موجوداً.
* أن يتحدث الناس عن فعلك لا عن كلامك.
* أن تبقى بصمتك في مكانٍ لم تعد أنت قادراً على الوصول إليه.
يا عمر… نم هادئاً.
* لقد فعلت ما استطعت.
* في زمنٍ كان الناس فيه يبحثون عن من ينقذهم، كنت تبحث عمن تستطيع أن تنقذه.
* وفي زمنٍ كثرت فيه الحاجة، اخترت أن تكون عوناً.
* وفي زمنٍ كثرت فيه الكلمات، اخترت أن يكون لك فعل.
واليوم، لا نملك لك إلا الدعاء.
* اللهم إن عمر النمير قد أتاك فقيراً من الدنيا، غنياً بما قدم لعبادك.
* اللهم اجعل كل وجبةٍ أطعم بها جائعاً صدقةً جاريةً له، وكل طفلٍ فرّج عنه كربةً شاهداً له، وكل مريضٍ أعانه سبباً في رحمته، وكل بئرٍ حُفر بمساهمته ماءً يجري له في قبره.
* اللهم اجعل كل يدٍ صافحته، وكل قلبٍ أحبه، وكل إنسانٍ انتفع من خيره، شاهداً له لا عليه.
* اللهم وسّع مدخله، وأنر قبره، وآنس وحشته، واجعل ما قدمه في ميزان حسناته.
رحل عمر النمير…
* لكن الذين عاشوا للناس لا يغادرون الناس تماماً.
* ستبقى قصته في المدارس.
* في المستشفيات.
* في التكايا.
* في الآبار.
* في سلال رمضان.
* وفي الوجوه التي ابتسمت ذات يوم بسبب مساعدة وصلت إليها.
* وفي دعوةٍ صادقة خرجت من قلب أم أو طفل أو مريض، وربما كانت تلك الدعوة هي أثمن ما تركه وراءه.
رحمك الله يا عمر…
* غابت اليد التي كانت تمتد للناس، لكن الخير الذي امتدت به لن يغيب.
غاب صاحبها…
* وبقي أثرها.
* رحم الله المهندس عمر النمير رحمةً واسعة، وجبر كسر أهله ومحبيه، وألهمهم الصبر والسلوان.
لا حول ولا قوة إلا بالله
إنا لله وإنا إليه راجعون.
_____________
السبت: 5 سبتمبر2026


























