اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ٢٥ تموز ٢٠٢٦
في وقت يترقب فيه السودانيون استقرار الأوضاع المائية مع اقتراب ذروة الموسم الزراعي، فرض الانخفاض الملحوظ في مناسيب نهر النيل تحديًا جديدًا على البلاد، بعدما امتدت آثاره سريعًا إلى خدمات مياه الشرب، وأثارت مخاوف متزايدة بشأن الأمن الغذائي واستقرار الإنتاج الزراعي. وبين تطمينات حكومية تؤكد أن الوضع لا يزال تحت السيطرة، وتحذيرات خبراء من تعقيدات متزايدة في إدارة الموارد المائية، تتسع دائرة التساؤلات حول مستقبل الإمدادات المائية في السودان.
وأكدت الإدارة العامة للخزانات بوزارة الزراعة والري أن الوضع المائي في البلاد مستقر، موضحة أن إيرادات النيلين الأبيض والأزرق بقيت أعلى من معدلاتها المعتادة حتى منتصف يوليو (تموز) الجاري. وأشارت، في بيان رسمي، إلى أن التراجع الذي سُجل في مناسيب النيل خلال الفترة بين السابع والعاشر من يوليو كان مؤقتًا، مرجعة ذلك إلى انخفاض تصريف المياه من سد النهضة، وهو ما انعكس على كميات المياه الواردة إلى خزاني الروصيرص وسنار، وتسبب في انخفاض محدود عند عدد من محطات القياس. وأوضحت الوزارة أنها تعاملت مع هذه المتغيرات عبر التشغيل الفني للخزانات، كما أعلنت تشكيل لجنة عليا لمتابعة تطورات الموقف المائي بصورة مستمرة، مؤكدة أن إدارة الخزانات تتم وفق أسس علمية تضمن استمرار إمدادات مياه الشرب والري ودعم الموسم الزراعي.
ورغم هذه التطمينات، ظهرت آثار انخفاض المناسيب بشكل مباشر على خدمات المياه، لا سيما في ولاية الخرطوم، حيث توقفت المضخات الساحبة بمحطتي مياه الصالحة جنوب أم درمان وريف شمال بحري، ما أدى إلى تراجع الإمدادات في عدد من الأحياء والقرى. كما أظهرت صور حديثة التقطها القمر الاصطناعي الأوروبي «سنتينل-2» انكماشًا واضحًا في مجرى النيل خلال شهر واحد، مع تقلص المسطح المائي وظهور مساحات كانت تغمرها المياه سابقًا، الأمر الذي تسبب في خروج محطة مياه الصالحة الرئيسية عن الخدمة بصورة مؤقتة.
وأوضح المتحدث الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن تعطل المحطتين أثر على نحو 600 ألف مواطن، مشيرًا إلى أن السلطات نجحت في إعادة تشغيلهما بعد تنفيذ معالجات عاجلة، فيما تتواصل الأعمال الفنية لإيجاد حلول دائمة تكفل استقرار إمدادات المياه خلال الفترة المقبلة.
ويعتقد الخبير الدولي والمستشار السابق بوزارة الري أحمد المفتي أن ما يحدث يرتبط بعمليات ملء وتشغيل سد النهضة، موضحًا أن السد يحتجز جزءًا من الإيراد الطبيعي للنيل أثناء مراحل الملء، في حين قد يؤدي إطلاق كميات كبيرة من المياه لاحقًا إلى مخاطر فيضانية إذا تم ذلك من دون تنسيق مع السودان. وأضاف أن إدارة الخزانات السودانية كانت تعتمد في السابق على التدفقات الطبيعية للنهر، إلا أن التشغيل الأحادي للسد فرض واقعًا مختلفًا، مؤكدًا أن تجاوز هذه الإشكالات يتطلب اتفاقًا قانونيًا ملزمًا ينظم عمليات الملء والتشغيل، ويضمن تبادل البيانات والإخطار المسبق بين الدول المعنية.
من جهته، يرى خبير الري والموارد المائية الصادق شرفي أن الأزمة الحالية لا يمكن ربطها بسد النهضة وحده، لافتًا إلى أن موقع السودان بين السد العالي في مصر وسد النهضة في إثيوبيا جعل جزءًا كبيرًا من إدارة تدفقات المياه يتم خارج حدوده، في ظل محدودية التنسيق وتبادل المعلومات بين الأطراف المعنية.
وأشار شرفي إلى أن الانخفاض الموسمي في مناسيب النيل بات يحدث في توقيت أبكر منذ إنشاء سد النهضة، لكنه أوضح أن خروج بعض محطات المياه عن الخدمة يعود أيضًا إلى قصور في تصميمها وعدم جاهزيتها للتعامل مع المتغيرات الجديدة في مستويات المياه. وأضاف أن إدارة الموارد المائية في حوض النيل أصبحت أكثر تعقيدًا، الأمر الذي يجعل تبادل البيانات والتنسيق بين دول الحوض ضرورة أساسية لضمان استقرار الإمدادات المائية.
كما دعا إلى التعامل مع ملف السدود من منظور أشمل، بحيث لا يقتصر النقاش على سد النهضة فقط، وإنما يشمل أيضًا تأثيرات السد العالي، معتبرًا أن تقليل حجم التخزين فيه يمكن أن يسهم في استعادة أجزاء من الأراضي الزراعية المغمورة بمنطقة حلفا، إلى جانب تقليص مساحات الغرق داخل السودان.
وتتجاوز تداعيات انخفاض مناسيب النيل قطاع مياه الشرب لتصل إلى النشاط الزراعي، إذ يحذر مختصون من انعكاسات محتملة على الموسم الزراعي نتيجة تراجع الوارد المائي إلى خزاني سنار والروصيرص. وقال رئيس تحرير صحيفة «صوت الفلاح» والمهتم بالشأن الزراعي أيوب ود السليك، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى تقلص المساحات المروية، وظهور فجوة في الإمدادات الغذائية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الحبوب بأكثر من 40 في المائة إذا استمرت مناسيب النيل في الانخفاض، مؤكدًا أن تحسن الوارد المائي من شأنه الحد من هذه المخاطر.
وتزداد المخاوف في مشروع الجزيرة، الذي يمتد على مساحة تقارب 2.2 مليون فدان ويعد أكبر مشروع زراعي مروي في السودان، حيث يواجه المشروع تحديات كبيرة نتيجة تدهور قنوات الري وضعف انسياب المياه، إلى جانب الأضرار التي خلفتها الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، وهو ما يحد من قدرته على مواجهة أي اضطرابات جديدة في الإمدادات المائية.
ويرى مراقبون أن الأزمة الأخيرة كشفت حجم التحديات التي تواجه منظومة إدارة الموارد المائية في السودان، بعدما تداخلت تأثيرات تشغيل السدود الإقليمية مع مشكلات داخلية تشمل ضعف البنية التحتية للمياه، والأضرار التي لحقت بمنشآت الري والخدمات بسبب الحرب. وبينما تتمسك الحكومة بتأكيد أن الانخفاض في المناسيب كان مؤقتًا وأن الوضع لا يزال تحت السيطرة، يحذر خبراء من احتمال تكرار مثل هذه الأزمات ما لم يتم تطوير آليات التنسيق الإقليمي وتبادل البيانات، بالتوازي مع تحديث محطات المياه وشبكات الري.
وفي ظل اعتماد السودان على نهر النيل كمصدر رئيس لمياه الشرب والري وتوليد الكهرباء، لم تعد تقلبات مناسيب النهر مجرد مسألة فنية، بل أصبحت قضية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن المائي والأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي. ويؤكد مختصون أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية متكاملة لإدارة الموارد المائية، تقوم على التخطيط العلمي، وتعزيز التعاون الإقليمي، والاستثمار في تطوير البنية التحتية، بما يحد من تحول التغيرات الموسمية إلى أزمات تمس حياة ملايين المواطنين.


























