لايف ستايل
موقع كل يوم -فوشيا
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
بعد سنوات من الجدل والمحاولات التشريعية، حسمت ولاية كاليفورنيا الأمريكية موقفها من زواج القاصرين، لتغلق الباب أمام زواج من هم دون 18 عاماً بشكل نهائي. فمع توقيع حاكم الولاية غافين نيوسوم قانون AB 1267، الذي يدخل حيز التنفيذ في 1 يناير/كانون الثاني 2027، ستنتهي الاستثناءات التي كانت تسمح للقاصرين بالزواج بموافقة الأهل أو بقرار من المحكمة.
لكن وراء هذا التغيير القانوني قصة بدأت قبل سنوات، مع آلاف الزيجات التي عقدت لقاصرين، وحملات قادها ناجون ومنظمات حقوقية للمطالبة بإلغاء الاستثناءات.
فما الذي كان يسمح به القانون في كاليفورنيا؟ وكيف وصلت الولاية إلى حظر زواج القاصرين؟ وكيف تختلف قوانين الزواج بين الولايات الأمريكية والدول العربية ودول أخرى حول العالم؟ وماذا يقول الأخصائيون عن السن المناسبة للزواج وعلاقتها بالنضج وتحمل المسؤولية؟.
ماذا كان يسمح به القانون في كاليفورنيا؟
قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، لم تكن قوانين كاليفورنيا تضع حداً أدنى محدداً لسن الزواج، وكان بإمكان القاصر الزواج بموافقة الوالدين أو الوصي، إلى جانب الحصول على موافقة المحكمة.
وكانت كاليفورنيا واحدة من ثلاث ولايات أمريكية لا تضع حداً أدنى قانونياً محدداً للزواج، إلى جانب ميسيسيبي ونيو مكسيكو. ومع دخول قانون AB 1267 حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2027، ستصبح ميسيسيبي ونيو مكسيكو الولايتين الوحيدتين في الولايات المتحدة اللتين لا تزالان لا تضعان حداً أدنى قانونياً للزواج.
وينهي القانون الجديد هذه الاستثناءات، إذ يحدد سن الزواج بـ18 عاماً في كاليفورنيا، من دون استثناءات مرتبطة بموافقة الأهل أو المحكمة. وبذلك، لن يكون بالإمكان إصدار رخصة زواج لمن هم دون 18 عاماً في الولاية.
وتقدّر منظمة Unchained At Last أن نحو 35 ألف قاصر تزوجوا في كاليفورنيا بين عامي 2000 و2021، وهي أرقام تقديرية تستند إلى بيانات الولاية وتحليل المنظمة.
ولم تكن هذه الأرقام وحدها ما وضع تجارب القاصرين في صلب النقاش، إذ حضرت كورتني ستودن مراسم توقيع القانون الجديد، مستعيدة تجربتها الشخصية في الزواج وهي في السادسة عشرة من رجل كان يبلغ 50 عاماً، بموافقة والديها، وتحدثت عن العلاقة ووصفتها بأنها مؤذية واستغلالية.
كيف وصلت كاليفورنيا إلى حظر زواج القاصرين؟
لم يكن الجدل حول زواج القاصرين جديداً في كاليفورنيا، إذ سبقت القانون الجديد محاولات تشريعية وحملات قادها ناجون ومنظمات حقوقية للمطالبة بإلغاء الاستثناءات. وفي المقابل، أبدت بعض المنظمات، من بينها الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية وPlanned Parenthood، تحفظات على الحظر الكامل، خصوصاً فيما يتعلق بحقوق القاصرين في اتخاذ بعض القرارات الصحية والإنجابية.
وتعكس هذه النقاشات حجم الظاهرة في الولايات المتحدة، إذ تقدّر منظمة Unchained At Last أن نحو 315 ألف قاصر تزوجوا قانونياً بين عامي 2000 و2021، كان 86% منهم فتيات، و96% من الحالات وقعت عندما كان عمر القاصر 16 أو 17 عاماً. كما سجلت الدراسة حالات لأطفال في سن العاشرة، وأكثر من 66 ألف حالة زواج في ظروف كان يمكن أن تُعد فيها العلاقة جريمة جنسية خارج إطار الزواج وفق قوانين بعض الولايات.
ماذا عن بقية الولايات الأمريكية؟
لا يعني قرار كاليفورنيا أن زواج من هم دون 18 عاماً أصبح محظوراً في الولايات المتحدة بأكملها، إذ لا يحدد القانون الفيدرالي سناً موحدة للزواج، وتملك كل ولاية صلاحية وضع قواعدها الخاصة المتعلقة بالحد الأدنى للسن والاستثناءات المرتبطة به.
وحتى العام 2017، كان زواج من هم دون 18 عاماً قانونياً في جميع الولايات الأمريكية الخمسين. ومنذ العام 2018، بدأت ولايات بإقرار قوانين تحظر الزواج قبل سن 18 عاماً من دون استثناءات. وكانت ديلاوير ونيوجيرسي أول ولايتين تحظران زواج القاصرين العام 2018، قبل أن تنضم إليهما ولايات أخرى خلال السنوات التالية.
وفي عام 2026، أصبحت أوكلاهوما الولاية السابعة عشرة التي تحظر الزواج قبل سن 18 عاماً دون استثناءات، ثم أُقرت في كاليفورنيا التشريعات التي جعلتها الولاية الثامنة عشرة في هذا التصنيف.
وبعد دخول قانون كاليفورنيا حيز التنفيذ، ستكون 18 ولاية أمريكية قد حظرت الزواج قبل سن 18 عاماً من دون استثناءات، بينما سيظل زواج القاصرين مسموحاً به وفق شروط مختلفة في 32 ولاية أخرى. أما واشنطن العاصمة، فقد حظرت الزواج قبل سن 18 عاماً بشكل منفصل، ولا تدخل ضمن عدد الولايات.
كيف تختلف قوانين زواج القاصرين بين الدول العربية؟
لا يقتصر النقاش حول زواج القاصرين على الولايات المتحدة، إذ تضع دول عربية عدة سن 18 عامًا أساسًا قانونيًا للزواج أو لتوثيق عقده، لكن بعضها لا يزال يسمح باستثناءات قضائية لمن هم دون هذه السن.
في مصر، يحظر قانون الأحوال المدنية توثيق عقد زواج لأي من الجنسين قبل إتمام 18 عامًا، وهي القاعدة التي أُدخلت إلى القانون العام 2008.
أما في الأردن، يحدد قانون الأحوال الشخصية سن 18 عامًا كأصل لأهلية الزواج، لكنه يسمح باستثناء قضائي لمن بلغ 16 عامًا. ويشترط لذلك موافقة قاضي القضاة، والتحقق من توفر الرضا والاختيار، وأن تكون هناك ضرورة تقتضيها المصلحة، وفق الضوابط والتعليمات المعمول بها.
وفي الإمارات، حدد قانون الأحوال الشخصية الاتحادي الجديد سن أهلية الزواج بـ18 عامًا ميلاديًا، لكنه أجاز للمحكمة السماح بزواج من هم دون ذلك بعد التحقق من وجود مصلحة في الزواج. كما صدر في العام 2025 قرار خاص ينظم ضوابط وإجراءات هذه الحالات، ويعرّف الزواج المبكر بأنه زواج شخص بلغ شرعًا ولم يبلغ 18 عامًا، سواء كان ذكرًا أم أنثى.
وتتبنى السعودية قاعدة مشابهة؛ إذ يمنع نظام الأحوال الشخصية توثيق عقد زواج من هو دون 18 عامًا، مع منح المحكمة صلاحية الإذن بزواج من هو أصغر من ذلك، ذكرًا كان أو أنثى، إذا كان بالغًا وبعد التحقق من مصلحته في الزواج.
وبذلك، يختلف النموذج الذي ستطبقه كاليفورنيا ابتداءً من يناير/كانون الثاني 2027 عن بعض هذه التشريعات؛ فالقانون الجديد لا يكتفي بوضع سن 18 عامًا كقاعدة عامة، وإنما يلغي الاستثناءات المرتبطة بموافقة الأهل أو المحكمة، ليصبح الزواج قبل هذه السن محظورًا في الولاية.
كيف تتعامل دول أخرى مع زواج من هم دون 18 عامًا؟
تختلف القواعد المتعلقة بزواج من هم دون 18 عامًا من دولة إلى أخرى، حتى في البلدان التي تعتمد هذه السن أساسًا قانونيًا للزواج. ففي ألمانيا، لا يسمح القانون بعقد الزواج قبل بلوغ سن الرشد عند 18 عامًا، بينما تضع فرنسا السن نفسها كقاعدة عامة، لكنها تتيح استثناءً للقاصرين لأسباب جدية وبموافقة المدعي العام، إلى جانب موافقة أحد الوالدين.
وفي أستراليا، يبلغ السن القانوني للزواج 18 عامًا، إلا أن القانون يسمح لمن يبلغ 16 أو 17 عامًا بالزواج في ظروف استثنائية وغير عادية، شريطة الحصول على موافقة قضائية والموافقة اللازمة، فيما يُحظر الزواج لمن هم دون 16 عامًا.
ما الذي يعيق حظر زواج القاصرين؟ وهل تلحق دول أخرى بكاليفورنيا؟
حول إمكانية أن تخطو دول أخرى على مسار كاليفورنيا، أشارت المحامية الأردنية نهيل الزعبي إلى أن تجربة الولاية قد تشجع ولايات أمريكية أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة، موضحة أن كاليفورنيا انضمت إلى 17 ولاية سبقتها في اعتماد سن 18 عاماً حداً أدنى للزواج دون استثناءات.
أما انتقال هذا النموذج إلى دول أخرى، ومنها الدول العربية، فترى الزعبي أنه أكثر تعقيداً، إذ تحدد بعض القوانين سن 18 عاماً للزواج مع منح القضاء صلاحية السماح به في حالات استثنائية. وترتبط صعوبة إلغاء هذه الاستثناءات بعوامل قانونية واجتماعية ودينية واقتصادية، إلى جانب العادات والتقاليد.
وتؤكد الزعبي أن الحظر القانوني وحده قد لا يكون كافياً من دون آليات للرقابة والتسجيل والحماية، محذرة من أن تشديد القوانين من دون معالجة العوامل الاجتماعية قد يدفع بعض الزيجات المبكرة إلى خارج الإطار الرسمي، وبالتالي عدم تسجيلها.
هل هناك عمر مثالي للزواج؟
في قراءة من الجانب الأسري والاجتماعي، تحدث موقع 'فوشيا' مع غدير غابن، المرشدة الأسرية والزوجية المتخصصة في تقديم الاستشارات والبرامج الإرشادية، حول السن الأنسب للزواج والاستعداد لهذه الخطوة.
وترى غابن أنه لا يوجد 'عمر سحري' يمكن عنده القول إن الشخص أصبح جاهزاً للزواج، موضحة أن شخصاً في الخامسة والعشرين قد يمتلك من الوعي والنضج والقدرة على الحوار وتحمل المسؤولية ما يفوق شخصاً في الخامسة والثلاثين، والعكس صحيح. لذلك، فإن العمر بالنسبة إليها 'مؤشر، لكنه ليس تشخيصاً للنضج'.
وتشير غابن، انطلاقاً من خبرتها في الاستشارات الأسرية والزوجية، إلى أنها تلاحظ اختلافاً في بعض التحديات والاحتياجات بحسب العمر الذي يدخل فيه الزوجان إلى الزواج، إلا أن الرقم وحده لا يكشف مدى استعداد الطرفين لهذه الخطوة.
وتوضح أن الأسئلة الأهم تتعلق بقدرة الشخص على معرفة ذاته، واتخاذ قرار مستقل وتحمل مسؤوليته، والتعامل مع الاختلاف من دون هدم العلاقة، ووضع الحدود وفهم احتياجاته واحتياجات الطرف الآخر. كما تطرح سؤالاً أساسياً: هل اختار الشخص الزواج فعلاً، أم دفعه إليه الخوف أو ضغط الأسرة أو الرغبة في الهروب من ظرف آخر؟.
لماذا تؤيد غدير غابن حظر الزواج قبل 18 عاماً؟
وفيما يتعلق بحظر الزواج لمن هم دون 18 عاماً، تقول غابن إنها تؤيد القرار، مستندة أيضاً إلى تجربتها الشخصية مع الزواج المبكر، وما تركه من تأثير في مسار حياتها وقدرتها على اتخاذ القرارات، سواء في العلاقة الزوجية أو في دورها كأم. وتوضح أنها كانت ترى نفسها في ذلك الوقت قادرة وواعية، لكنها استفادت من عوامل داعمة ساعدتها على تجاوز بعض التحديات، وهو ما يدفعها إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الفرص والإمكانات متاحة لجميع من يدخلون الزواج في سن مبكرة.
وترى غابن أن حماية من هم دون 18 عاماً لا ينبغي أن تتوقف عند تحديد سن الزواج، بل تقترح أيضاً اعتماد برامج تأهيلية إلزامية للمقبلين على الزواج، تساعدهم على فهم الطرف الآخر، وطبيعة العلاقة وتحدياتها، والتعامل مع ضغوط الأسرة، وإدراك تبعات القرار، إلى جانب تعزيز التوازن في القوة بين الطرفين.
د. حنين بطوش: التعليم والاستقلالية جزء من الجاهزية
من زاوية أخرى، أوضحت الاستشارية الأسرية والتربوية د. حنين بطوش في حديثها لموقع 'فوشيا' أنه لا يمكن تحديد عمر واحد باعتباره العمر المثالي للزواج، إذ تختلف الجاهزية بحسب شخصية الفرد وظروفه ومستوى نضجه والوعي بمفهوم الزواج، والقدرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرارات وحل الخلافات.
ولفتت بطوش إلى أهمية التعليم والعمل والتجارب الحياتية، مشيرة إلى تفضيلها أن يكون الشخص قد أنهى البكالوريوس، إلى جانب امتلاكه رؤية واضحة لحياته ومصدر دخل مناسب.
أما عن القوانين التي تمنع الزواج قبل سن 18 عاماً، فأوضحت أن الجانب الشرعي يختلف عن الجانب القانوني والتنظيمي، مشيرة إلى أنه لا يمكن وصف الزواج قبل هذا العمر بأنه حرام لمجرد عدم بلوغ الشخص 18 عاماً. لكنها تشجع على إكمال التعليم وتأجيل الزواج إلى ما بعد هذه السن، لما توفره هذه المرحلة من نضج واستقلالية أكبر.
وترى أن تحديد سن الزواج يمكن أن يكون إجراءً تنظيمياً لحماية الشخص من مسؤولية قد لا يكون مستعداً لها، خصوصاً أن الشخصية والاستقلالية النفسية لا تكونان قد اكتملتا بالضرورة في سن 16 أو 17 عاماً.
وتشدد بطوش على أن الزواج ليس مجرد علاقة عاطفية، وإنما مسؤولية نفسية وعاطفية واجتماعية ومالية طويلة الأمد، لافتة إلى أهمية امتلاك المقبل على الزواج القدرة على التحكم بانفعالاته، والتعامل مع الخلافات، وفهم الحقوق والواجبات والحدود والخصوصية، إلى جانب القدرة على اتخاذ قرارات تتعلق بالسكن والإنفاق والعمل وتربية الأطفال.
وتؤكد أن العمر وحده لا يحدد الجاهزية؛ فقد يكون شخص في الثلاثين غير مستعد للزواج، بينما قد يكون شخص أصغر سناً أكثر قدرة على تحمل المسؤولية، إلا أن اكتساب هذه المهارات في سن مبكرة يظل أقل شيوعاً بسبب محدودية التجارب الحياتية.




























