اخبار ليبيا
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٣ أذار ٢٠٢٦
يتحول الصراع بين روسيا وأوكرانيا إلى حدود جغرافية جديدة
في وقت ينشغل فيه العالم بالحرب ضد النظام الإيراني جدت حادثة أمنية لافتة في السواحل الليبية تتمثل في انفجار ناقلة غاز طبيعي مسال روسية، اتهمت موسكو كييف بالتورط فيها.
وعلى رغم أن كييف لازمت الصمت حيال ذلك، فإن هذا التطور يكشف عن اتساع رقعة الصراع مع موسكو، حيث باتت أفريقيا شمالاً وغرباً، مسرحاً جديداً للحرب بين الطرفين.
فقبل أعوام استهدف متمردون في مالي، الواقعة في غرب أفريقيا، عناصر من مجموعة 'فاغنر' شبه العسكرية الروسية في مدينة تين زاوتين، وذلك بدعم من أوكرانيا. ومنذ أسابيع تحذر موسكو من سعي كييف لترسيخ نفوذ عسكري في شمال القارة السمراء من بوابة ليبيا التي تشهد انقساماً حكومياً ووضعاً أمنياً هشاً.
تحدثت تقارير في مالطا وليبيا عن وقوع إصابات في صفوف البحارة الروس جراء استهداف ناقلة 'أركتيك ميتاغاز'.
المتخصص في الشأن العسكري الليبي اللواء عادل عبدالكافي اعتبر 'استهداف ناقلة الغاز الروسية التي كانت متجهة إلى ميناء بورسعيد في مصر، جاء من بعد 130 ميلاً بحرياً شمال ميناء سرت، وهي في نقطة بين ليبيا ومالطا، وتقع في نطاق مسؤولية والبحث والإنقاذ الليبي'.
وفسر عبدالكافي ضمن حديث خاص بالقول إن 'عملية الاستهداف حصلت بمسيرة، مما أدى إلى احتراق الناقلة بالكامل، وهذا في إطار ملاحقة أوكرانيا لسفن روسية لاستنزاف الاقتصاد الروسي وقدرات موسكو العسكرية، باعتبار أن أوكرانيا تخوض حرباً بالوكالة لحساب الولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، لذلك نشهد استنزافاً لقدرات روسيا العسكرية والاقتصادية بعد تورط موسكو في المستنقع الأوكراني'. وتابع 'مع ذلك، لا يمكن تشبيه الوضع في ليبيا بالوضع في مالي لاعتبارات كثيرة. صحيح أن الفيلق الروسي - الأفريقي الذي ينشط في مالي عمد إلى إقصاء القبائل العربية من المشهد، مما دفع الأزواد إلى الاستعانة بأوكرانيا التي هي أصلاً تلاحق روسيا في كل مكان، لكن في ليبيا لم يصل الوضع إلى أن تلاحق كييف موسكو، لأن حضور روسيا العسكري في ليبيا ليس بالحجم الذي هو موجود في مالي وغرب أفريقيا'.
تشكل هذه الحادثة خرقاً أمنياً نادراً في شمال أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول ما إذا كانت أوكرانيا ستحاول نقل حربها مع روسيا إلى المنطقة.
ورأى الباحث السياسي خالد محمد الحجازي أنه في الأعوام الأخيرة عززت روسيا حضورها في أفريقيا عبر شبكات أمنية وعسكرية ارتبطت سابقاً بـمجموعة 'فاغنر'، والتي أدت أدواراً في دول الساحل، وكذلك في ليبيا.
وأوضح الحجازي أن 'هذا الوجود منح موسكو نفوذاً مهماً في المنطقة. وفي المقابل تحاول أوكرانيا ملاحقة المصالح الروسية خارج أراضيها من خلال عمليات غير مباشرة أو عبر الضغط على النفوذ الروسي في أفريقيا'. واستدرك بالقول 'لكن من المهم التمييز بين امتداد النفوذ واندلاع حرب، فدول مثل مصر والجزائر والمغرب تمتلك مؤسسات قوية نسبياً، وتسعى إلى الحفاظ على توازن في علاقاتها الدولية، مما يجعل احتمال تحولها إلى ساحات حرب مباشرة أمراً غير مرجح'. وأشار إلى أنه 'في المقابل تبقى ليبيا الحلقة الأضعف في المنطقة بسبب الانقسام السياسي ووجود قوى أجنبية متعددة على أراضيها. لذلك يرى كثير من المحللين أن أي امتداد للصراع الدولي في شمال أفريقيا قد يظهر أولاً في ليبيا أو في منطقة الساحل'.
يأتي هذا التطور في وقت دخل فيه الهجوم الروسي على أوكرانيا عامه الخامس وسط مفاوضات عسيرة من أجل إنهاء الحرب.
ويرى الباحث السياسي في الشؤون الدولية نزار مقني أن 'غرق سفينة طاقة روسية من أسطول الظل بعد انفجارات مجهولة، وفي منطقة حساسة بين ليبيا ومالطا، يعكس تحول الصراع الروسي - الأوكراني إلى حدود جديدة على رقعة الشطرنج العالمي'.
وبيَّن مقني أن 'الفكرة الجوهرية في هذه الحادثة، ليست السفينة بحد ذاتها، بل نمط العمليات. فخلال العامين الماضيين، طورت كييف تكتيكاً لافتاً يتمثل في استخدام المسيرات البحرية الانتحارية لضرب الأصول الروسية في أماكن غير متوقعة. هذه التكنولوجيا استخدمت بكثافة في البحر الأسود ضد الأسطول الروسي، ونجحت في إغراق أو تعطيل عديد من السفن الروسية على رغم التفوق البحري التقليدي لموسكو'. وأبرز أن 'التكتيك العسكري البحري الأوكراني يعمل وفق فكرة بسيطة وذكية، حيث تفعل القوارب المسيرة الانتحارية، وهي عبارة عن قوارب صغيرة مليئة بالمتفجرات موجهة عبر الأقمار الاصطناعية، وكلفتها لا تتعدى عشرات آلاف الدولارات، ويمكنها تدمير قطعة بحرية بمئات الملايين. إذا صح ما تقوله روسيا حول إن الهجوم انطلق من الساحل الليبي فنحن أمام قفزة جغرافية كبيرة في الحرب، حيث تنتقل تقنيات الحرب في البحر الأسود إلى قلب البحر الأبيض المتوسط'.
وذكر المتحدث ذاته أن 'في هذه النقطة بالذات تبدأ عقدة التفكير الجيوسياسي الحقيقي، إذ تبني روسيا منذ أعوام شبكة نفوذ في أفريقيا، وشمالها تحديداً، عبر الوجود العسكري غير المباشر وشركات الأمن المرتبطة سابقاً بمجموعة ‘فاغنر‘، وأضحت تعمل تحت اسم الفيلق الروسي. وليبيا كانت دائماً عقدة في هذه الشبكة مع وجود موقع استراتيجي وسواحل طويلة وتعدد سلطات يسمح بهوامش حركة واسعة'. واستطرد بالقول 'إذا كانت كييف بالفعل قادرة على تنفيذ عملية من الساحل الليبي أو عبر شبكة محلية هناك، فهذا يعني ثلاثة أشياء مهمة: أولاً أن الحرب الروسية - الأوكرانية بدأت تتخذ صورة حرب مطاردة عالمية للمصالح الروسية، لا معركة على الأراضي الأوكرانية فقط. ثانياً أن طرق الطاقة الروسية قد تصبح أهدافاً خارج نطاق الجبهة الأوروبية. سفينة تحمل 62 ألف طن من الغاز المسال ليست مجرد هدف عسكري، إنها عقدة في شبكة التجارة والطاقة'.
ومضى مقني قائلاً 'ثالثاً قد يتحول المتوسط تدريجاً إلى امتداد غير مباشر لجبهة البحر الأسود'.
في ظل إحجام حكومة 'الوحدة الوطنية' التي تبسط سيطرتها على غرب ليبيا وكييف على التعليق عن الحادثة مع إصرار روسيا على اتهام أوكرانيا باستخدام ساحل الغرب الليبي لاستهداف هذه الناقلة، فإن الغموض يحيط بالفعل بمستقبل المنطقة.
ويعتقد مقني أنه 'إذا تكررت حوادث مشابهة ضد أصول روسية في المتوسط أو أفريقيا، فسيتحول الأمر إلى نمط عملياتي، وليس حادثة منفردة'. وتساءل 'هل تتحول أفريقيا إلى ساحة صراع بين كييف وموسكو؟ الجواب الأقرب للواقع يتمثل في أنه لن يكون صراعاً مباشراً، بل حرب ظل وحرب استخبارات، من خلال دعم مجموعات محلية وتخريب بنى لوجيستية وضرب شبكات الطاقة أو المرتزقة، تماماً كما حدث قبل عامين عندما تعرض عناصر مجموعة ‘فاغنر‘ لهجوم قرب تين زاوتين في شمال مالي'.



























