اخبار السودان
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٢٢ نيسان ٢٠٢٦
يتمتع البلد الأفريقي بموارد طبيعية استثنائية من أراضٍ زراعية واسعة ومياه وفيرة وثروة حيوانية ضخمة
دخلت حرب السودان بين الجيش وقوات 'الدعم السريع' عامها الرابع تاركة البلاد تواجه واحدة من أكثر مراحله تعقيداً على المستويين الإنساني والاقتصادي، مع تراجع واسع في الخدمات الأساسية واضطراب كبير في قطاعات الإنتاج.
وفي خضم هذا الواقع المضطرب، يعود ملف الأمن الغذائي إلى الواجهة، بوصفه أحد أخطر التحديات وأكثرها إلحاحاً، بخاصة في بلد ينظر إليه تاريخياً باعتباره من الدول الغنية بالموارد الزراعية والحيوانية القادرة على الإسهام في سد الفجوة الغذائية عالمياً.
لكن بين واقع الحرب الدائرة منذ منتصف أبريل (نيسان) عام 2023 وطموحات التعافي، يتجدد السؤال، هل يملك السودان فعلاً مفاتيح التحول إلى قوة غذائية قادرة على التأثير في السوق العالمية وسد فجوته الغذائية؟
المتخصص في الاقتصاد الزراعي طارق الصادق قال إن 'السودان يعد من الدول التي تتوفر فيها موارد طبيعية استثنائية من أراضٍ زراعية واسعة ومياه وفيرة وثروة حيوانية ضخمة. فهذه المقومات جعلته حاضراً في النقاشات الدولية كأحد المرشحين للمساهمة في تقليص الفجوة الغذائية العالمية، بخاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي تهدد الأمن الغذائي'.
ورأى الصادق أن 'السودان يمتلك بالفعل مقومات تؤهله للعب دور محوري في سد جزء معتبر من الفجوة الغذائية العالمية، إلا أن هذه الإمكانات لا تزال غير مستغلة بالشكل الأمثل، وتحديداً أنه يضم ملايين الهكتارات الصالحة للزراعة، إضافة إلى موارد مائية متنوعة تشمل نهر النيل وروافده، فضلاً عن المياه الجوفية والأمطار الموسمية، مما يمنحه ميزة نسبية نادرة مقارنة بعديد من الدول'. وتابع 'هناك أيضاً الثروة الحيوانية التي تعد الأكبر في أفريقيا والعالم العربي، حيث تشمل ملايين الرؤوس من الأبقار والأغنام والإبل، وهو ما يفتح آفاقاً واسعة لصادرات اللحوم ومنتجات الألبان. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفر الموارد، بل في كيفية إدارتها وتطويرها عبر إدخال التقنيات الحديثة، وتحسين سلاسل الإمداد، وتقليل الفاقد'.
ونوه المتخصص في الاقتصاد الزراعي بأن 'هناك حاجة إلى بنية تحتية متطورة تشمل الطرق والتخزين المبرد ومراكز التصنيع الغذائي، حتى تتمكن البلاد من الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تصدير منتجات ذات قيمة مضافة. في حين أن الاستثمار في التدريب وبناء القدرات البشرية يمثل عنصراً حاسماً، لأن العنصر البشري هو الذي يدير هذه الموارد ويحولها إلى إنتاج فعلي ومستدام'.
على رغم الإمكانات الكبيرة، يواجه السودان جملة من التحديات التي تعوق استغلال موارده بالصورة المطلوبة، مما يطرح تساؤلات حول مدى قدرته الفعلية على التحول إلى سلة غذاء للعالم.
الباحث في السياسات الغذائية سليمان جبريل أوضح بدوره أن 'الحديث عن سد 50 في المئة من الفجوة الغذائية العالمية يظل طموحاً كبيراً، لكنه يصطدم بواقع معقد من التحديات السياسية والاقتصادية. فالاستقرار السياسي يمثل حجر الأساس لأي نهضة زراعية أو حيوانية، إذ إن النزاعات تؤدي إلى تعطيل الإنتاج، وتدمير البنية التحتية، ونزوح المزارعين والرعاة'.
ولفت جبريل إلى أن 'ضعف التمويل يمثل عائقاً رئيساً حيث يحتاج القطاع الزراعي والحيواني إلى استثمارات ضخمة لتحديثه، إضافة إلى أن غياب السياسات المستقرة وطويلة الأمد يخلق بيئة غير جاذبة للمستثمرين، سواء للمحليين أو الأجانب. ومن بين التحديات الأخرى، يبرز ضعف سلاسل التوريد، وارتفاع كلف النقل، وغياب نظم حديثة للتخزين، مما يؤدي إلى فقدان نسبة كبيرة من الإنتاج قبل وصوله إلى الأسواق'.
ورأى الباحث في السياسات الغذائية أن 'التغيرات المناخية، مثل الجفاف والفيضانات، باتت تشكل تهديداً متزايداً، ما يستدعي تبني استراتيجيات للتكيف مع هذه الظواهر، وأن تجاوز هذه التحديات يتطلب إصلاحات شاملة، تبدأ بتحقيق الاستقرار، وتمر بتحسين بيئة الاستثمار، وتنتهي ببناء منظومة إنتاج حديثة قادرة على المنافسة عالمياً'.
في مواجهة هذه التحديات، تطرح الحكومة السودانية خططاً استراتيجية تهدف إلى تطوير قطاع الثروة الحيوانية وتعزيز الإنتاج، ضمن رؤية تمتد لخمسة أعوام.
وبحسب وزير الثروة الحيوانية والسمكية أحمد التجاني المنصوري، فإن السودان يمتلك القدرة على سد ما يصل إلى 50 في المئة من الفجوة الغذائية في العالم، مستنداً إلى ما وصفه بالثروات الكبيرة التي تتمتع بها البلاد. وأوضح أن الوزارة وضعت خطة استراتيجية تمتد لخمسة أعوام، تركز على تعظيم الاستفادة من الموارد الحيوانية وتطويرها بما يواكب المعايير العالمية.
وأشار المنصوري إلى أن الخطة تتضمن إنشاء مدينة متكاملة للإنتاج الحيواني في كل ولاية، بحيث تشمل هذه المدن مرافق حديثة للتربية والتسمين والتصنيع والتخزين، مما يسهم في تحسين جودة الإنتاج وزيادة الكفاءة، ولفت إلى أن هذه المدن ستعتمد على تقنيات حديثة في الإدارة والإنتاج، بما يعزز القدرة التنافسية للمنتجات السودانية في الأسواق الإقليمية والدولية.
وفيما يتعلق بولاية الخرطوم أكد أنها تتمتع بميزات تفضيلية، من بينها وفرة المياه وخصوبة الأراضي ووجود ثروة حيوانية معتبرة إلى جانب توفر كوادر بشرية مؤهلة، مما يجعلها نموذجاً يمكن تعميمه على بقية الولايات.
وشدد وزير الثروة الحيوانية والسمكية على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب شراكات واسعة مع القطاع الخاص، إضافة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية، مؤكداً أن الحكومة تعمل على تهيئة البيئة المناسبة من خلال تحسين التشريعات وتسهيل الإجراءات.
يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان السودان قادراً على تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس في ظل التحديات الراهنة والتغيرات العالمية المتسارعة.
وهنا يرى الباحث في التنمية المستدامة أحمد أشرف أن 'مستقبل السودان كقوة غذائية عالمية يعتمد على قدرته على تحقيق توازن دقيق بين الطموح والواقعية، إذ يمكنه بالفعل أن يصبح لاعباً مهماً في الأمن الغذائي، لكن ليس بالضرورة بالوصول إلى نسبة 50 في المئة، بل من خلال تقديم مساهمة نوعية ومستدامة'.
وأشار أشرف إلى أن 'العالم اليوم لا يبحث فقط عن كميات كبيرة من الغذاء، بل عن إنتاج مستدام يحافظ على الموارد الطبيعية ويحد من التأثيرات البيئية. لذلك فإن تبني ممارسات زراعية وحيوانية مستدامة سيكون عاملاً حاسماً في نجاح السودان'.
ونوه بأن 'أن التكامل الإقليمي يمكن أن يؤدي دوراً مهماً، من خلال التعاون مع دول الجوار لتطوير سلاسل الإمداد وتبادل الخبرات، إضافة إلى أن الاستثمار في التكنولوجيا، مثل الزراعة الذكية، وأنظمة الري الحديثة، وتحليل البيانات، سيمكن السودان من تحقيق قفزة نوعية في الإنتاج'.
واختتم الباحث في التنمية المستدامة بقوله، 'السودان يقف أمام فرصة تاريخية، لكن استغلالها يتطلب إرادة سياسية قوية، وتخطيطاً علمياً واستثماراً طويل الأمد، حتى يتحول من بلد غني بالموارد إلى بلد غني بالإنتاج والتأثير'.


























