اخبار العراق
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦
تتغذى هذه الآفة على مجموعة من العوامل المتداخلة في مقدمها الواقع والبطالة والديون وضعف الاستقرار المعيشي
لم تعد تجارة الأعضاء البشرية في العراق مجرد جريمة تظهر بين حين وآخر في بيانات الأجهزة الأمنية، بل باتت قضية تتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية مع استغلال الفئات الهشة، وتكشف عن أنماط من النشاط الإجرامي الذي يستثمر حاجة الإنسان إلى المال، ويدفع بعض المحتاجين إلى المخاطرة بصحتهم وحياتهم في مقابل مبالغ مالية قد تبدو كبيرة في لحظة العوز، لكنها لا تعالج جذور أزماتهم المعيشية.
وتعيد عمليات القبض على متهمين بالتورط في بيع الأعضاء البشرية تسليط الضوء على طبيعة هذه الجريمة، لا سيما حين تتداخل فيها أدوار الأشخاص الباحثين عن المال، والوسطاء الذين يتولون استدراجهم، والشبكات التي تنظم عمليات السفر والتواصل مع جهات خارج العراق، في مسار يحول حاجة الإنسان إلى فرصة للربح غير المشروع.
وفي أحدث هذه القضايا، أعلنت قيادة شرطة بغداد الرصافة إلقاء القبض على متهمين اثنين يشتبه بتورطهما في الاتجار بالأعضاء البشرية، بعد ورود معلومات عن شخص كان يراجع إحدى دوائر الجوازات لاستصدار جواز سفر تمهيداً لمغادرة العراق وبيع إحدى كليتيه، في مقابل 14 مليون دينار عراقي (ما يقارب 9211 دولاراً أميركياً).
وبحسب بيان القيادة، جرى تشكيل فريق عمل من آمر المنطقة الأمنية العاشرة وقسم مكافحة إجرام الصدر الأول، بالاشتراك مع مفارز الاستخبارات، وأسفرت العملية عن استدراج المتهم الأول والقبض عليه، ثم استدراج المتهم الثاني الذي تشير التحقيقات الأولية إلى عمله وسيطاً في عمليات بيع الأعضاء البشرية. أضاف البيان أن المتهم الثاني اعترف، خلال التحقيق، بالمشاركة في أكثر من عملية لبيع الكلى والأعضاء البشرية بالتعاون مع أشخاص آخرين خارج العراق، في مقابل مبالغ مالية وترتيبات للسفر والإقامة في الفنادق.
وتكشف تفاصيل القضية، وفق ما أعلنت الشرطة، عن مسار يتجاوز مجرد الاتفاق بين شخص يحتاج إلى المال وآخر يرغب في الحصول على عضو بشري، إذ تشير إلى وجود وسطاء وترتيبات لوجستية واتصالات خارج الحدود، وهي عناصر تستدعي توسيع التحقيقات للكشف عن بقية المتورطين، وطبيعة الأدوار التي يؤدونها، والجهات التي تستفيد من هذه العمليات.
كما تبرز القضية الفارق بين التبرع الطبي المنظم بالأعضاء، الذي يخضع للضوابط الصحية والقانونية، وبين استغلال حاجة الأفراد وتحويل أعضائهم إلى مقابل مالي ضمن ترتيبات غير مشروعة.
تتغذى تجارة الأعضاء البشرية على مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمها الفقر والبطالة والديون وضعف الاستقرار المعيشي، فضلاً عن محدودية الوعي بالأخطار الصحية والقانونية المترتبة على بيع الأعضاء خارج الأطر الطبية والقانونية المعتمدة. وفي ظل الضغوط الاقتصادية، قد ينظر بعض الأفراد إلى بيع إحدى الكليتين باعتباره وسيلة سريعة للحصول على المال، ولا سيما عندما تتراكم الالتزامات المالية أو تتراجع فرص العمل أو يعجز الشخص عن تلبية احتياجات أسرته الأساسية. غير أن هذا القرار، الذي قد يبدو لبعضهم مخرجاً موقتاً من الأزمة، ينطوي على أخطار صحية ونفسية طويلة الأمد، ولا يضمن بالضرورة الخروج من دائرة الفقر، فالحصول على مبلغ مالي مرة واحدة لا يعالج الأسباب التي دفعت الشخص إلى التفكير في بيع جزء من جسده، كما أن المضاعفات الصحية المحتملة قد تضيف أعباء جديدة إلى حياته.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما لا يكون الشخص على دراية كافية بالإجراءات الطبية، أو لا يحصل على تقييم مستقل يضمن سلامته، أو يتعامل مع وسطاء لا يضعون صحته في الاعتبار، بل ينظرون إليه بوصفه طرفاً في صفقة مالية.
وفي الحالات التي تتدخل فيها شبكات منظمة، قد تتجاوز المسألة قراراً فردياً اتخذه شخص تحت ضغط الحاجة، لتصبح عملية استغلال متكاملة تشمل الاستدراج والتفاوض والنقل وتوفير الإقامة وربط البائع بالجهات المستفيدة.
وتظل طبيعة كل حالة مختلفة عن الأخرى، إذ لا يمكن اعتبار كل عملية تبرع غير مشروع أو كل عرض لبيع عضو دليلاً تلقائياً على وجود اتجار بالبشر، بل يتطلب توصيف الجريمة التحقق من الوقائع، ووجود عناصر الاستغلال أو الإكراه أو الوساطة غير المشروعة، وفقاً للقانون والأدلة المتاحة.
في مؤشر قضائي على اتساع ملف الاتجار بالبشر في العراق، كشف مجلس القضاء الأعلى، في إحصاء أعلنه في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2026، عن تسجيل 183 دعوى خاصة بجرائم الاتجار بالبشر في رئاسات محاكم الاستئناف خلال شهر أغسطس (آب) الماضي.
وتصدرت رئاسة محكمة استئناف البصرة القائمة بتسجيل 67 دعوى، تلتها رئاسة محكمة استئناف بغداد الكرخ بـ40 دعوى، ثم رئاسة محكمة استئناف ديالى بـ12 دعوى.
وتوزعت بقية الدعاوى على محاكم الاستئناف الأخرى، فيما لم تسجل محاكم استئناف نينوى وبابل وذي قار والمثنى دعاوى من هذا النوع خلال الشهر المذكور، وفق الإحصاء المنشور، وتوفر هذه الأرقام مؤشراً إلى حجم القضايا المسجلة أمام القضاء، لكنها لا تمثل بالضرورة العدد الإجمالي للجرائم الواقعة فعلياً، إذ قد تختلف الأرقام بحسب مستوى الإبلاغ، واكتشاف الجرائم، وإحالة الملفات إلى المحاكم، والتوصيف القانوني لكل قضية، كما لا تعني الدعاوى المسجلة أنها تتعلق كلها بتجارة الأعضاء البشرية تحديداً، لأن الاتجار بالبشر يشمل أنماطاً متعددة من الاستغلال، وتحتاج إلى معرفة حصة تجارة الأعضاء منها إلى بيانات تفصيلية مستقلة.
وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة عند تحليل الظاهرة، لأن جمع مختلف أنماط الاتجار بالبشر في رقم واحد قد يعطي صورة غير دقيقة عن حجم تجارة الأعضاء، في حين أن التعامل معها بوصفها جريمة مستقلة يتطلب إحصاءات تحدد عدد الضحايا، وطبيعة الاستغلال، وأدوار الوسطاء، ومآلات التحقيقات والأحكام القضائية.
تشير تفاصيل قضية بغداد الرصافة إلى أن التحقيقات لا تتوقف عند الشخص الذي يفكر في بيع كليته، بل تمتد إلى الوسيط الذي يتولى التواصل والترتيب، والأشخاص الذين قد يشاركون في العملية خارج العراق.
ويمثل هذا الجانب أحد أكثر أوجه الجريمة تعقيداً، لأن النشاط الذي يبدأ داخل العراق قد يتصل بجهات خارجية تتولى تنسيق السفر أو توفير الإقامة أو ربط الشخص بجهات أخرى، مما يجعل كشف الشبكة وملاحقة جميع المتورطين أكثر تعقيداً من القبض على طرف واحد.
وتتطلب مواجهة هذا النوع من الجرائم تحديد المسؤوليات بدقة، والتحقق من دور كل شخص في عملية الاستغلال، وتتبع التحويلات المالية والاتصالات والوثائق ذات الصلة، فضلاً عن التعاون مع الجهات المختصة في الدول التي قد ترتبط بها الوقائع، كما تبرز أهمية متابعة الإعلانات التي تستغل وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لبيع الأعضاء تحت عناوين مثل التبرع أو المساعدة الإنسانية، خصوصاً عندما تتضمن وعوداً بمبالغ مالية أو تسهيلات للسفر أو إجراء عمليات خارج الأطر الطبية والقانونية.
ولا يعني ذلك أن كل إعلان متعلق بالتبرع بالأعضاء ينطوي على نشاط إجرامي، لكن العروض التي تربط العضو بمقابل مالي، أو تعد بإتمام العملية بعيداً من الجهات الرسمية، تستدعي التحقق والإبلاغ عنها للجهات المختصة، وتبقى الأدلة والتحقيقات القضائية أساس تحديد ما إذا كانت الوقائع تشكل اتجاراً بالبشر أو جرائم أخرى مرتبطة بالأعضاء البشرية، بعيداً من الأحكام المسبقة أو التعميم على الحالات كلها.
لا تقتصر أخطار بيع الأعضاء البشرية على الأضرار التي قد تحدث أثناء الجراحة، بل تمتد إلى مرحلة ما بعد العملية، عندما يحتاج الشخص إلى متابعة طبية منتظمة وتقييم لوظائف الكلى والحالة الصحية العامة.
على رغم أن بعض الأشخاص يستطيعون العيش بكلية واحدة مع متابعة طبية مناسبة، فإن ذلك لا يعني أن استئصال الكلية إجراء خال من الأخطار أو أن نتائجه متماثلة لدى جميع الأشخاص، فالحالة الصحية السابقة، وجودة التقييم الطبي، وسلامة الجراحة، والرعاية اللاحقة، كلها عوامل تؤثر في النتائج، وتزداد الأخطار عندما تتم العمليات في مرافق غير مرخصة، أو من دون فحوص كافية، أو في ظل غياب المتابعة الطبية، أو عندما لا يحصل الشخص على معلومات واضحة حول المضاعفات المحتملة، وقد يواجه الضحايا أيضاً صعوبات في الحصول على الرعاية اللاحقة، خصوصاً إذا كانوا خضعوا للعملية خارج العراق، أو كانوا يخشون الإبلاغ عن الأشخاص الذين توسطوا لهم، أو لا يملكون الوثائق الطبية اللازمة لمتابعة حالتهم.
وتتطلب حماية هؤلاء الأشخاص التعامل معهم بوصفهم محتاجين إلى الرعاية والتقييم، لا الاكتفاء بالنظر إليهم باعتبارهم أطرافاً في واقعة جنائية، فالمعالجة الصحية والنفسية والقانونية جزء أساس من الاستجابة، إلى جانب ملاحقة الجهات التي تستغلهم.
تترك عمليات بيع الأعضاء تحت ضغط الحاجة آثاراً تتجاوز الجانب الجسدي، إذ قد يواجه الشخص مشاعر الندم أو الخوف أو القلق حول مستقبله الصحي، فضلاً عن الضغوط الاجتماعية والأسرية المرتبطة بالعملية، وقد تتفاقم هذه الآثار عندما يكتشف الشخص أن المبلغ الذي حصل عليه لم يغير وضعه الاقتصادي، أو عندما يتعرض للاستغلال في قيمة المقابل المتفق عليه، أو يجد نفسه عاجزاً عن استعادة حياته المهنية والاجتماعية كما كانت، وفي بعض الحالات، قد يؤدي الخوف من الوصمة الاجتماعية أو من الملاحقة القانونية إلى عزوف الأشخاص عن طلب المساعدة الطبية أو النفسية، مما يضاعف الضرر ويجعل اكتشاف الحالات أكثر صعوبة، وتتطلب هذه الظروف توفير قنوات آمنة للإبلاغ، وضمان التعامل مع المعلومات الشخصية للضحايا بسرية، وتقديم الدعم القانوني والاجتماعي والنفسي وفق احتياجات كل حالة، كما ينبغي أن تتضمن برامج التوعية شرحاً واضحاً للفارق بين التبرع بالأعضاء ضمن الضوابط الطبية والقانونية وبين البيع الذي تستغله شبكات الوساطة، مع الابتعاد من خطاب يحمل الضحايا وحدهم مسؤولية ما تعرضوا له.
من زاوية اقتصادية واجتماعية، قال الباحث الاجتماعي باسم محمد 'تبرز الحاجة إلى التعامل مع تجارة الأعضاء البشرية بوصفها قضية ترتبط بقدرة الأفراد على مواجهة الأزمات المعيشية، وبمدى توافر الحماية للفئات التي تجد نفسها أمام خيارات قاسية لتسديد الديون أو تأمين متطلبات الأسرة'، وتابع 'حين يصل الإنسان إلى مرحلة يفكر فيها بالتخلي عن عضو من جسده في مقابل المال، فإن ذلك يستدعي النظر إلى الظروف التي دفعته إلى هذا الخيار، من دون إغفال المسؤولية الجنائية للأشخاص الذين يستغلون حاجته أو يحولونها إلى مصدر للربح'.
وبحسب الباحث الاجتماعي، أيضاً 'تتمثل إحدى نقاط الضعف في الاقتصار على التعامل مع كل قضية باعتبارها واقعة منفردة، من دون ربطها بالظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بها، فالتدخل الأمني يستطيع إيقاف متهمين والكشف عن بعض الوسطاء، لكن الحد من تكرار الجريمة يحتاج أيضاً إلى سياسات وقائية تقلل فرص استغلال المحتاجين'، وزاد 'يشمل ذلك توسيع برامج الحماية الاجتماعية، وتحسين فرص الوصول إلى المساعدة القانونية، وتعزيز التوعية بالأخطار الصحية، وتوفير آليات يمكن من خلالها للأشخاص الذين يواجهون ضغوطاً مالية حادة طلب المساعدة من دون الوقوع في أيدي الوسطاء'، ونوه إلى أن المعالجة الفاعلة تتطلب كذلك 'دراسة أنماط الاستدراج، ومصادر التمويل، والطرق التي تتواصل بها الشبكات مع الأشخاص المحتاجين، مع قياس النتائج من خلال مؤشرات واضحة، مثل عدد الضحايا الذين جرى التعرف إليهم وحمايتهم، وعدد الشبكات التي كشفت، ونسبة القضايا التي وصلت إلى أحكام قضائية. ومن شأن الجمع بين الردع والوقاية أن يقلل قدرة المتاجرين على استغلال الظروف المعيشية، ويمنع تحول الحاجة الاقتصادية إلى مدخل للاتجار بأجساد البشر'.






































