اخبار السودان
موقع كل يوم -نبض السودان
نشر بتاريخ: ١ كانون الثاني ٢٠٢٦
القاهرة / تقرير: سيف البروف
في زمن عصفت فيه الحرب بكل شيء تقريباً، وامتدت نيرانها لتطال الإنسان قبل الحجر، والمؤسسات قبل المدن، بدا السودان وكأنه يخوض معركة وجود لا معركة سلاح فقط، وبينما انهارت بنوك، وتعطلت خدمات، وتشظت الحياة اليومية للمواطن، برز سؤال جوهري ظل يفرض نفسه بقوة: من يحمي كرامة الإنسان السوداني حين تتساقط الدولة؟
بعكس هذا المشهد القاتم، وفي لحظة وطنية تحول العديد من الدلالات، تماهى فيها التاريخ مع الحاضر، دشنت لجنة الثقافة والإعلام بدار السودان العتيق بالقاهرة، برئاسة الأستاذة هدى عثمان، أولى منتدياتها الشهرية، باستضافة منتدى السلام لوطن معافى، الذي نظمته رابطة الصحافة الإلكترونية السودانية بالقاهرة، بالتعاون مع مركز “اسبيشل” للاستشارات والتدريب واللغات والتنمية البشرية، وذلك تزامناً مع احتفالات البلاد بالذكرى السبعين لاستقلال السودان، والتي جاءت تحت عنوان بالغ الأهمية : دور القطاع المصرفي في معركة الكرامة – بنك الخرطوم نموذجاً.
وذلك مساء الثلاثاء 30 ديسمبر بقاعة المؤتمرات بدار السودان بأرض اللواء، لم يكن المنتدى مجرد فعالية فكرية عابرة، بل مثل منصة وطنية جامعة التقت فيها السياسة بالاقتصاد، والإعلام بالوجدان، والتاريخ باستشراف المستقبل، في مشهد أعاد إلى دار السودان العتيق رونقها القديم ودورها الريادي منذ تأسيسها عام 1960، حين كانت سفارة شعبية للسودان قبل قيام السفارة الرسمية.
حضور رفيع ومنصة جامعة
وشرف المنتدى حضور نوعي ضم رئيس الجالية السودانية بمصر وعميد دار السودان العتيق الأستاذ أحمد عوض، وسعادة العميد مصطفى العبادي، والأستاذ مجدي الأمين مسؤول الاتصال المؤسسي ببنك الخرطوم، إلى جانب الأستاذ عماد السنوسي رئيس رابطة الصحافة الإلكترونية السودانية بالقاهرة، والدكتور عادل الزبير مدير البرامج بقناة البلد، والصحافي والكاتب عاصم بلال الطيب، والكاتب والباحث الإعلامي مرتضى جلال، فضلاً عن الأستاذة هدى عثمان والأستاذة إسلام أمين منسقة المنتدى، وبمشاركة واسعة من الإعلاميين والصحافيين وقيادات الجالية السودانية بمصر.
وأدار فقرات المنتدى بجدارة واحترافية كل من الإعلامية سارة الطيب، والإعلامي حسام محجوب، والأستاذة أمينة أبو، في أمسية امتزج فيها العقل بالعاطفة، وخرجت الكلمات من القلب لتصل مباشرة إلى القلب.
أحمد عوض: دار السودان إرث لا يُفرط فيه
في كلمته، رحب الأستاذ أحمد عوض بالحضور ترحيباً حاراً، مثمناً الدور الكبير الذي يقوم به الإعلام في تسليط الضوء على القضايا الملحة، وتوجيه المجتمع وتصحيح مساره، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها الشعب السوداني جراء الحرب.
وحيا الشعب السوداني بالذكرى السبعين للإستقلال، متمنياً السلام والاستقرار في جميع ربوع الوطن، قبل أن يستعرض سيرة دار السودان العتيق، مؤكداً أنها ليست مجرد مبنى، بل إرث حضاري وهوية وطن، واستطرد قائلاً:إن الجيل الحالي من أبناء الجالية هو الجيل الرابع، وأنهم الجيل الثالث الذي والد وتربى في مصر، وأن الأجداد جاؤوا من شمال السودان سيراً على الأقدام قاطعين الليالي والأيام حتى بلغوا القاهرة، وهم من أسسوا هذا الصرح الذي يتوشح كل ركن فيه بعبق السودان العريق.
وأكد عوض أن الدار تضم أكبر مكتبة بحثية تمثل عصارة فكر وذاكرة تاريخية، إلى جانب معرض فلكلوري جمعت مقتنياته قطعة قطعة من كل أنحاء السودان، ليبقى الوطن حاضراً في وجدان الأبناء، وأضاف: مهما عشنا غرباء… لا عز لمن لا وطن له.
ووجّه سعادته تحية خاصة للقوات المسلحة السودانية التي تحمي الأرض والعرض، مؤكداً أن الحرب يجب أن تكون درساً في حب الوطن ومعرفة قيمته، داعياً للاستفادة من التجربة المصرية في تقديم الوطن أولاً، والعمل بشعار 'يا غريب كن أديب'، كما تقدم بالشكر والتقدير لمصر حكومة وشعباً، على شعبنا، وفتح قلبها قبل أبوابها، ووجه شكر خاص، لأسرة بنك الخرطوم وتطبيق بنكك، ولرابطة الصحافة الإلكترونية، ولجنة الثقافة والإعلام بدار السودان.
عماد السنوسي: بنكك أنقذ المجتمع
ومن جانبه، أكد الأستاذ عماد السنوسي رئيس رابطة الصحافة الإلكترونية السودانية بالقاهرة، أن بنك الخرطوم وتطبيق 'بنكك' لعبا دوراً محورياً في إنقاذ المجتمع السوداني خلال الحرب، في وقت دمرت فيه مؤسسات الدولة ونهبت البنوك وخرج القطاع المصرفي عن الخدمة.
وأوضح السنوسي، أن البنك واصل العمل في ظروف بالغة الخطورة، حيث دخلت فرق فنية إلى مناطق ملتهبة في وسط الخرطوم لتشغيل السيرفرات بالوقود، وقدمت تضحيات جسيمة، قبل نقلها خارج البلاد لضمان استمرارية الخدمة، ما مكن المواطن من تلقي التحويلات في أي مكان في العالم، وأشاد بالعطاء الوطني المتواصل لأسرة البنك، مؤكدًا أن الرابطة ماضية في أداء رسالتها الإعلامية في معركة الوعي.
مجدي الأمين: بنك الخرطوم شركة مساهمة سودانية
بدوره، قدم الأستاذ مجدي الأمين مسؤول التواصل المؤسسي ببنك الخرطوم، نبذة تاريخية وافية عن دور القطاع المصرفي في معركة الكرامة، موضحاً، أن بنك الخرطوم تأسس عام 1913م، وكان يعرف سابقاً ببنك باركليز، وهو اليوم شركة مساهمة وطنية، وفق قانون الشركات، وله شراكات إقليمية، نافياً بشكل قاطع الشائعات التي تزعم تبعيته للإمارات.
وأشار أمين إلى مساهمات البنك في إعادة الإعمار، وإنارة الطرق وجسر المك نمر بالطاقة الشمسية، وتقديم خدمات مجتمعية عديدة، فضلاً عن الحفاظ على حقوق المواطنين رغم سرقة البنوك، كما كشف عن تسهيل دفع فديات عبر التطبيق، وإطلاق سراح محتجزين، وإتاحة فتح الحسابات عن بُعد باستخدام الرقم الوطني أو جواز السفر من أي مكان في العالم، مؤكداً أن البنك حفظ كرامة المواطن السوداني في أحلك الظروف.
أوراق فكرية وشهادات تاريخية
وقدم الكاتب والباحث الإعلامي مرتضى جلال ورقة علمية تناولت فيها دور القطاع المصرفي في معركة الكرامة، مستعرضاً الإيجابيات والسلبيات، وأسباب انهيار بعض البنوك خلال الحرب.
فيما استعرض سعادة العميد مصطفى العبادي محطات استقلال السودان، مؤكداً أن السودان البلد الوحيد الذي نال استقلاله مرتين: الأولى بقيادة الإمام محمد أحمد المهدي، والثانية عام 1956م عبر السودنة والجلاء وتقرير المصير، وألقى نص خطاب الاستقلال باللغة الإنجليزية.
شمسك… حين يتقدم الإنسان
وتخللت المنتدى مداخلات قيمة، أبرزها كلمة الدكتور لؤي تقلاوي رئيس مبادرة المستشار، الذي سلط الضوء على معاناة كبار السن من النازحين، معلناً عن مبادرة (شمسك)، التي تهدف لإخراجهم من العزلة النفسية، داعياً الجميع، وعلى رأسهم بنك الخرطوم، لدعم يوم ترفيهي خاص بهم بمناسبة ذكرى الاستقلال، وسط تفاعل وضحكات ملأت القاعة.
ختام على نغم الوطن
واختتم المنتدى بلمسة فنية مؤثرة ومشاركات شعرية، حيث أطرب المطرب السوداني الشاب طارق وهبا، حفيد الفنان الراحل محمد وردي، برفقة العازف هشام الهاوي، الحضور بأغان وطنية خالدة، فاختلط الغناء بالدموع، وردد الحضور الكلمات تصفيقاً وحنيناً للوطن.
وأسدل الستار على المنتدى بالتأكيد على استمرار هذه المنتديات الفكرية في الأيام القادمة، لتظل دار السودان العتيق منبراً وطنياً حياً، وبيتاً جامعاً للسودانيين، وصوتاً للوعي في زمن المحنة.


























