اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦
عاد إلى الواجهة مجددًا الحديث عن ملف تغيير العملة السودانية واتجاه الحكومة إلى معالجات تشمل حذف أصفار من الجنيه، في وقت تعيش فيه البلاد واحدة من أعقد أزماتها النقدية والمالية منذ عقود. فقد ترأس عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر، أمس الاثنين، اجتماع اللجنة العليا لتغيير واستبدال العملة، بحضور محافظ بنك السودان المركزي وعدد من الوزراء والجهات المختصة، لوضع خطة متكاملة لتغيير العملة، بعد أكثر من عام ونصف على بدء عمليات الاستبدال في عدد من الولايات.
ويأتي التحرك بينما لم تستقر بعد آثار عمليات الاستبدال السابقة، التي شملت فئات نقدية مختلفة، في وقت سحب فيه البنك المركزي خلال العام الحالي ست فئات منخفضة القيمة من التداول، ضمن إعادة تنظيم التركيبة الفئوية للعملة.
لماذا حذف الأصفار الآن؟
من الناحية الفنية، حذف الأصفار أو «إعادة تسمية العملة» لا يعني رفع قيمة الجنيه الحقيقية. فإذا حُذفت ثلاثة أصفار مثلاً، فإن 1000 جنيه قد تصبح جنيهاً واحداً، لكن أسعار السلع والأجور والأرصدة والالتزامات يجب أن تتحول بالنسبة نفسها حتى لا يحدث تغيير حقيقي في القوة الشرائية.
وتكمن الفائدة الأساسية في تبسيط التعاملات الحسابية والمصرفية، وتقليل حجم الأرقام المستخدمة في الفواتير والحسابات والأنظمة الإلكترونية، وإعادة ترتيب الفئات النقدية بما يتناسب مع واقع الأسعار. وهي مشكلة أصبحت واضحة في السودان، حيث وصلت التعاملات النقدية إلى أرقام ضخمة، بينما تلاشت عملياً الفئات الصغيرة من الاستخدام اليومي.
لكن هذه الفوائد إدارية ونقدية بالدرجة الأولى، وليست علاجاً للتضخم أو لانهيار سعر الصرف. وقد خلصت نقاشات اقتصادية سودانية منشورة خلال الأشهر الماضية إلى أن حذف الأصفار لن يعالج العجز المالي أو ضعف الإنتاج أو أزمة النقد الأجنبي ما لم يترافق مع إصلاحات أوسع.
المشكلة ليست في عدد الأصفار
السؤال الأصعب هو: ماذا سيحدث بعد حذف الأصفار؟
إذا ظل الاقتصاد السوداني يعاني من نقص الإنتاج، واتساع فجوة النقد الأجنبي، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وتمويل الحرب، وضعف الإيرادات العامة، فإن الأصفار التي ستُحذف اليوم يمكن أن تعود بأشكال جديدة غداً.
فحذف ثلاثة أصفار من سعر الدولار، على سبيل المثال، لا يجعل الدولار أرخص فعلياً؛ فإذا كان الدولار يساوي 7000 جنيه قبل التغيير، فإنه سيصبح سبعة جنيهات بعده، بينما تظل القوة الشرائية للجنيه الجديد مساوية تماماً للقوة الشرائية للجنيه القديم.
وهنا تكمن خطورة تقديم الخطوة للمواطن باعتبارها استعادة لقيمة العملة. تغيير وحدة القياس لا يساوي استعادة القيمة الاقتصادية.
عبء مالي في توقيت صعب
تغيير العملة ليس مجرد طباعة أوراق نقدية جديدة. فهو يتطلب تصميم وإنتاج العملة، وتأمينها ونقلها وتوزيعها، وسحب العملة القديمة وفرزها وإتلافها، وتحديث الأنظمة المصرفية والمحاسبية وأجهزة الصراف الآلي والبرامج الحكومية والتجارية، فضلاً عن حملات التوعية ومواجهة التزوير.
وتقدر تقديرات نقلتها «الجزيرة» كلفة طباعة عملة جديدة بصورة شاملة بنحو 400 إلى 500 مليون دولار، مع حاجة العملية إلى نحو عام لاستكمالها، وإن كانت الكلفة الفعلية ستعتمد على نطاق الاستبدال وعدد الفئات وآلية التنفيذ.
وفي اقتصاد يعاني أصلاً من ضغوط مالية حادة، يصبح السؤال مشروعاً: هل الأفضل توجيه هذه الموارد المحدودة إلى طباعة عملة جديدة، أم إلى تمويل الإنتاج الزراعي والصناعي، وزيادة الصادرات، ودعم احتياطيات النقد الأجنبي، وإعادة بناء القطاع المصرفي؟
وتزداد حساسية السؤال لأن السودان لم يخرج بعد من عمليات استبدال العملة السابقة؛ فقد طرح بنك السودان في 2026 فئات جديدة واستبدل فئات قديمة، مع توجيه المواطنين إلى إيداع الأموال في المصارف واستخدام وسائل الدفع الإلكتروني.
ماذا عن جيب المواطن؟
من الناحية الحسابية، حذف الأصفار وحده لا ينبغي أن يخفض القدرة الشرائية للمواطن ولا أن يزيدها؛ لأن الأجور والأسعار والأرصدة يفترض أن تتحول بالنسبة نفسها.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في مرحلة الانتقال.
فقد تستغل بعض الأسواق تغيير الوحدة النقدية لإجراء عمليات تقريب للأسعار إلى الأعلى، خصوصاً في ظل ضعف الرقابة وتفاوت الأسعار بين المناطق. وإذا لم تكن عملية التحويل واضحة وموحدة، فقد يجد المستهلك نفسه أمام أسعار جديدة يصعب عليه مقارنة قيمتها بالأسعار القديمة.
كما أن المواطنين الذين يحتفظون بجزء كبير من مدخراتهم خارج الجهاز المصرفي سيكونون الأكثر حاجة إلى ضمانات واضحة بشأن الاستبدال، خصوصاً في المناطق التي تعاني من اضطراب أمني أو ضعف في الخدمات المصرفية.
اقتصاد منقسم.. ومشكلة أكبر
هناك عامل آخر يجعل التجربة السودانية أكثر تعقيداً من عمليات إعادة تسمية العملة في الاقتصادات المستقرة: الحرب أدت إلى انقسام فعلي في النشاط النقدي والأسواق بين مناطق مختلفة، مع وجود تفاوت في السيولة وطرق التداول، بل وتداول أوراق نقدية قديمة في بعض المناطق.
وفي ظل هذا الواقع، فإن نجاح تغيير العملة يتطلب قدرة الدولة على الوصول إلى الأسواق والمصارف في جميع المناطق، وإلا فإن العملة الجديدة قد تصبح أداة لتعميق الانقسام النقدي بدلاً من توحيد السوق.
حذف الأصفار يجب أن يعقبه الإصلاح الحقيقي
لا يعني ذلك أن تغيير العملة بلا جدوى. فقد يكون مبرراً إذا كان جزءاً من برنامج شامل لإعادة بناء النظام النقدي، خصوصاً بعد تآكل الفئات النقدية الصغيرة وتضخم الأرقام المستخدمة في المعاملات.
لكن نجاحه يتوقف على ما سيأتي معه: ضبط الإنفاق العام، زيادة الإنتاج والصادرات، تحسين تدفقات النقد الأجنبي، إعادة بناء الجهاز المصرفي، تقليص السوق الموازي، وضمان استقلال وفعالية السياسة النقدية.
وكانت الحكومة قد شكلت بالفعل خلية لإدارة قضايا سعر الصرف وآثاره، مع التركيز على زيادة الإنتاج في التعدين والزراعة والثروة الحيوانية والصناعات التحويلية وتعويض الواردات. وهذا النوع من الإجراءات هو الذي يحدد في النهاية قيمة الجنيه، وليس عدد الأصفار المطبوعة على الورقة النقدية.
لذلك، فإن التحدي أمام الحكومة ليس في حذف الأصفار، وإنما في منع عودتها. فإذا جاء تغيير العملة ضمن إصلاح اقتصادي شامل، فقد يساعد في تبسيط النظام النقدي وإعادة تنظيمه. أما إذا جاء منفرداً، بعد وقت قصير من عمليات استبدال سابقة، وفي ظل استمرار الحرب واختلال الإنتاج وسعر الصرف، فقد يتحول إلى عملية مكلفة لتغيير شكل المشكلة دون تغيير أسبابها.
والفارق بين الحالتين لن يحدده شكل الورقة النقدية الجديدة، وإنما قدرة الدولة على جعل الجنيه الجديد يحتفظ بقيمته بعد أن يدخل جيوب المواطنين.


























