اخبار العراق
موقع كل يوم -ار تي عربي
نشر بتاريخ: ٢٥ أيلول ٢٠٢٦
لم يعد الملف النووي في الشرق الأوسط حكرا على المعادلة التقليدية، إذ نجحت روسيا في العقدين الماضيين في تقديم نفسها كشريك استراتيجي موثوق في الطاقة النووية السلمية.
وفي المقابل، لا يزال الرادع الإسرائيلي حاضرا بقوة عبر ما يعرف بـ'عقيدة بيغن'، التي طبقت عسكريا مرتين خلال العقود الأربعة الماضية ضد برامج نووية عربية. وبين هذين القطبين - الانفتاح الروسي والحسم الإسرائيلي - تتوزع البرامج النووية العربية على ثلاث فئات: دول تمتلك مفاعلات نووية عاملة بنجاح، ودول حاولت امتلاك قدرات نووية ثم تخلت عنها أو جمدتها، ودول لديها برامج نووية سلمية ناشئة أو قيد التفاوض.
مصير البرامج النووية العربية
العراق وسوريا.. الضربات الاستباقية
في العراق، دمرت إسرائيل عام 1981 المفاعل الذي بني بمساعدة فرنسية في 'عملية أوبرا'، ولاحقا كشف مفتشو الأمم المتحدة عن برنامج سري آخر متقدم، تم تفكيكه قسرا بعد حرب 1991. وفي سوريا، قصفت إسرائيل عام 2007 المفاعل السوري الذي كان يبنى بمساعدة كورية شمالية فيما عرف بـ'عملية البستان'، قبل تدشينه وتشغيله.
ليبيا: التفكيك الطوعي
تحت ضغط الغزو الأمريكي للعراق والعزلة الدولية، وافق الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي عام 2003 على تفكيك برنامجه النووي طوعا حيث نقلت المعدات إلى الولايات المتحدة.
الدول العربية وبرامجها النووية
الإمارات ومصر والجزائر.. من التشغيل الفعلي إلى الشراكة الروسية
تتصدر الإمارات هذه الفئة بوصفها الدولة العربية الوحيدة التي أنجزت مشروعا نووياً بالكامل ووصلت به إلى التشغيل التجاري الفعلي. فقد أنشأت مؤسسة الإمارات للطاقة النووية محطة 'براكة' في أبوظبي بالتعاون مع الشركة الكورية الجنوبية 'كيبكو'، لتضم أربع وحدات من طراز 'إيه بي 1400'. ودخلت الوحدة الأولى الخدمة التجارية عام 2021، لتكون أول محطة طاقة نووية جديدة تنج عالميا منذ 27 عاماً بحسب تقارير متخصصة، فيما اكتمل تشغيل الوحدات الأربع تجاريا بحلول سبتمبر 2024.
وبلغت القدرة الإنتاجية الإجمالية للمحطات الأربع 5.6 غيغاواط، بإنتاج سنوي يقارب 40 تيراواط/ساعة من الكهرباء، ما يغطي نحو 25% من احتياجات الإمارات من الكهرباء، ويسهم بحسب مسؤولين إماراتيين في تفادي إطلاق نحو 22.4 مليون طن من الانبعاثات الكربونية سنويا.
وخضع المشروع، وفق بيانات رسمية، لأكثر من 496 عملية تفتيش من الهيئة الاتحادية للرقابة النووية، و84 مراجعة من المنظمة الدولية للمشغلين النوويين، و15 مهمة تقييم من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ووصف الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، المشروع بأنه 'إنجاز إماراتي، وفخر عربي، وإضافة عالمية لحماية الكوكب'. ويقوم هذا الإنجاز على التزام إماراتي كامل بـ'المعيار الذهبي' الأمريكي، إذ تخلت أبوظبي طوعا عن حق التخصيب المحلي ضمن اتفاقيتها النووية مع واشنطن.
في المقابل، تمثل محطة 'الضبعة' النووية في مصر أكبر تحول استراتيجي في الملف النووي العربي باتجاه الشراكة الروسية، إذ تتولى شركة 'روساتوم' بناء 4 مفاعلات من طراز VVER-1200. ولم تقدم موسكو التكنولوجيا فحسب، بل مولت نحو 85% من تكلفة المشروع عبر قرض سيادي ميسر، وتتكفل بتوفير الوقود النووي وإدارة النفايات المشعة. ويسير المشروع بشفافية تامة تحت ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن المتوقع أن تدخل أول وحدة منه الخدمة في أواخر هذا العقد.
أما الجزائر، فتعاونت تاريخيا مع روسيا لتحديث مفاعل 'نور' البحثي في الدرارية، وتزويده بالوقود والصيانة الفنية. ورغم أنه مفاعل سلمي بحت، فإن التعاون النووي الجزائري - الروسي يمثل عمقا استراتيجيا يمتد لعقود، ويخضع لمراقبة الوكالة الدولية.
الأردن والسعودية.. محاولات تردد وأوراق ضغط
وقع الأردن اتفاقية مع 'روساتوم' عام 2013 لبناء مفاعل نووي لتوليد الكهرباء وتحلية المياه، لكن المشروع أجل ثم ألغي فعليا بحلول عام 2018 بسبب التكاليف الباهظة وصعوبة التمويل، لتتحول عمان نحو الطاقة المتجددة.
أما السعودية، فتدرس بناء مفاعل نووي ضمن مساعيها لتطوير برنامج نووي سلمي، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام الخليجي بالطاقة النووية كخيار استراتيجي لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء وتنويع مصادر الطاقة.
عقيدة بيغن النووية
في قاموس الأمن الإسرائيلي، توجد قاعدة غير مكتوبة لكنها مطبقة بصرامة منذ أكثر من أربعة عقود، تعرف بـ'عقيدة بيغن'، وملخصها: 'ابدأ الضربة ثم اطرح السؤال'. وتنص هذه العقيدة على أن إسرائيل لن تسمح لأي دولة معادية في الشرق الأوسط بامتلاك أسلحة نووية، وأنها مستعدة لاستخدام القوة العسكرية الاستباقية لمنع ذلك. وطبقت هذه العقيدة عمليا مرتين فقط ضد دول عربية، العراق عام 1981، وسوريا عام 2007.
عملية 'أوبرا' (1981).. الولادة الدموية للعقيدة النووية
تمثل عملية 'أوبرا'، التي استهدفت مفاعل 'تموز-1' الواقع على بعد 17 كيلومترا جنوب شرق بغداد، التطبيق الأول والأبرز للعقيدة العسكرية الإسرائيلية. فقد رصدت الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) والمخابرات الغربية، في أواخر سبعينيات القرن الماضي، سعي النظام العراقي بقيادة صدام حسين لشراء مفاعل نووي للأبحاث من فرنسا.
ورغم ادعاء بغداد أن المفاعل لأغراض سلمية، اعتقدت إسرائيل أنه سيستخدم كغطاء لإنتاج البلوتونيوم لصنع قنبلة نووية. وبعد فشل الضغوط الدبلوماسية الأمريكية والفرنسية في إيقاف المشروع، قررت تل أبيب التحرك عسكريا.
وفي صباح الأحد 7 يونيو 1981، أقلعت 8 طائرات إف-16 إسرائيلية محملة بقنابل وزن الواحدة منها طنان، برفقة 6 طائرات إف-15 لتوفير الغطاء الجوي.
وقطعت التشكيلة مسافة تزيد عن 1000 كيلومتر عبر الأجواء السعودية والأردنية بمسارات منخفضة لتجنب الرادارات، ووصلت إلى الهدف قبل غروب الشمس بدقائق. وفي هجوم خاطف استغرق أقل من دقيقتين، أسقطت الطائرات 14 قنبلة دمرت قلب المفاعل، وأودت بحياة مهندس فرنسي وآخر عراقي.
قفزة التكنولوجيا وحرب الظلال في سوريا
تشكل عملية 'البستان'، التي نفذتها إسرائيل في 6 سبتمبر 2007 واستهدفت مفاعل 'الكبر' في منطقة دير الزور شرق سوريا، قفزة نوعية في توظيف الحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.
بدأت خيوط العملية عام 2006، حين تسلمت الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية صورا التقطتها الأقمار الصناعية تكشف عن بناء غامض في قلب الصحراء السورية.
ولم تكتف المراقبة الجوية بذلك، بل نفذ الموساد عملية استخباراتية بالغة التعقيد عرفت بـ'عملية خارج الصندوق'، نجح من خلالها في تهريب صور من داخل المنشأة أثبتت أنها نسخة طبق الأصل من مفاعل 'يونغبيون' النووي الكوري الشمالي.
وأدركت إسرائيل آنذاك أن نظام بشار الأسد يشرع في بناء مفاعل لإنتاج البلوتونيوم، وكان على وشك بلوغ مرحلة التشغيل الفعلي ('المرحلة الساخنة')، وهو ما كان سيجعل أي قصف لاحق له كارثة إشعاعية وبيئية.
وعلى النقيض التام من عملية 'أوبرا'، لم تعتمد إسرائيل في ضربتها السورية على المفاجأة الجغرافية فحسب، بل على تفوق تكنولوجي ساحق. ففي ليلة 6 سبتمبر 2007، اخترقت طائرات 'إف-15 آي' الإسرائيلية الأجواء السورية محملة بترسانة دقيقة.
وكشفت تسريبات لاحقة أن إسرائيل وظفت تقنيات حرب إلكترونية متطورة، يرجح أنها تضمنت استخدام طائرات 'EA-3B' أو أنظمة سيبرانية متقدمة، نجحت في 'تعمية' شبكة الرادارات السورية بالكامل.
ونتيجة لهذا الشلل الإلكتروني، بقيت الدفاعات الجوية السورية عمياء تماما ولم تطلق أي صاروخ اعتراض، ما سمح للطائرات الإسرائيلية بتدمير المنشأة النووية بالكامل في غارة دقيقة وحاسمة، وأجهض البرنامج النووي العسكري السوري في مهده.
المظلة الأمريكية مقابل 'الدبلوماسية النووية' الروسية
تتصارع واشنطن وموسكو على تشكيل مستقبل الطاقة النووية في الشرق الأوسط عبر نموذجين متناقضين:
النموذج الأمريكي 'المعيار الذهبي': تشترط الولايات المتحدة توقيع 'اتفاقية 123' التي تمنع الدولة الشريكة من امتلاك دورة وقود نووي كاملة (أي تمنع تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة البلوتونيوم محليا)، وتفرض حق الفيتو الأمريكي على إعادة تصدير التكنولوجيا. ويضمن هذا النموذج لإسرائيل ألا تتحول التكنولوجيا إلى سلاح، غير أنه ينظر إليه على أنه يقيد السيادة الوطنية.
النموذج الروسي 'المرونة الاستراتيجية': تقدم روسيا حزمة متكاملة: بناء، تمويل، تشغيل، وإعادة الوقود المستهلك إلى الأراضي الروسية. والأهم أن موسكو لا تفرض شروطا سياسية أو حقوقية مسبقة كتلك التي تطلبها واشنطن، وتكتفي بالالتزام بضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وهذا يجعل العرض الروسي مغريا للغاية للدول العربية الراغبة في تنويع حلفائها وتجنب الابتزاز الأمريكي. ومع ذلك، تظل روسيا حريصة على عدم خرق معاهدة عدم الانتشار النووي بشكل صريح، حفاظا على شرعيتها الدولية.
ومن سياق ما سبق، يتضح أن البرامج النووية العربية تواجه معادلة معقدة تتقاطع فيها الضغوط الإسرائيلية، والشروط الأمريكية، والحاجة المتنامية للطاقة، بينما تبقى تجربة براكة الإماراتية النموذج العربي الوحيد المكتمل حتى الآن، ونافذة 'روساتوم' الروسية مدخلا بديلا يعيد رسم ملامح المشهد النووي العربي في العقود المقبلة.
المصدر: RT






































