اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
على مر الأزمان والتاريخ تعرضت بلدان كثيرة فى مختلف ارجاء المعمورة لازمات وحروب وكوارث طبيعية ، وأفرغت تلك البلدان من سكانها بسبب النزوح والتهجير القسري . لكن تلك البلدان ما لبثت ان عادت اليها حياتها ونشاطها وواصلت مسيرها فى درب الحياة الذى لا يأمن عثراته احد ..
الحربين العالميتين كانت آثارهما ماحقة على بلدان وشعوب الدول التى كانت تقع فى خطوط النار . لكنها وبعد انتهاء الحرب عادت تلك البلاد فى أبهى صور وعمل اهلها بجد ودأب على تجاوز مرارة الحرب والفقد .. عاد الى تلك البلاد اهلها فاردين لها أحضانهم حتى أعادوا إعمارها بافضل مما كانت عليه قبل كارثة الحرب ..
الحروب والكوارث تمثل إختبار حقيقي لصلابة الدول والمجتمعات ووعى الشعوب .. القدرة على تجاوز المحن وقبول تحدي إعادة البناء بشحذ الهمم وسمو الارادة هو الذى يميز بين شعبٍ وآخر .. الشعوب المؤمنة باوطانها والمدركة لقيمة الوطن هي تلك التى لا تجنح إلى الفردانية فى اجتراح الحلول ، بالهروب إلى المهاجر ومواطن اللجوء .. ولنا عظة وتجربة فى شعب الفلسطين ، الذى رفض التهجير القسري وقبل التحدي بالحرمان من الطعام والشراب والمسكن والعلاج ، وأصر على أن يدفع ثمن البقاء على أرضه دماً وجوعاً وفقداناً للأمن والامان .. كان بامكان ذلك الشعب الصغير العدد المحروم من وسائل البقاء والدفاع عن النفس ان يقبل بدنيٌَة الهجرة واللجوء ، خاصة وان جله من المتعلمين وحملة الشهادات العلمية والمهنية . لكن ولانهم عرفوا قيمة الوطن مما مروا به من تجارب ، فقد قبلوا ان يدفعوا الثمن حتى لو كان الثمن باهظاً وعدميَّاً بان يفنوا على ارضهم ! فذلك اكرم لهم من ترك ارض اجدادهم للمحتل الغاصب .
جاء على اهلنا فى السودان الدور ، فعاشوا هذه الحرب الماحقة التى كان أثرها وبيلاً عليهم . خاصة فى ولاية الخرطوم وبعض الولايات التى اصابها ضُرُّ إجتياح المليشيا ..
انتهت الحرب فى ولاية الخرطوم وكل الولايات ، عدا بعض اجزاء ولايات كردفان وولايات دارفور .. عادت الحياة إلى العاصمة بعودة الامن والخدمات إلى أغلب أجزائها . عاد الكثيرون من أهلها إلى دورهم ، لكن وبالمقابل نجد أن عدد ليس بالقليل لم يعد .. ربما يكون للبعض بعض الظروف الخاصة ، المتعلقة بالعلاج وإرتباط الابناء بمؤسسات تعليمية فى دول اللجوء .. لكن المؤسف ان هناك من استمرأ البقاء خارج الوطن باسباب وذرائع واهية .. ترك البعض دورهم وأعمالهم ووظائفهم ولم يعودوا اليها ..
إذا قمت بجولة سريعة فى بعض أحياء العاصمة ستشعر بالحيرة من حال هذه الدور المغفرة التى صارت مهجورة وبائسة بسبب غياب أهلها .. علينا ان ندرك ان مصائب الدنيا لا ترتبط ببلد دون آخر .. فما مرت به بلادنا وما عاشته من تجربة مرَّ بغيرها .. اماكن الهجرة والنزوح ليست محصنة من الاضطرابات الامنية وكوارث الطبيعية .. مهما وجد الشخص من اسباب الدعة وراحة الجسد فهو فى المهاجر والنزوح مجرد ضيف وأجنبي او ( براني ).. ستنتاشه بلا شك الألسن وتلاحقه العيون .. لا كرامة لشخص خارج وطنه .. كل طائر فارق سربه فهو لا شك ضائع .. حتى من يمنحوك جنسيتهم ومواطنيتهم فانها لن تعوضك عن صباحات بلدك وأمسياته التى عشت عليها ..
سيتحدث البعض عن ضيق الحال الاقتصادى فى البلد ، سيتحدث آخرون عن فشل الحكام وعثرات الحاكمين فكل هذا صحيح . انت اين دورك فى إصلاح المعطوب والمساهمة بما هو ممكن فى الإصلاح والبناء ومناهضة كل ما هو غير مرضى ..؟ اي حديث عن التسليم بأن الهروب هو الحل وان الحلول الفردانية هى الوسيلة هو حديث العاجز المنهزم ..
عاد الكثيرون إلى دورهم وأحيائهم فى الخرطوم .. امتلات الأسواق بالرواد والمساجد بالعُبَّاد ، فمسير الحياة لا يتوقف .. عادت الخرطوم بامبداتعا وكلاكلاتها وحاج يوسفاتها ودروشاباتها .. الخرطوم ستواصل مسيرها فهذه سنة الأزمان ، لن يرحل عنها النيلين ، ولن يتركها المًقرن .. رغم مصاعب المعيشة إلى ان الحياة تمضى .. الجامعات والمدارس والمشافي تفتح ابوابها من جديد .. وتستمر الحياة بمن حضر .. من يتخلف ومن يتغيَّب سيتخلف لنفسه .. كل فراغ تركه غائب سيملأه حاضر ، فهذا هو قانون الطبيعة .. سيفقد البعض فرصهم فى الأسواق وفى الأعمال وفى الوظائف بسبب غيابهم ..
لقمة بسيطة مع دفء الاهل والعشيرة ستكون افضل من تلك التى تتناولها فى بلاد الأغيار .. الوطن هو الوطن ، مثل الوالدين لا بديل له ولا عِوضَ عنه . وان بدأت البدائل مغرية . فهي ستكون مغرية فى شكلها ، لا فى جوهرها ومعناها لمن يحس معنى الوطن وحلاوة وطلاوة الانتماء إلى ارض النيل والقمارى ..
فى رقبة كل منا دين لهذا الوطن . فى هذا الاوان المفصلي والمصيري ، علينا ان نتذكر ان العودة إلى أرض النيلين ضريبة يجب سدادها برضاً وسماحة . وذلك حتى نساهم مع غيرنا فى اعادة البناء ، ورتق من انفتق بسبب الحرب..
عودوا إلى بلدكم وربعكم ،يا من استطبتم المهاجر وبلدان الغير .. لن تكون لكم كرامة فى بلدان غيركم ولن يطيب لكم العيش وان قسا عليكم إلا على هذه الارض السمراء ..


























