اخبار السودان
موقع كل يوم -أثير نيوز
نشر بتاريخ: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦
مع بداية كل يوم في الخرطوم، تبدأ رحلة البحث عن الوقود قبل أن تبدأ ساعات العمل. طوابير السيارات تتشكل مبكرًا أمام محطات الخدمة، فيما يقضي السائقون ساعات طويلة انتظارًا للحصول على كميات محدودة من البنزين أو السولار، في مشهد بات يتكرر بصورة تضع حياة المواطنين وأعمالهم تحت ضغط مستمر.
الانتظار لم يعد مجرد تأخير عابر بالنسبة لكثير من السودانيين، إذ بات الحصول على الوقود مرتبطًا مباشرة بالقدرة على الذهاب إلى العمل وكسب الدخل وتوفير احتياجات الأسرة. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، تضيف أزمة الوقود عبئًا جديدًا إلى قائمة المصروفات اليومية.
ويبلغ سعر غالون البنزين داخل محطات الوقود نحو 37 ألف جنيه سوداني، وفق متعاملين، بينما يصل في السوق الموازية إلى قرابة 60 ألف جنيه. أما غالون السولار فسجل نحو 45 ألف جنيه في المحطات، مقابل حوالي 56 ألف جنيه في الأسواق الموازية.
وتزامن ذلك مع ارتفاع سعر الدولار إلى نحو 5 آلاف جنيه في سوق الصرف الرسمية، فيما وصل إلى قرابة 8 آلاف جنيه في السوق الموازية، وهو ما يضيف ضغوطًا جديدة على تكلفة استيراد المشتقات النفطية وأسعارها المحلية.
ساعات تضيع أمام المحطات
ويقول الموظف معز إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» إن الوقوف أمام محطات الوقود أصبح يستنزف جزءًا كبيرًا من يومه، مشيرًا إلى أن التأخر عن العمل بات يتكرر بسبب الطوابير الطويلة التي يضطر إلى انتظار دوره فيها.
ويضيف أن الاستمرار على هذا النحو بات مرهقًا، قائلًا: «لا أستطيع أن أقضي كل أسبوع ساعات طويلة أمام محطة الوقود. نحتاج إلى حل ينهي هذه الأزمة من جذورها، فحياتنا وأعمالنا لا تحتمل هذا الانتظار المتكرر».
أما السائق محمد المجتبى، فيؤكد أن نقص الوقود أصبح يتكرر بصورة شبه أسبوعية، ويضع العاملين في المهن اليومية أمام خيارين كلاهما مكلف: الانتظار لساعات أو اللجوء إلى السوق السوداء وشراء الوقود بأسعار أعلى.
ويشير المجتبى إلى أن فقدان يوم واحد من العمل يعني بالنسبة إليه خسارة دخل قد يحتاج إلى نحو 10 أيام لتعويضه، بينما تستمر مصروفات الأسرة والعلاج والطعام وصيانة المركبة دون توقف. ويقول: «أعمل يوماً بيوم، وإذا توقفتُ خسرنا رزق اليوم، لكن مصاريف البيت لا تتوقف. الله المستعان».
ولا تقتصر تداعيات نقص الوقود على السائقين، إذ يرى المواطن محمد عبد المنعم أن الأزمة أصبحت تمس تفاصيل الحياة اليومية للأسر، خصوصًا محدودي الدخل، بسبب ارتفاع تكاليف النقل وصعوبة الوصول إلى الوقود.
ويقول عبد المنعم إن ارتفاع تكاليف المواصلات ينعكس على قدرة الأسر على توفير الطعام والشراب والعلاج واحتياجات الأطفال، مضيفًا أن ساعات الانتظار الطويلة أمام المحطات تعني خسارة وقت كان يمكن استغلاله في العمل أو رعاية الأسرة.
وزارة الطاقة: الإمدادات متوفرة
وفي مقابل مشاهد الازدحام أمام محطات الوقود، أكدت وزارة الطاقة والنفط توفر المشتقات النفطية واستمرار وصول الإمدادات إلى محطات الخدمة.
وقالت الوزارة، في بيان صدر في 16 سبتمبر (أيلول)، إن الجهات المختصة تواصل التنسيق بشأن عمليات الاستيراد والمناولة والترحيل والتوزيع بهدف ضمان انتظام وصول الوقود إلى المحطات.
وأرجعت الوزارة الازدحام الذي شهدته بعض المحطات خلال الأيام السابقة، خصوصًا في البنزين، إلى مجموعة من العوامل، من بينها التذبذب والبطء في بعض التطبيقات المصرفية، وهو ما أدى إلى تباطؤ عمليات شراء الوقود وتراكم السيارات تدريجيًا أمام محطات الخدمة.
كما أشارت إلى أن التطورات الجيوسياسية في منطقة مضيق باب المندب أثرت في حركة بعض ناقلات النفط، ورفعت تكاليف النقل والتأمين البحري، الأمر الذي انعكس على مواعيد وصول بعض الشحنات وعلى أسعار عدد من المنتجات النفطية.
وأكدت الوزارة أن هذه العوامل تمثل تحديات خارجة عن إرادة الدولة، مشيرة إلى اتخاذ إجراءات تستهدف سد الفجوة وتأمين الإمدادات والعمل على الحد من ارتفاع تكلفتها.
الحرب والسوق الموازية
ويربط الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي أزمة الوقود بمجموعة من العوامل التي تفاقمت مع الحرب، من بينها الأضرار التي لحقت بمصفاة الخرطوم، وصعوبات الاستيراد، ونقص النقد الأجنبي، واضطراب سلاسل الإمداد الإقليمية، إلى جانب ضعف آليات التوزيع والرقابة واتساع نشاط السوق السوداء في تجارة المشتقات النفطية.
وقال فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن اعتماد السودان بدرجة كبيرة على استيراد الوقود يجعله أكثر عرضة لتقلبات أسواق النفط العالمية واضطرابات النقل والإمداد. وأضاف أن الحرب أدت أيضًا إلى تراجع الإنتاج المحلي في مناطق كردفان، بالتزامن مع محدودية المخزون الاستراتيجي وارتفاع كلفة الاستيراد.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن التوترات الإقليمية والاضطرابات التي تؤثر في حركة الملاحة بمنطقة الخليج ومضيق هرمز يمكن أن تنعكس على تكاليف الشحن وأسعار النفط وتوافر الإمدادات، بما يضيف مزيدًا من الضغوط إلى السوق السودانية.
ويضع فتحي أزمة الوقود ضمن المشكلات التي تؤثر مباشرة في حياة المواطنين، إلى جانب أزمتي المياه والكهرباء، مشيرًا إلى أن تكرارها يرتبط بعوامل إدارية وفنية ورقابية، وأن ضعف المتابعة يفتح المجال أمام شبكات السوق السوداء لاستغلال نقص الإمدادات والتأثير في الكميات والأسعار.
كما يرى أن ضعف المخزون الاستراتيجي وغياب منظومة مستقرة للاستيراد والتخزين يجعلان السوق أكثر عرضة للصدمات المفاجئة، معتبرًا أن الأزمة تحمل أبعادًا إدارية وفنية، إلى جانب تأثيرات مباشرة للحرب والظروف الاقتصادية.
ويقترح فتحي تعزيز الرقابة على الأسواق ومواجهة تجارة الوقود خارج القنوات الرسمية، إلى جانب وضع خطة استيراد تعتمد على حجم الاستهلاك الفعلي، وإعادة هيكلة قطاع النفط، والتوسع في إنشاء مصافٍ حديثة، وتنويع مصادر استيراد المشتقات النفطية لتقليل مخاطر الاعتماد على مصدر واحد أو التأثر باضطرابات النقل والإمداد.
ومع استمرار الطوابير أمام محطات الوقود، تتجاوز الأزمة حدود الحصول على البنزين أو السولار لتصبح عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا يوميًا. فالموظف الذي يتأخر عن عمله، والسائق الذي يخسر يومًا من دخله، والأسرة التي تواجه ارتفاع تكاليف النقل والغذاء والعلاج، جميعهم يدفعون ثمن أزمة الوقود التي تتداخل فيها تداعيات الحرب مع مشكلات الاستيراد والسيولة والتوزيع والرقابة.
المصدر الشرق الاوسط


























