اخبار السودان
موقع كل يوم -نبض السودان
نشر بتاريخ: ٣ كانون الثاني ٢٠٢٦
كتب – خالد الإعيسر
في الذكرى السبعين لاستقلال السودان، رفرف العلم الوطني فوق سارية القصر الجمهوري، حاملاً معه آمال أجيال متعاقبة وتطلعات شعب صبور واجه دروباً شاقة لم تكن سهلة ولا مستقيمة. غير أن السنوات الأخيرة، ولا سيما الثلاث الماضية، مثّلت أشد المنعطفات قسوة في مسيرة البلاد.
سبعون عاماً ليست زمناً عابراً في عمر الأوطان، بل تجربة مكتملة الدروس، حافلة بالإنجازات والإخفاقات، وتستوجب وقفة صادقة مع الذات، بعيداً عن الشعارات والاحتفالات الظرفية، من أجل مراجعة واعية لما مضى واستعداد جاد لما هو آتٍ.
خلال هذه العقود، واجه السودان تحديات جسيمة: نزاعات داخلية، تباينات سياسية، اختلالات في إدارة التنوع، وانعكاسات اجتماعية واقتصادية أثقلت كاهل المواطن وأثرت في مسار التنمية والاستقرار. كما خلفت الحروب ضحايا كُثر ونزوحاً واسعاً وجراحاً غائرة لم تندمل بعد.
اقتصادياً، لم ينجح السودان في تحويل موارده الهائلة إلى رفاهٍ مستدام، إذ تراجع الأداء في قطاعات حيوية أبرزها الزراعة، رغم الإمكانات التي جعلت البلاد توصف تاريخياً بأنها 'سلة غذاء العالم'. أما الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وثقافة فقد تضررت بفعل الأزمات المتراكمة وعدم الاستقرار.
سياسياً، عرف السودان تجارب ديمقراطية قصيرة العمر، حالت دون ترسيخ تقاليد الحكم الرشيد وأضعفت الثقة بين المواطن والدولة، وهو درس يستوجب التوقف عنده بصدق ومسؤولية.
ومع ذلك، ظل الشعب السوداني متمسكاً بالأمل، مؤمناً بقيم التعايش والتسامح والانتماء الوطني، وهو الرصيد الحقيقي الذي يجب البناء عليه. غير أن ما تعرض له متحف السودان القومي من نهب وتدمير على يد ميليشيا الدعم السريع المتمردة يختزل حجم الخسارة التي لحقت بالبلاد في هذه العقود.
اليوم، لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل: ماذا نتعلم؟ وماذا نصنع معاً في المستقبل؟ التحدي الحقيقي يتمثل في تأسيس دولة تقوم على المواطنة المتساوية، العدالة، سيادة القانون، واحترام التنوع الثقافي والإثني؛ دولة تضمن الحقوق وتصون الكرامة وتتيح الفرص بلا تمييز، عبر توزيع عادل للثروة والسلطة بمنهج واقعي قائم على الإنصاف.
لسنا مطالبين بإنكار الماضي أو تحميل جيل واحد وزر عقود طويلة، لكننا جميعاً مطالبون بتحمل مسؤولية الحاضر وصناعة المستقبل بإرادة مشتركة وخطاب صادق. ويبقى الأمل قائماً بأن تكون الأعوام القادمة بداية لمسار جديد، وأن يشكّل عام 2026 نقطة انطلاق لسبعين عاماً مختلفة، برؤية وطنية جامعة ودولة حديثة ومفهوم جديد للحكم والتنمية.
خالد الإعيسر – وزير الثقافة والإعلام
03 يناير 2026م


























