اخبار الجزائر
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ٧ شباط ٢٠٢٦
أكثر من 300 حالة داخل مستشفى واحد وتصريح بـ9 آلاف اعتداء كل عام و'مؤسسة ترقية الصحة' أشارت إلى 2000 ضحية سنوياً
فتحت تصريحات طبية حول تسجيل أكثر من 300 حالة اعتداء جنسي على أطفال قصّر سنوياً على مستوى إحدى المؤسسات الاستشفائية في الجزائر أبواب ملف العنف الجنسي على مصراعيها، بعد صمت رافق القوانين التي أقرتها الحكومة في سياق حماية المرأة والطفل وترقية حقوقهما، لكن يبدو أن الوضع تدهور بعيداً من الأنظار.
وأوضح رئيس مصلحة الطب الشرعي بـ 'المركز الاستشفائي الجامعي مصطفى باشا' في العاصمة الجزائر رشيد بلحاج عبر تصريحات إعلامية، أن مصلحة الطب الشرعي تسجل سنوياً ما بين 320 و334 حالة اعتداء جنسي على أطفال قصّر، مشيراً إلى أن هذه الحالات جرى التكفل بها على مستوى هذا المستشفى الذي يعد الأكبر في البلاد، واصفاً الأرقام بالخطرة.
وبينما يرى بعضهم أن الأرقام مبالغ فيها فقد سبق أن أكد رئيس 'الشبكة الجزائرية للدفاع عن حقوق الطفل' عبدالرحمن عرعار إحصاء أكثر من 9 آلاف اعتداء جنسي على الأطفال سنوياً، كما أشارت المصلحة الطبية ذاتها في وقت سابق إلى أن 77 في المئة من ضحايا الاعتداء والعنف الجنسي في الجزائر من الأطفال.
بدورها كشفت 'مؤسسة ترقية الصحة' عن أن تقديراتها في شأن الاعتداءات الجنسية تسجل نحو 2000 حالة سنوياً، يشكل الأطفال 90 في المئة من الضحايا.
وتتحدث 'مصلحة الطب الشرعي' بـ 'مستشفى مصطفى باشا' عن أن 93.5 في المئة من المتحرشين بالأطفال هم من رجال، ويعرفهم الضحايا في 75 في المئة من الحالات، بينما من أفراد الأسرة 9.68 في المئة، مشيرة إلى أن 76.61 في المئة من الحالات وقعت في مكان عام منعزل، و13.71 في المئة في منزل مرتكب الجريمة، مشددة على أن الاعتداءات على الأطفال تحت تأثير المخدرات تمثل 4.88 في المئة من حالات العنف الجنسي، وتحت التهديد أو من دون علم الضحايا 2.44 في المئة.
ولفت المسؤولون عن المصلحة إلى أن الضحايا لا يتحدثون إلا قليلاً أو لا ينطقون بأية كلمة عما حدث لهم، وأن الإحصاءات تشير إلى أن واحداً فقط من كل 10 يثقون بأمهاتهم، إذ تخفي الأمهات تعرض أطفالهن للعنف الجنسي أو عواقبه، بخاصة إذا نتج منه حمل بالنسبة إلى الإناث.
وأوضحت الاختصاصية النفسية نور الهدى قراد أن الأطفال الذين يقعون ضحايا للاعتداء الجنسي يكونون أصغر سناً، لكن الأكثر استهدافاً هم الذين تتراوح أعمارهم ما بين ثمان سنوات و12 سنة، مشددة على أن تأثير هذه الأفعال في الصحة العقلية شديد، ومن دون متابعة فإنهم سيحملون هذه الصدمة طوال حياتهم.
وقالت قراد إن التهاون وعدم إبلاغ الشرطة من أبرز الأسباب التي يمكن أن تترك آثاراً سلبية ونتائج وخيمة على الأطفال الذين تعرضوا للاغتصاب أو التحرش الجنسي، وبالتالي بات من الضروري نشر ثقافة التبليغ ضد المتحرشين والجناة باعتباره التزاماً قانونياً يجب على كل الأولياء اتباعه، مضيفة أنه في كثير من الأحيان لا يتحدث الطفل بصورة مباشرة عما مر به 'ولذلك نبدأ بالرسومات والقصص والصور حتى نمنحه الثقة'، وموضحة أن 'الوضع يستغرق وقتاً ولكننا نعرف ما هي الأساليب التي تمكننا من جعل الطفل يتحدث'.
وأبرزت قراد أنه بفضل الوسائل التقنية المستخدمة في التشخيص جرى التغلب على مشكلة صدقية شهادة الأطفال، مشيرة إلى أن قانون حماية الطفل يسمح بالتسجيل السمعي والبصري أثناء جلسة الاستماع للطفل بحضور طبيب نفسي، وهو ما يجنب تكرار جلسة الاستماع التي يمكن أن تكون مؤلمة في بعض الأحيان للضحية.
وتأتي أرقام 320 و334 حالة اعتداء جنسي على أطفال قصر سنوياً على مستوى مؤسسة استشفائية واحدة، وكذا تعرض أكثر من 9 آلاف طفل لاعتداء جنسي سنوياً، لتكشف عن حال الترهل التي بلغها المجتمع في ظل المساس المتواصل بفئة هشة يبدو أنها أصبحت لقمة سهلة تنهشها الوحشية في صمت، مما يجعل العنف الأسري في الجزائر مشكلة اجتماعية خطرة تؤثر في حياة كثير من الأفراد والأسر، وعلى رغم أنها ظاهرة متفشية في كثير من المجتمعات لكنها تبدو أكثر انتشاراً داخل المجتمع الجزائري.
ومع الأرقام الصادمة لا يزال العنف الجنسي ضد الأطفال من التابوهات الاجتماعية لدى المجتمع الجزائري لارتباطها بقيم مثل الشرف، وهو ما جعل التكتم يسيطر على عائلات الضحايا وفي كثير الأحيان على الأطفال المستهدفين، ليخفي حقيقة الظاهرة من حيث الإحصاءات ويعوق سبل معالجتها.
وتشير التقديرات في أنحاء العالم إلى تعرض ما يقارب 120 مليون أنثى تحت سن الـ 20 لأشكال مختلفة من الاتصال الجنسي القسري، وفي حين لا توجد تقديرات عالمية متاحة للعنف الجنسي ضد الإناث، تشير البيانات الواردة من 24 دولة ذات دخل مرتفع ومتوسط إلى أن معدل انتشار تلك الممارسات يتراوح ما بين ثمانية و31 في المئة بين الفتيات، وثلاثة و17 في المئة بين الفتيان دون سن 18 سنة، أما البالغون الذين مرّوا بأربع تجارب طفولة سلبية أو أكثر، بما في ذلك الاعتداء الجسدي والجنسي والعاطفي، فهم أكثر عرضة بنسبة سبع مرات للتورط في العنف بين الأشخاص، إما بوصفهم ضحايا أو مرتكبين لذلك النوع من الجرائم، وهم أكثر عرضة لمحاولة الانتحار بنسبة 30 مرة، وقد اعترف واحد من كل 20 رجلاً بممارسة سلوك جنسي عبر الإنترنت تجاه الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 12 سنة.
وثمة تحديات تواجه مكافحة العنف الأسري في الجزائر من بينها أن كثيراً من الضحايا يتردد في التبليغ عن العنف بسبب الخوف من الانتقام أو الوصم الاجتماعي إضافة إلى نقص الوعي، وفي حين تعمل السلطات على مواجهة انتشار الظاهرة من خلال سنّ عدد من التشريعات لضبط الوضع وتوفير الخدمات للضحايا، لكن مختلف تلك الإجراءات تبقى محدودة ولا ترقى إلى مستوى كبح العنف الأسري بمختلف أنواعه، ولا توافر الحماية القانونية والاجتماعية للضحايا بصورة كافية.
وأكد وزير العدل لطفي بوجمعة أن الدولة أولت اهتماماً كبيراً لضمان حقوق وحريات المواطن بصفة عامة والمرأة بخاصة، من خلال تكييف منظومتها القانونية مع التزاماتها الدولية، مشيراً إلى أنه جرى اتخاذ جملة من التدابير خلال عام 2025، وإدراج أحكام جديدة في مشروع 'قانون الإجراءات الجزائية' تعطي حماية إضافية للضحية، موضحاً أن الوزارة حرصت على تيسير تمكين المرأة ضحية العنف من المساعدة القضائية أمام مختلف الجهات القضائية، مع تعزيز الحماية القانونية والقضائية للمرأة من طريق تفعيل الإطار التشريعي والتنظيمي المتعلق بحقوقها التي تحوي كثيراً من الأحكام التي تضمن حمايتها من مختلف أشكال العنف التي تتعرض لها، ولا سيما المنصوص عليها في 'قانون العقوبات'، والمتعلقة بمنع اتصال المحكوم عليه بالضحية في جرائم التحرش أو الاعتداء أو الاستغلال الجنسي وسوء المعاملة أو العنف، إذ تعد هذه الإجراءات جزءاً من السياسة الجزائية التي ينتهجها قطاع العدالة في مجال حماية الضحايا.
وتدخل المشرّع الجزائري من خلال إقرار قوانين صريحة تُجرم أفعال التحرش الجنسي وتفرض عقوبات قسرية على مرتكبيها، بخاصة إذا كان الضحية قاصراً أو إذا حدث التحرش في إطار علاقة سلطة أو نفوذ، فشدّد العقوبة بين الحبس من شهرين إلى عام مع غرامة مالية تتراوح ما بين 50 ألف و100 ألف دينار (380 إلى 770 دولار)، وفي حال العود تُضاعف العقوبة لتصل إلى عامين حبساً وغرامة تصل إلى 200 ألف دينار (1540 دولار)، وإذا كان الجاني من محارم الضحية أو إذا كانت الضحية قاصراً وأقل من 16 سنة، أو تعاني مرضاً أو إعاقة، فإن العقوبة ترتفع إلى الحبس من عامين لخمسة أعوام.
أما بخصوص جرائم اغتصاب القصّر فإن المشرع حدد العقوبة بالسجن الموقت ما بين 10 أعوام و20 عاماً إذا كانت الضحية لم تكمل 18 سنة، وتُشدد إلى السجن المؤبد إذا كان الجاني من أصول الضحية أو من الأشخاص الذين لهم سُلطة عليها.
وترى الحقوقية نادية مسراتي أن الحاجة ملحة إلى كسر جدار الصمت، فضلاً عن تعزيز الردع القانوني، وكل جريمة مسكوت عنها تمهد الطريق لجريمة أخرى، وهو ما يتضح جلياً في عودة هذه الجرائم للواجهة وبخاصة عندما يكون الضحايا من الأطفال، موضحة أن 'هناك تواطئاً من الجميع بسبب الصمت وهذا يعني أننا مشاركون في الجريمة'، مشيرة إلى أن التحرش الجنسي يعد من أكثر جرائم العنف التي تسجل في خانة الصمت في الجزائر، فهو لا يميز بين الفئات العمرية أو الجنس، ويطاول ضحاياه في مختلف الأماكن والفضاءات العامة أو عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
وأضافت مسراتي أن الجريمة التي تمس كرامة الإنسان وأمنه الشخصي غالباً ما تنمو في صمت بسبب الخوف من الفضيحة أو غياب ثقافة التبليغ، مبرزة أن بعضهم ينظر إليها كمشكلة اجتماعية أو نفسية، لكنها في جوهرها قضية قانونية من الدرجة الأولى، نظراً إلى الأضرار الجسدية والنفسية التي تلحق بالضحية، إضافة إلى تأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع.




















