لايف ستايل
موقع كل يوم -في فن
نشر بتاريخ: ٢٥ شباط ٢٠٢٦
أسدل الستار على الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. دورة حفلت بالجدل السياسي والخلافات والسجالات التي أخذت الحوار من داخل قاعات العرض إلى خارجها، بما أثر على حفل الختام الذي جاء سياسيًا بامتياز، تبارى الفائزون في إعلان مواقفهم فيه، وأغلبها داعم للمستضعفين في كل مكان، وعلى رأسها الضحايا في قطاع غزة والأراضي الفلسطينية.
لجنة التحكيم التي رأسها المخرج الألماني فيم فيندرز أعلنت جوائز أوروبية الطابع جدًا، تجاهلت بشكل واضح الأفلام الأفريقية والآسيوية واللاتينية، وأسندت جوائز المهرجان الرسمية الثمانية لأفلام آتية من العالم القديم. نحاول النظر في الأفلام الفائزة خلال هذه القراءة النقدية.
الدب الذهبي: خطابات صفراء Yellow Letters (ألمانيا/ تركيا)
الجائزة الأكبر في المهرجان ذهبت إلى المخرج الألماني ذي الأصول التركية إلكر تشاتاك، والذي يعود إلى جذوره بعد أن قدم موهبته للعالم بفيلم ألماني بحت هو 'غرفة المدرسين The Teachers’ Lounge' والذي ترشح للأوسكار في مطلع عام 2024. 'خطابات صفراء' على النقيض فيلم تركي تمامًا، حتى لو أقدم صانعه على واحد من أكثر القرارات الإخراجية جرأة: أن يقوم بتصوير تركيا في ألمانيا، وأن يخبر الجمهور بذلك.
لا يعني ذلك التصوير داخل أماكن مغلقة، ولكن يمتد لمشاهد الشوارع والمتاجر والمسارح، وكلها تلعب دورًا مهمًا في الحكاية التي تتابع ما يتعرض لها نجما المسرح القومي التركي: مؤلف ناجح وزوجته الممثلة النجمة، واللذان تنقلب حياتهما رأسًا على عقب فجأة بسبب السياسة، فيُفصلان من عملهما، ويضطران لترك العاصمة أنقرة والاتجاه إلى إسطنبول بحثًا عن حياة جديدة. تشاتاك يُعلن صراحة في لوحة ببداية فصلي الفيلم الأول والثاني: سيصوّر برلين كأنها أنقرة، وهامبورج باعتبارها إسطنبول.
بالرغم من غرابة الفكرة، إلا أن ما ينجح فيه الفيلم هو جعلنا نتجاوز الاختلاف البصري سريعًا، وننغمس في الحكاية المكتوبة ببراعة، والتي لا تتوقف عند حد إدانة هيمنة الدولة على الإبداع ومطاردة الفنانين الذين لا يسيرون وفق الأجندة الرسمية، لكنها تتجاوز ذلك لتنغمس أكثر في العلاقة بين الزوجين وابنتهما، طارحة تساؤلات مهمة حول مفهوم الأسرة وكيف يمكن أن يمتلئ بالشكوك مع اختلاف الأوضاع المعيشية، حول اختيارات الفنان المهنية والحياتية ومدى أهمية التمسك بالمبادئ المهنية إذا ما كان ذلك يعني عدم امتلاك مسار مهني من الأساس، كذلك حول الفروق بين الفنون الجماهيرية السائدة وتلك المستقلة المغايرة.
بأداء بالغ التماسك من الممثلين الرئيسيين يبرع إلكر تشاتاك في أخذ خطوة كبيرة للأمام بعد نجاح فيلمه السابق. قد لا يبدو 'خطابات صفراء' فيلمًا مكتملًا سيظل طويلًا في تاريخ السينما، لكنه بالتأكيد كان أحد أفضل أفلام مسابقة برليناله 76، ولو كانت هناك ثلاثة أفلام استحقت الحصول على الدب الذهبي، فقد كان بالتأكيد من بينها.
جائزة لجنة التحكيم الكبرى: خلاص Salvation (تركيا)
لجنة التحكيم قررت منح الجائزة الثانية لحكاية تركية أيضًا، لكنها هذه المرة تركية خالصة تأتي من أحد الأسماء اللامعة في الثقافة السينمائية التركية: الناقد والمؤرخ والمبرمج والمخرج أمين إلبير الذي يحاول في فيلمه الرابع تحليل جذور التطرف، وكيف يمكن لمجتمع مسالم أن يتحوّل بين عشية وضحاها إلى مجموعة من المجرمين، ينفذون جرائمًا جماعية بدعوى التديّن والوطنية وحماية الذات والقرية.
الأحداث تدور في قرية كردية جبلية، تسير الحياة فيها بهدوء، حتى تتغير الأمور بعودة عشيرة جارة بعد سنوات من النفي.
زعيم القرية رجل دين مسالم ومتوازن، يحاول أن يجعل الأمور تستمر بإيقاعها المعتاد، لكن شقيقه الأكثر عنفًا واندفاعًا، والذي يبدأ في رؤية أحلام أقرب للهلوسة تدفعه دفعًا للشك في كل شيء، يُقرر أن الهدوء ليس هو الخيار السليم، ويبدأ في تحدي سلطة شقيقه واستمالة أهل القرية إلى صفّه من أجل الدفاع عن أنفسهم تجاه الخطر الذي يتوقعه من الجيران العائدين.
'خلاص' يبدو عتيق الطراز بعض الشيء، لا يحمل ما يشير لصناعته في عصرنا الحالي تحديدًا، بل إنه من الممكن جدًا تصوّر صناعته بنفس تفاصيله قبل عقود. لكنه في الوقت نفسه لا يرتبط بالزمن، لما يحاوله مخرجه من تقديم رؤيته لنشوء فكرة التطرف بشكل عام، في أي عصر وأي مكان. ولعل أفضل اختيارات أمين إلبير هي تجاهله العشيرة العائدة بشكل شبه كامل، لأن فيلمه ليس عن صراع ينشأ بين جماعتين من البشر، بل عمّا يحدث داخل جماعة واحدة تسير حثيثًا نحو الجنون لأسباب داخلية، لا يهم معها كثيرًا إن كان الطرف الثاني قد فعل ما يستحق هذا الغضب أم لا. فيلم عقلاني من مخرج تؤكد أفلامه دائمًا عن انحيازه للعقل والتحليل قبل أي شيء آخر.
جائزة لجنة التحكيم وجائزة التمثيل في دور داعم: ملكة عند البحر Queen at Sea (بريطانيا)
الفيلم الوحيد الذي نال جائزتين من لجنة تحكيم فيم فيندرز، والذي أكد في كلمته أن اللجنة ترى أن الأفلام الثلاثة الأولى متساوية في القيمة، لكنها خصّت الفيلم صاحب الجائزة الثالثة في الترتيب بجائزة التمثيل الداعم، ومنحتها مناصفة بين الثنائي البريطاني المخضرم آنا كالدر مارشال وتوم كورتناي اللذان لعبا دور زوجين عجوزين يواجهان محنة من نوع خاص.
تبدأ الأحداث عندما تزور ابنة (تجسدها النجمة جوليت بينوش) منزل والدتها المصابة بمرض فقدان الذاكرة بسبب التقدم في العمر، لتجد زوج الأم يمارس الجنس مع الأم غير الواعية، فما يكون منها إلا أن تتصل بالسلطات متهمة إياه باغتصاب الأم، لتبدأ سلسلة من التعقيدات القانونية والصحية والحياتية التي تجعلنا نفكر مليًا في كيف يمكن للأنظمة القانونية التي يفترض أن هدفها حماية البصر أن تصير وسيلة لجعل حياتهم أكثر تعقيدًا.
يبرع النص الذي كتبه المخرج لانس هامر في نسج موقف معقد بطبيعته، فزوج الأم ليس مغتصبًا شريرًا، لكنه رجل مُحب يجد شريكة عمره تخسر وعيها تدريجيًا بينما يرغب في البقاء بجوارها، بل ونعلم أن زوجته نفسها لا تزال ترغب لا شعوريًا في التواصل الجسدي رغم التحلل التدريجي لوعيها وذاكرتها. الابنة أيضًا لم تتصل بالسلطات بدافع الشر، وإنما لرغبتها في حماية أمها، مع علمها أن الزوج هو من يتحمل مسؤولية الأم ويعتني بها في حالتها الصحية، لكنها لا تتوقع أن مجرد إبلاغها جعل منه متهمًا يجب بقوة القانون أن يُبعد عن ضحية لا تستطيع مواصلة الحياة دون وجوده جوارها.
دراما بريطانية بامتياز يمكن اعتبارها إضافة معاصرة لما عُرف قديمًا بواقعية حوض المطبخ Kitchen sink realism، وهي الموجة السينمائية البريطانية التي بزغت في ستينيات القرن الماضي وتخصصت في تقديم الأزمات الحياتية لمجتمعات الطبقة العاملة البريطانية. أبطال 'ملكة عند البحر' لا ينتمون بالضبط للطبقة نفسها، لكنهم أيضًا محكومون بالمجتمع والسلطة ومحددات القانون التي لا تمنح كل أزمة خصوصية تناسب طبيعتها.
أحسن إخراج: الكل يحفر بيل إيفانز Everybody Digs Bill Evans (بريطانيا)
قد يكون الاختيار الأقل توفيقًا للجنة التحكيم هو منح جائزة الإخراج لجرانت جي، صانع الوثائقيات والأفلام الموسيقية الذي اعترف مازحًا في كلمته خلال استلام الجائزة إنه لم يخرج الفيلم لأنه لا يعرف كيف يفعلها، لكنه وظف فريق ماهر تمكن من مساعدته. الكلمات في إطار المزاح بطبيعة الحال، لكنها قد تُعبر عما وجدته لجنة التحكيم من اختلاف إخراجي في هذا الفيلم الذي صنعه جي عن سيرة عازف بيانو الجاز الأمريكي الشهير بيل إيفانز.
الفيلم يتحرك بحرية زمنية بين مراحل مختلفة من حياة إيفانز، الفنان الموهوب الذي صدمته وفاة شريكه الموسيقى في حادث مفاجئ بعد أيام من تسجيل اثنين من أهم التسجيلات في تاريخ موسيقى الجاز معًا، لينغمس في إدمان المخدرات التي تؤثر على حياته المهنية والشخصية، بصورة يعرضها الفيلم بطريقة الشذرات، عبر مواقف متباينة من حياة إيفانز مع عائلته وأصدقاءه وزملائه في رحلة الإدمان.
المأساوي في حياة إيفانز هو الموت الذي يحاصره، وبينما يتجه إليه بسرعة بسبب المخدرات، يفاجئه القدر في كل مرة برحيل شخص مقرب كان يبدو أبعد كثيرًا عن الموت من بطلنا، وهي المفارقة التي يتحرك حولها الفيلم، بكثير من الإطناب والركض في المكان، وقليل من الموسيقى الذي تكاد تنعدم في شريط الفيلم، وهو اختيار بالغ الغرابة في فيلمه شخصيته الرئيسية موسيقار أسطوري، لكنه قد يكون أيضًا واحدًا من القرارات الإخراجية التي لفتت أنظار لجنة فيندرز ودفعتهم لمنح الجائزة لجرانت جي.
أحسن تمثيل رئيسي: ساندرا هولر عن روزه Rose (النمسا)
في عام 2023 تعرضت النجمة الألمانية ساندرا هولر لواحدة من أكثر المفارقات الظالمة في تاريخ المهرجانات، عندما لعبت دوري عمرها في فيلمي 'تشريح سقوط Anatomy of a Fall' للفرنسية جوستين تريه و'منطقة اهتمام The Zone of Interest' للبريطاني جوناثان جلازر. دوران كل منهما يكفل لها بسهولة جائزة أحسن ممثلة في مهرجان كان، لكن لأن الفيلمان كانا الأفضل فنالا أكبر جائزتين في المهرجان: السعفة الذهبية والجائزة الكبرى، ففقدت تلقائيًا فرصها في الجائزة بسبب اللائحة التي تمنع منح جوائز فرعية للأفلام الفائزة بالجوائز الثلاثة الكبرى، وكأنه عقاب على بطولتها لأفضل فيلمين في المهرجان.
هذا العام قامت لجنة تحكيم برلين بتعويضها بصورة عكسية، فبالرغم من وضع المحللين فيلم 'روزه' للنمساوي ماركوس شلينزر على رأس قائمة المرشحين للدب الذهبي (تصدر الفيلم تقييم النقاد في مجلة سكرين)، إلا أن اللجنة رأت أن تمنح الجوائز الرئيسية لأفلام أخرى وتعطي هولر جائزة أفضل تمثيل في دور رئيسي، وهي الجائزة التي جعلها المهرجان منذ عدة أعوام عامة تغطي كل الأجناس، بدلًا من التفرقة بين الممثلين الذكور والإناث، مع منح جائزة مماثلة لأفضل تمثيل في دور داعم.
في 'روزه' جسدت هولر شخصية مثيرة للاهتمام، عن امرأة تتظاهر بكونها رجلًا في القرن السابع عشر، عندما تظهر في قرية بروتستانتية زاعمة أنها صاحب المنزل الغائب منذ سنوات، مستعينة في ذلك بندبة ضخمة على وجهها بسبب الحرب، وبمعدات بدائية استخدمتها لإيهام من حولها أن جسدها جسد رجل.
اجتهدت الممثلة الموهوبة في الدور الذي يتطلب التزاما جسديًا وصوتيًا وحركيًا، وإن كان حضورها الأنثوي الواضح وقف دائمًا – على الأقل في وجه كاتب هذه السطور – حائلًا أمام تصديق أن أهالي القرية قد صدقوا حقًا أنها رجل وليس أنثى تتخفى في ثوب رجل.
أحسن سيناريو: نينا روزا Nina Roza (كندا)
لا يبدو الاكتفاء بجائزة السيناريو مُنصفًا لهذا الفيلم الذي يمكن اعتباره أفضل أفلام المسابقة على الأطلاق، لكنها بالتأكيد جائزة مستحقة، في ظل امتلاك فيلم المخرج الكندية جونيفيف دولود دي كيليس أكثر قصص برليناله السينمائية اكتمالًا. حكاية ابنة العصر واللحظة الراهنة، تعبر عن أسئلة تخص الفنانين، لكن يمكن تعميمها لتشمل كل إنسان يحاول البحث عن مستقبل أفضل له ولأبنائه.
البطل خبير أعمال فنية كندي من أصول بلغارية، هاجر منذ سنوات طويلة مصطحبًا ابنته وزوجته، لتموت الزوجة ويكمل حياته الناجحة في وطنه الجديد مع الابنة التي كان عليها أن تتأقلم مع الحياة الكندية وتستفيد من الفرص التعليمية والمهنية التي توفرها لها. يُكلف البطل بمهمة فنية يعود خلالها إلى بلغاريا بعد أعوام من الغياب. المهمة هي التأكد من صحة قيام طفلة في إحدى القرى برسم أعمال فنية بديعة حققت نجاحًا ضخمًا على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن تأكد أنها أنجزت اللوحات دون مساعدة من أسرتها أو البالغين حولها، فلن تتغير فقط حياة الأسرة ببيع اللوحات لمجموعة مُقنٍ ثري، وإنما ستنال الفتاة وأهلها فرصة ذهبية بالهجرة إلى إيطاليا لدراسة الفن والاستثمار في موهبة الفتاة.
يطرح الفيلم عدة أسئلة بالغة العمق حول تأثير المحيط على المواهب الفطرية، ومدى ارتباط الإبداع بالارتياح لمكان ممارسته، كذلك حول فكرة الهجرة من أجل فرص أفضل، وهل اختيار أخلاقي إذا ما كان موضوعه طفلة دون السن القانوني، لا تريد أن تُنتزع من بيتها، ولا تفهم أن ذلك من أجل مصلحتها. هل هو بالفعل كذلك؟ يُسائل البطل قراره القديم الذي أخذه بالنيابة عن ابنته عندما قرر نقل حياتها من دفء وعشوائية بلغاريا إلى برودة وتطور كندا. سيناريو بالغ النضج لفيلم مُعاصر في شكله ومضمونه، كان من أفضل التجارب السينمائية في برليناله 76.
جائزة الإسهام الفني: يو (الحب طائر متمرد) Yo (Love Is a Rebellious Bird) – الولايات المتحدة
ذهبت جائزة الإسهام الفني في مكانها المستحق تمامًا: إلى الفيلم الوثائقي الوحيد الذي تضمنه مسابقة المهرجان، والذي قدمت صانعيه آنا فيتش وبانكر وايت سردًا إبداعيًا يجعل من حكاية بسيطة ملحمة بطول نصف قرن أو يزيد. الحكاية عن امرأة تدعى يو، امرأة فرنسية متمردة هاجرت إلى الولايات المتحدة في شبابها، وعاشت حياة طويلة مليئة بأحداث يمكن اعتبارها اعتيادية، لكنها تحمل في مجملها تجربة امرأة قوية تملك وجهة نظر في الحياة.
تنشأ صداقة بين يو والمخرجة التي تصغرها بنصف قرن كامل، وتبدأ في تصوير حواراتهما معًا، وعندما تموت يو بسبب الشيخوخة قبل عشر سنوات، تقرر آنا وشريكها في الحياة والفيلم إعادة خلق حياة يو على الشاشة. يصنعان نموذجًا مصغرًا بحجم الثلث من بيت المرأة الراحلة، ودمية تمثلها، ويستخدمان المواد الأرشيفية والتحريك والسرد الصوتي لخلق رحلة كاملة في ذاكرة يو، رحلة تجميع بين حيوية شباب لم يعد موجودًا، وخبرة عمر طويل عاشته المرأة ذات الذهن المتقد، ليكون النتيجة فيلمًا ممتعًا، عصيًا على التصنيف، يمكن اعتباره أحد الأفلام التي تظهر من حين لآخر لتخبرنا أن فن السينما لا يزال بإمكانه استكشاف المزيد من المساحات السردية الجديدة.
اقرا أيضا:




























